in

أفة الفساد ونكبة المسؤولين والسياسين والتحايل على القانون والاعراف وسيطرة القوة والاستبداد

في وسط نكبة وطنية حقيقية جراء صراع سياسي وطائفي ومذهبي بغيض، هدم الدولة، وجوف مؤسساتها، وشل إداراتها تحت إشراف سياسيين لم يتركوا شيئا إلا وزجوه في مزادات وارتهانات المصالح الدولية والإقليمية، وأدخلوه في بازارات لا مصلحة للبلد فيها,“إن الكل اليوم يعانون أكثر من مضى، فطفح كيل الصفقات والسمسرات، وبرزت ملفات الفساد، وكثر المتواطئون والمتورطون فيها، فاختلت الموازين في هذا البلد، خصوصا عندما نجد المسؤول يغدر بمن إئتمنه، وصاحب السلطة يساوم من أجل أن يستمر في منصبه أو يستأثر بحصته المزعومة، وكأن البلد وما فيها من بشر وحجر ملك له,إننا في زمن الفساد والفاسدين، ودولة الاستبداد والمستبدين، ترانا نتحدث عن العدالة، فيما الواقع ظلم وجور على حقوق الناس، ندعو إلى الشراكة فيما الحقيقة تطاول على الوطن وثوابته بخلفية الطائفية والمذهبية. نطالب بالوفاق وتجاوز الخلافات، يردون بالمزيد من التصدع والانقسام، نناشدهم التواضع والتنازل من أجل البلاد، فإذا بهم أكثر استكبارا، وأشد تمسكا بما يزعمونه حقوقا مقدسة وثابتة لهم. لقد صادروا المؤسسات، وجيروا الإدارات لغير الصالح العام حتما، ويحاولون التلاعب بالقضاء، والتحايل على القانون وجعله مؤطرا على المحسوبيات، هذا ابن ست وذاك ابن جارية.سمموا البلد بكل أنواع الفيروسات السياسية والاجتماعية، حتى المؤسسات الأمنية يحاولون تقويضها والنيل منها، متناسين أن الإرهاب متربص، وعصابات التكفير تتحين الفرص لضرب ما تبقى من وحدة، ولزعزعة ما تبقى من أمن واستقرار، بفضل الجهود والتضحيات التي تقدمها القوى الأمنية والعسكرية، وخصوصا الجيش الذي ندعو إلى دعمه، وإلى تحييده عن التجاذبات والمحاصصات، ومده بكل الوسائل التي تعزز دوره، للنشر حتى لا يكاد يوجد قطاع متمنع عن غزو الهبات والعطايا المخزنية، والنخبة الفكرية والسياسية دون أن ننسى الزوايا التي تمثل العمق الاستراتيجي للنظام.الهدف إذن واضح جلي، توريط “فاعلي” المجتمع ـإلا ما رحم ربكـ في الاستفادة من الهبات والعطايا المخزنية شراءً للضمائر والمواقف وتآمرا على المصالح العليا للبلاد: تنمية ودمقرطة وحكامة راشدة

يعتبر الفساد آفة من آفات المجتمع لأنه يعمل على تدمير الوطن واذلال المواطن, وخلق الكثير من المشاكل السياسية والاجتماعية والاقصادية والثقافية والامنية, ولا يمكن لأي مجتمع ان يتقدم ويرتقي طالما انتشر الفساد به. أما الفاسدون فهم أشد خطرا على المجتمع لما يقوموا به من نشر للفساد مستغلين مناصبهم ونفوذهم, او الثغرات الموجودة سواء بالقانون او اللوائح, او من خلال سيطرتهم على المخازن والمناقصات الحكومية من خلال شبكات من الفاسدين تعمل معهم ولصالحهم, ويتعدد اوجه الفساد واساليبه المتنوعة,وتساهم جميعها مع الفاسدين في صناعة الفساد مثل: حجب المعلومات ,وانعدام الشفافية ,والتدخلات الرسمية ,وتغليب المصالح الشخصية والتنظيمية, والاستثناءات الممنوحة في القوانين والانظمة, والواسطة والمحسوبية, وتراجع الاخلاق و القيم والمبادئ, وعدم التمسك بالشريعة السماوية ,وكذلك الصلاحيات المطلقة التي يتمتع بها المسؤول حيث يصبح الناهي والآمر, وتعيين بعض المسؤولين ليسوا على مستوى الكفاءة والامانة. ان الفساد لا يرتبط بالمنصب مهما كبر او صغر, فجامع القمامة حين يقصر في عمله فهو فاسد, والطبيب عندما يهمل في آداء واجبه ويحول مرضاه الى عيادته الخاصة فاسد,والمعلم الذي يعلم الطلبة ادبيات تنظيمه في المدرسة فاسد , والوزير الذي لا يخاف ربه ولا يراعي شعبه في عمله فاسد . فالفساد مرتبط بكل انسان لا يؤدي عمله بامانة واخلاص, ومما يزيد الطين بلة عدم قدرة المجتمع والمواطن على مواجهة الفساد والفاسدين . ويرتبط الفساد بالإنسان خاصة حين تكثر مصالحه وتتوسع علاقاته, فيدخل في صراع ما بين مصالحه ومبادئه, ومن هنا يبدأ الامتحان الحقيقي والجاد لهذه القيم التي يؤمن بها ,وربما كان يصارع من أجلها في الماضي. ففي الظروف العادية والطبيعية تكون المبادئ والقيم محافظا عليها, وهي المقياس الذي يتبناه الانسان قبل مصالحه, أما في عصرنا الحالي,عصر الانحطاط والتخاذل والتحالف وبيع النفس والضمير, نجد صاحب القيم والمبادئ يتنحى عن قيمه ومبادئه ودينه, ويبدأ في البحث عن المصالح الشخصية والمكاسب الذاتية التي سيحققها مثلما يحصل في تجارة الأنفاق, ومن هنا تبدأ صناعة الفساد. ان سوء الأحوال الاقتصادية, وازدياد أعباء الحياة, وارتفاع نسبة البطالة لدى غالبية الشعب, وازدياد عدد الفقراء, يوفر المناخ الصالح للفاسدين وللفساد الأخلاقي والاجتماعي والسلوكي, وهكذا تكون التربة صالحة لصناعة الفساد, حيث يبدأ الفاسدون بنشر سمومهم وتجنيد الناس, لذلك فالمشاكل الاجتماعية والأخلاقية وغيرهما, أساسهما بيئة اقتصادية سيئة تدفع الناس الى الفساد, وتجعل هدفهم الوحيد هو الكفاح والصراع من أجل البقاء وبأي ثمن, ان هذه الظروف الصعبة التي تنطبق على مجتمعنا, عندما تصبح أوضاعا ثابتة ودائمة, تؤدي الى تغيير كبير وحاد في السلوك والأخلاق, وتصبح الأجيال الجديدة هي الضحية, ويكون الفساد والاستبداد الفكري والسياسي والاجتماعي والثقافي وظلم الشعب قد تمكن من المجتمع, وتكون الرسالة هي النصيحة بعدم الكلام أو الحديث, والبعد عما يجلب المشاكل, أو السير في الاتجاه المرسوم, وربما تصل الأمور الى ما هو أسوأ من ذلك, بأن تشكل الأجيال الشابة القائمة على الوضع الأطر والمرجعيات نتيجة لهذه الأحوال والأوضاع, ويقيمون أنفسهم وسلوكهم والعالم من خلالها, وبذلك يكونوا قد شيدوا مصنع الفساد الأبدي . ومن هذا المنطلق وحتى يخلو مجتمعنا من تلك الآفة الخطيرة, يجب أن يواجه الفساد والفاسدين من خلال تنظيم الدورات وورش العمل, وإشراك المسؤولين للخروج بطرق وأساليب لمكافحة الفساد ووضع آليات لذلك, والاهم من ذلك, الدورالوطنى الذي يجب أن يلعبه