أصبح الفجر غروبًا بفقدك يا باقر العلم ……

أصبح الفجر غروبًا بفقدك يا باقر العلم ……
بقلم: ناصر أحمد سعيد
نشأ الإمام الباقر في بيت الرسالة وعاش مع جدّه الحسين بن علي أربع سنين ومع أبيه تسعًا وثلاثين سنة وقد لازمه وصاحبه طيلة هذه المدة فلم يفارقه وقد تأثّر بهديه وعلمه وتقواه وورعه وزهده وشدة انقطاعه وإقباله على الله وكان جده وأبوه يعلّمانه ما استقر في نفسيهما من الخير والهدى، والسّلوك النير والاتجاه السليم. ويقول المفيد أنّه كان من بين إخوته خليفة أبيه ووصيّه والقائم بالإمامة – – من بعده، وبرز على جماعتهم بالفضل في العلم والزهد، والسؤدد، وكان أنبههم ذكرًا وأجلّهم في العامة والخاصة وأعظمهم قدرًا ولم يظهر عن أحد عن ولد الحسن والحسين من علم الدين والآثار والسّنة وعلم القرآن والسيرة وفنون الآداب ما ظهر عن أبي جعفر. وروى عنه معالم الدين بقايا الصحابة ووجوه التابعين ورؤساء الفقهاء المسلمين وكتبوا عنه تفسير القرآن.
كان زاهداً عابداً وقد بلغ من العلم درجةً عاليةً سامية، حتى إن كثيراً من العلماء كانوا يرون في أنفسهم فضلاً وتحصيلاً، فإذا جلسوا إليه أحسُّوا أنهم عِيالٌ عليه، وتلاميذٌ بين يديه، ولذلك لُقِّب بالباقر: من بَقَر العلم أي شَقَّه، واستخرج خفاياه، وقد كان إلى جانب علمه من العاملين بعلمهم؛ فكان عفَّ اللسان، طاهرَ
لقد عرف عهد الإمام الباقر بكثرة المناظرات والمحاججات والحوارات المفتوحة، لأن دولة بني أمية فتحت المجال للبدع والمذاهب المنحرفة والاتجاهات الضالة والآراء الفاسدة الكاسدة، فجلس الإمام الباقر بكل جهاد أمام هذه التيارات المنحرفة يوعظهم ويرشدهم ويصحح أفكارهم ويهديهم إلى الصرط المستقيم…… كما عرف الامام الباقر(عليه السلام) بوسطيته وأعتداله…. ويروى أن نصرانيا لاقى الإمام الباقر في الشارع فقال له: أنت بقر؟
فقال له الإمام: لا، أنا باقر.
فقال النصراني: أنت ابن الطباخة؟
قال: ذاك حرفتها.
قال: أنت ابن السوداء الزنجية؟
قال: إن كنت صدقت غفر الله لها، وإن كنت كذبت غفر الله لك.
فخجل النصراني من شدة حلم الإمام الباقر، وأخذه الحياء حتى رافقه الإمام وكلمه بأحسن الكلام فأسلم النصراني على يد الإمام
على الرغم من انصراف الإمام الباقر إلى العلم ونشر الدين فإنّ حكّام بني أميّة لم يكونوا يتحملون وجوده ؛ خاصّة يعد أن عرف الناس فضله وعلمه ، وبهرتْهم شخصيّتُه الأخلاقية والإنسانية ، كما أن انتسابه إلى الرسول ( صلى الله عليه وآله ) عزَّز من مكانته في قلوب المسلمين .
كان هشام يفكر في القضاء على الإمام ، وأخيراً سنحتْ له الفرصة فدسّ له السمّ ، واستشهد الإمام في 7 ذي الحجة سنة 114 هجرية . بعد أن عاش 57 سنة قضاها في التقوى والصلاح وخدمة الإسلام والمسلمين ونشْر علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) .
……ينابيع العلم قد جفّت، وأوراق المعرفة ذبُلت، وإشراقة الفكر غرُبت، والكتب بالحزن توشّحت وبكَت، ورفوف المكتبات تصدّعت، والأقلام للحبر هجَرت، والدواةُ عنه تخلّت، كيف لا؟! وكل هذا قد جرى بفجر يوم فقدكَ يا باقر علوم الأولين والآخرين، وأصبح الفجر غروبًا، وصار حبر العلم كئيبًا، إنه فقدكَ سيدي يا خامس الأئمة العلماء، فنعزّي جدّك المصطفى وأهل بيته الأنقياء، ولاسيّما خاتمهم المهدي معزّ الأولياء، ونعزّي الأمّة الإسلامية جمعاء، والمحقق الأستاذ الصرخي الحسني قامع المارقة الأشقياء.