المواطن, ومنظمات المجتمع المدني, ومراكز حقوق الانسان في مكافحة الفساد وإبرازه, والعمل على تعزيز النزاهة والشفافية على كافة المستويات, و هذا كله يعتمد على الإبلاغ عن الفساد ,وتوثيق المستندات الخاصة به ,والمطالبة بسن القوانين والتشريعات التي تحمي الوطن والمواطن من الفساد والفاسدين, بالاضافة الى انه يجب على جميع المسؤولين تقديم الذمة المالية عند توليهم لأي منصب, ومراقبة المناقصات والمخازن الحكومية, وفوق كل هذا يجب أن يسن قانون من أين لك هذا ؟؟؟؟؟؟؟ حتى يكون الجميع تحت طائلة القانون والمحاسبة ولا احد فوق القانون

الملأ أو البطانة هي مطبخ التوجهات ومصنع القرارات، وصلاح الملإ عنوان استواء الحكم على قاعدة العدل، وفساده مدعاة لفساد الحكم. وقد دأبت الأنظمة المستبدة عبر التاريخ على صناعة محيط ممالئ لنزعتها الاستحواذية موافق لهواها الاستفرادي بالثروة والقرار. والنظام المغربي له باع وسبق ليس في صناعة الملإ فقط بل في تجديده وتنويعه. ومن العبارات الشهيرة عن الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله قوله: “لو لم تكن عندي معارضة لأوجدتها”.إن صناعة الملإ تخصص مخزني يحرص أيما حرص على تطويره وتجديده مواكبة للمتغيرات الاجتماعية والسياسية بل والإقليمية والدولية، وهذا ما يضمن لمبادراته ـ مع استحضار عوامل التجهيل والترهيب والتفقيرـ الجاذبية والتأثير، فماذا عسى المواطن البسيط الذي لا حظ له من وعي أو فهم أن يفعل وهو يُقصف بوابل من الخطابات الديماغوجية ومن كل المستويات: منبر مسجد يهدد بالنار من سولت له نفسه أن يصوت بلا على الدستور، إعلام يسقط الطائرات، رجال دجل سياسي باعوا سنوات نضالهم ـ إلا من رحم ربكـ بمتاع من الدنيا قليل، وفنانون جيشوا العواطف وسلبوا عقول أجيال من الشباب ردحا من الزمن ثم تتبخر شعبيتهم بأثر رجعي، ومفكرون أكاديميون ـ زعمواـ أنهم والشعب الكادح في خندق واحد ضد الاستبداد و… الكل ـإلا ما استعصى على الترويض وكان مآله الإقصاء والتهميش ـ انبطح وتسلم مقابل انبطاحه عمولته من خزينة الشعب وثرواته. ومن تجليات الشفافية ـ مغربياـ ألا يتردد المستفيدون من مختلف الامتيازات في التصريح أن ما يرفلون فيه من نعم هبة وعطايا ملكية، ليس من الأدب ردّها.الريع والامتيازات أس الاستبداد، وحصرها في رخص أو تفويض لاستغلال مساحات زراعية هائلة كانت عصب الإنتاج الزراعي غباء سياسي وقصور نظر؛ ذلك أن المتأمل في بنية النظام يدرك أن الريع بأنواعه يمثل منظومة متكاملة تتماسك مكوناتها وتتكامل عناصرها وظيفيا. الريع يتعدى ما يتداوله الشارع من رخص وتفويتات مختلفة ليشمل هيئات ومجالس عليا تُحدِث الدولة بمقتضاها مناصب سامية تكلف الخزينة العامة الملايير مقابل إنجاز تقارير دورية ـ في أحسن الأحوال ـ لا تنفك في الأصل من اختصاص قطاع أو وزارة معينة، لكن إحداثها يحقق هدفين: تسويق مبادرة تجاوزا شكليا لمعضلة قطاعية وفي ذات الحين احتواء لمشاكسين أينعت رؤوسهم وعلا نجمهم ووجب تحنيطهم. وإلا ما هي القيمة المضافة ـ كما يقولون ـ لهذه المجالس العليا في شتى القطاعات؟ ولا حديث عن مجال مأزوم إلا عن الدعوة لإحداث مجلس أعلى: الرياضة بعد الإخفاق الذريع في الاستحقاق الإفريقي، والمرأة القروية بمناسبة اليوم العالم للمرأة وتوريط الحكومة في إقصاء المرأة، والحديث عن إعادة هيكلة المجلس الأعلى للتعليم بعد إسلام المخطط الاستعجالي وقبله ميثاق التربية والتكوين الروح إلى بارئها. وهكذا تتناسل المجالس والهيئات ومعها الامتيازات.ومن الريع تعويضات أعضاء البرلمان وإحداث غرفة ثانية مرورا بالرواتب الخيالية لرؤساء المؤسسات الحيوية ومديري المصالح المركزية بشكل لا يتناسب والمردودية من جهة ودخل البلاد الإجمالي من جهة ثانية. ومع ما تخوله هذه المناصب من امتيازات وشبكة علاقات في دولة لا مكان في قاموسها للمساءلة أو المحاسبةـ إلا ما كان ذرا للرماد في العيون ـ يستفحل الريع ويصبح ثقافة راسخة في المجتمع، حتى لا تكاد تجد مسؤولا نزيها، وكما يقول أبو الطيب المتنبي:”الظلمُ من شيم النفـوس فإن تجد ذا عِـفَّـةٍ فـلعلةٍ لا يظلم”!!!!!!!!!والواقع يقول: النهبُ من شيم المسؤول فإن تجدْ ذا عِـفَّـة فـلِعِلّة لا ينهبُ.

من السذاجة اختزال الفساد في سلوك أو أشخاص، ومن السطحية ادعاء محاربة الفساد بمسطرة أو إجراءات معينة، لأن “اقتصاد الريع كل لا يتجزأ وفضحه يجب ألا يتم بطريقة انتقائية تستثني البعض الغارق في ملايير من المال الذي يفترض أنه عمومي ويجب أن يدخل خزينة الدولة ليصرف على أبناء الشعب.

لقد سبق أن أعلنت الحرب على التهريب حماية للاقتصاد الوطني ـ وتتبع أطوار تلك الحرب التي استغلت لتصفية الحساب مع منافسي المخزن اقتصاديا أو الرافضين قواعد اللعبة السلطوية، وظل التهريب وما يزال وسيبقى في غياب مشروع مجتمعي و اقتصادية مواطنة كما يسمونها، أو بتعبير بسيط في غياب عدالة اجتماعية وتوزيع عادل للثروة.تمأسس في المجتمع الفساد واستأسد يحميه الاستبداد ويُجيره، “والمعركة ضد الفساد المتراكم أكبر من الحملات الموسمية وأكبر من إجراءات زجرية آنية وإن كانت ضرورية ومطلوبة. المعركة رد مظالم الناس الاقتصادية وإعادة تقسيم عادل للثروة وفق معايير واضحة ودقيقة. المعركة محاسبة الكل من أعلى هرم الدولة إلى أدناه بـ”من أين لك هذا؟”. المعركة إرساء قواعد تنافسية عادلة واقتصاد مفتوح معافى من الرشوة والزبونية وأظرفة ما تحت الطاولة. المعركة نفَس طويل لتحقيق شعار:”الشعب يريد إسقاط الاستبداد والفساد”، وأول خطوات إسقاط الفساد محاربة الفاسدين والمفسدين الأصليين لا المشاركين الفرعيين أو العرضيين.الاستبداد والفساد متلازمان إذ هما وجهان لعملة واحدة، تحكمهما علاقة جدلية، لذلك لا سبيل لاجتثاث الفساد إلا بإصلاح حقيقي لمنظومة العلاقات في الدولة فصلا فعليا للسلط ونزاهة قضاء مستقل وحرية إعلام مسؤول ومجتمعا مدنيا فعالا ومواطنا وترسيخا عمليا لا شعاريا للمحاسبة والمساءلة.

تاريخيًا، يمكن تصنيف الدول إلى صنفين هما: الدولة السلطانية (وهذه فعليًا شبه دولة)، والدولة الحديثة، التي يمكن أيضًا تصنيفها في صنفين هما: الدولة التوتاليتارية (أو الشمولية)، والدولة الديمقراطية، وهي الشكل الأحدث للدولة

الدولة السلطانية هي شكل من أشكال السيطرة، السيطرة بالقوة على الأفراد والتجمعات البشرية، وفيها تغيب حالة المواطنة، فهناك الفرد الرعية الخادم لمولاه السلطان ومن يمثله أو ينوب عنه، ويضرب بهراوته أو سيفه حسبما تقتضي الظروف! وهذه الدولة لها واقعها التاريخي المناسب، والمجتمع في هذه المرحلة التاريخية يكون غائبًا، فهو لا يمتلك من الشكل الاجتماعي إلا تقاليده، ولكنه يفتقد تقريبًا إلى كل بناه العليا، ولا يمتلك إلا البنى التقليدية الدنيا التي تشكل تواترًا معاد القولبة للقطيعية واللاعقلانية البدائية، وبالتالي فنحن هنا بدقة أمام حالة “شبه مجتمع” وليس مجتمع بعد! وفي مثل هذه الظروف من العبث تحميل أي مسؤولية فعلية عن الفساد الحاصل للفرد أو شبه المجتمع، فهما مهيمن عليهما من قبل السلطان، والمهيمـِن يتحمل مسؤولية المهيمَن عليه وعنه، وفي مثل هذه الظروف تكون أفق حياة الرعايا محدودة، وما يمكن أن يتسببوا به من فساد أيضًا محدود، وأيًا كان هذا الفساد فهو مرتبط بظروف الحياة الفاسدة التي ينتجها النظام السلطاني، وهو هنا الفاسد الأكبر، وبالتالي يمكننا القول إن الفساد الأصغر الذي تنتجه الرعية، ما هو إلا انعكاس للفساد الأعظمي الذي ينتجه النظام السلطاني الفاسد بطبيعته!

أما في حالة الدولة الشمولية، وهي حقيقة دولة لا يمكنها إلا أن تكون دولة ديكتاتورية، فهذه الدولة تستولي على كل المسؤوليات، بدعوى أنها تتحمل كل الأعباء، وهي هنا أيضًا تهيمن على المجتمع، ومن نافل الكلام القول إنها تهيمن بذلك على الفرد، وبهذه الهيمنة تستلب كلا من الفرد والمجتمع وتشلّ قدرتيهما على الفعل! وهذه الدولة محكومة بالفساد، فهي تتمتع بسلطة مطلقة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة، كما يعلم الجميع، فهنا لا رقيب ولا حسيب ولا ناقد ولا منافس، ولا صاحب رأي أو موقف آخر، وهلم جرّا.. ومعيار الاختيار يصبح ولائيًا لا كفائيًا؛ ما يقصي ويُهمش الكفاءات الحقيقية، ويغرق جهاز الدولة بالانتهازيين ويفسده، وعندئذ ستتحول هذه الدولة إلى منتِج للفساد، وتصبح بحد ذتها مُـفسَدة ومُـفسِدة ومَـفسَدة، وبدلًا من أن تعمل على تطوير المجتمع، وتجفيف منابع الفساد الموجودة فيه سلفًا؛ تتحول هي نفسها إلى أكبر منبع للفساد، وبما أنها تمتلك كل الصلاحيات والقدرات فهي تكون تلقائيًا قد حرمت المجتمع وأفراده من إمكانية مكافحة الفساد، الذي يقتضي العمل الجماعي المنظم المعزز بالقانون، فهذه الدولة لا تسمح بأي عمل جماعي منظم خارج إطارها، وأي مسعى جدي لمحاربة الفساد من قبل المجتمع ستحاربه هذه الدولة، لأنها سترى فيه تحديًا لشموليتها على صعيد التجمع والتنظيم، وتحديًا لفسادها في توجهه لمحاربة الفساد، وبذلك تسخّر هذه الدولة قوتها كدولة لخدمة الفساد إنتاجًا وحمايةً، فهل يبقى هنا أي مجال للكلام عن مسؤولية جدية للفرد والمجتمع، والديكتاتور هو صانع الفساد وحامي الفساد، ومحاربُ محاربِ الفساد؟!

الدولة الديمقراطية، وهي وحدها تستحق -فعليًا- تسمية الدولة، تكون أقل إنتاجًا للفساد وأكثر قدرة على محاربته بقدر ما تكون ديمقراطية فعليًا، فالديمقراطية، هي النظام الذي تتنافس فيه القوى السياسية المتعددة المختلفة، فتراقب بعضها بعضًا، وتستبدل بعضها البعض بشكل قانوني سلمي في تولي الحكم، وهي النظام الذي تتفرع فيه السلطة إلى ثلاث سلطات فاعلة، تستطيع مراقبة بعضها البعض، مما يمكن السلطتين القضائية والتشريعية فعليًا من مراقبة السلطة التنفيذية، وهي النظام الذي يعطي الإعلام استقلاليته وحريته ليقوم بدوره النقدي والرقابي والثقافي في المجتمع، كما أنها النظام الذي لا يكبل المجتمع ويشله، بل يعطيه الإمكانية والقدرة للعمل من خلال مؤسساته المختلفة على رقابة وضبط عمل وأداء الدولة نفسها، وهلم جرّا… وبهذا الشكل تحمي الديمقراطية الدولة نفسها من إفساد نفسها؛ ما يمكنها من القيام بدورها الحقيقي في إدارة مجتمعها لتحقيق متطلباته اللازمة لحياته اليومية ولتطويره نحو الأفضل، ومن بينها محاربة الفساد، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، هذه الدولة لا تثبط ولا تحبط حركة المجتمع والمواطن، وبديمقراطيتها وكفاءتها الإدارية، تفسح وتفعـل المجال أمام الفرد والمجتمع ليشاركاها بفاعلية عبر البنى المجتمعية الأخرى في خدمة وتطوير المجتمع ومكافحة ما فيه من فساد وهنا بالطبع تتقلص إلى الحدود الدنيا أبعاد الفساد، وحتى هذه الحدود تـُدرس بعناية لمعرفة أسبابها، وعمّا إذا كانت هذه الأسباب تعود إلى عوامل فردية محض، ويجب عندئذ إحالتها إلى ميادين علم النفس السلوكية والعلاجية، أو أن هذه الأسباب مرتبطة بقصور في أداء الدولة أو المجتمع، وهنا يجب تلافي مسببات هذا القصور وإصلاح هذا الأداء، وبالطبع هذا وذاك لا يستثنيان اتخاذ التدابير القصاصية اللازمة ضد الفاسدين والمفسدين.

سيبدو هذا الكلام واقعيًا وكأنه حديث عن دولة “مثالية”، والأصح هنا القول إنه حديث عن “دولة نموذجية”، فواقعيًا حتى أفضل الليبراليات الغربية الحالية ما تزال جد بعيدة هذا المستوى العالي من التطور، وهذا عائد إلى أسباب مختلفة، فعدا عن الرواسب الاجتماعية والثقافية والسلوكية التي تنتقل من مرحلة إلى مرحلة بشكل متواتر نتيجة الفشل في القضاء على مسبباتها الموروثة، هناك فساد جديد ينشأ مع مستجدات الحياة، والشكل الذي يتغير فيه المجتمع والدولة، وهذا مرتبط بقصور كل من الدولة والمجتمع، وهو قصور مرتبط جدليًا في ما بينهما، وهذا القصور مرتبط بمستوى تطور ثقافة واجتماعية المجتمع من ناحية، وطبيعة الدولة نفسها من ناحية أخرى، فواقعيًا الدولة الليبرالية الغربية هي ليست ديمقراطية مع أنها كذلك هيكليًا بدرجة كبيرة، لكن هذا لا يرتبط بهيكليتها، فالأهم من هذا في هذه الإشكالية هو وجود طرف آخر يجيّر تلك الهيكلية لصالحه أو يقيد حركتها بقوته، هذا الطرف هو رأس المال، رأس المال الذي يهيمن على الجانب الاقتصادي من المجتمع والمستقل عن جهاز الدولة، وهذه الرأس مال، الذي لا يسعى إلا لخدمة مصالح أربابه وهم فقط ثلة من كبار الرأسماليين، أصبح من القوة بحيث أنه صار المتحكم الأساس بكل من الدولة والمجتمع، والساعي فعليًا ليس فقط للهيمنة عليهما، بل لاستبدالهما بالسوق وإحلالها محلهما، وسوقنة كل الحياة الاجتماعية والإدارة السياسية، وهذا يعني أن في الدولة الغربية المعاصرة ديكتاتورًا يتحكم من وراء الكواليس، وهو رأس المال والسوق هي ديوانه وإيوانه الملكي، لكن المجتمع نفسه يتحمل بدوره أيضًا حصته الكبيرة من المسؤولية عما يفعله هذا الديكتاتور، لأنه راض بالرأسمالية وقانع بها ثقافيًا واجتماعيًا بحكم موروث تاريخي عميق الجذور وعلى أي حال، أيًا كانت الدولة الغربية وكانت مشاكلها ومستويات وأشكال وأسباب فسادها، فهي قد قطعت بالمقارنة مع أشباه دولنا شوطًا هائلًا في التقدم الاجتماعي، وجففت الكثير من منابع الفساد ومستنقعاته التي ما يزال تجفيفها بالنسبة إلينا حلمًا مغرقًا في الحلمية,فما لدينا على الساحات العربية بلا استثناء، ومهما اختلفت صفات الحكام العرب، بين ملك وسلطان وأمير ورئيس، هو فعليًا خليط مشوه من الدولة السلطانية والدولة الشمولية، وهذا الخليط الأشوه يفاقم حدته مورثنا الاجتماعي والثقافي التاريخي البالي، الذي يتكامل مع تلك الديكتاتورية السلطانية فيعرقل –بل يشلّ– خطانا، ويجعل حركتنا الاجتماعية عاجزة عن تجاوز حالة شبه المجتمع الذي نحن فيه والتحول إلى مجتمع حقيقي.هنا ثمة مسؤولية تاريخية، لم ينتجها في الزمن الحاضر شبه المجتمع ولا الفرد الرعية، الذي لم يرقَ بعد إلى درجة المواطن في حالة شبه المجتمع وشبه الدولة اللذين يتخبط في بلاياهما، ويتخبطان هما معه في ذاتيهما الفاقدتين لجل معايير المعاصرة والإنسان الحق، وفي المحصلة نحن اليوم نغرق حتى الحضيض في الفساد على مستويات ما يُسمى لدينا شكليًا بالدولة والمجتمع والمُواطن.لكن الفساد الحاصل لدينا في المحصلة يعود جزء منه إلى مورثنا التاريخي، بكل ما يحتويه من أنماط فاسدة كالغيبية والطائفية والقبلية والذكورية، ويعود جزء منه إلى الإفساد الذي تقوم به الدولة السلطانية المفسدة، وهو فساد سياسي وقانوني وقضائي وإداري وتربوي واقتصادي وتنموي وتثقيفي وهلم جرّا، وينتج جزؤه الثالث من تفاعل ذاكي الفاسدين، فيكون فاسدًا أخلاقيًا وقيميًا وسلوكيا عند الأفراد تحت وطأة الظروف المتردية على كافة الصعد الناجمة عن تفاعل وتضافر ذاكي الفاسدين.وإذا أردنا البحث عن المسؤول الجنائي عمّا وصلنا إليه من فساد كارثي، وما سبّبه من صراع دامي ودمار على كافة الصعد؛ فسنجده بالطبع في المسؤول الحكومي الشمولي بصفته المؤسسية كجهاز دولة، فهو فعليًا الوحيد الممتلك للسلطة والقدرة على الفعل، وهو المكلف بمهمة مكافحة الفساد الناتج وتجفيف منابع الفساد الممكن والعمل على تلبية حاجة الناس وتطوير المجتمع، ولكنه انتقل من موقع التطوير إلى موقع التأخير واستبدل فعل البناء بفعل التدمير، ففسد وأفسد سواه ومنع سواهما من أي عمل يكافح الفساد.وهذا المسؤول الحكومي الفاسد، الممثل ببنيته وبأدواته في مفاصل الحكم والسلطة وفي المراتب العليا من الهرم الوظيفي، هو ثمرة دولته الفاسدة وممثلها، وخادمها ومستخدِمها، وهو يتحمل جلّ المسؤولية الفعلية، لأنه أولًا تخلى عن دوره في العمل البناء، وفي مكافحة الفساد الموجود بكل مواقعه وأشكاله ومسبباته، وثانيًا لأنه لم يكتف بذلك بل انقلب على مهمته وتحول إلى صانع للفساد، ليتسبب بدوه بإفساد المواطنين والبنى المجتمعية في المَواطن التي لم يطالهم فيها الفساد الموروث، وثالثًا لأنه لم يكتف بذلك بل تحول إلى حام للفساد ومانع لمحاربيه على مستوى المجتمع والمواطن بمنعه وقمعه للعمل المجتمعي والمواطني المستقل، وبمصادرته لكل آليات العمل المجتمعي والأهلي والسياسي والإعلامي، فعندما تـُمنع أو تـُضيّق مجالات تنظيمات المجتمع المدني والعمل السياسي والإعلام المستقل، ويلاحق بشراسة كل من يحاول النشاط في هذه المجالات، لن يبقى عندها لا حول ولا قوة لا للفرد ولا للمجتمع لنحمله مسؤولية مواجهة الفساد، وعندما يتحول صاحب السلطة إلى مفسد وحامي للفساد ومحارب لأعداء الفساد، فلا ذنب لمن يَـفسَـدون من عموم المواطنين وصغار الموظفين، فهم كالمرضى الذين يصيبهم الداء ويحمي الطبيب مرضهم بدلًا من التصدي له واليوم عربيًا وسوريًا تعلو أصوات كثيرة تتهم المجتمع والمواطن وتحمله جريرة الكارثة التي وصلنا إليها، فبرأي هؤلاء المواطن والمجتمع هما الفاسدان، وهما المريضان، وهما في المحصلة المجرمان، وهذه الأصوات تتغافل عمومًا عن نقد الدولة، فإن انتقدت، لا تنقد الدولة بصفتها دولة سلطانية ديكتاتورية فاسدة مفسدة بطبيعتها، بل يتوجه النقد إلى المسؤولين الحكوميين إما بصفتهم مواطنين يتحمل المجتمع الفاسد وزر فسادهم، أو بصفتهم أفرادًا يعود فسادهم إلى أسباب فردية محض، وكأن كل شبكات الفساد المتنامية في بنية الدولة والمتماهية معها، هي شيء لا علاقة للدولة بها، وهم هنا ليس لديهم الجواب، ولا حتى إرادة الجواب، ليجيبوا عن ماهية هذه الدولة العجائبية المنفصلة عن كل بناها الهيكلية وعن كل مسؤوليها ,هذه الأصوات الناشزة النابية هي أسوأ تعبير إما عن حالة فساد تام لعقل أو فساد تام لضمير، أو كليهما معا وهذا هو الأرجح.وختامًا، في سعينا لإيجاد وتحقيق الحلّ الناجح، علينا أن نتذكر دومًا أن الفساد هو قوة متنامية، فإن لم يكافح تعاظم إلى الحدود الكارثية المدمرة، وهذا الفساد مرتبط بإرث المجتمع وبطبيعة الدولة الحاكمة، وبالتالي علينا عند البحث عن حلّ أن نضع نصب أعيينا مهمة القضاء على بؤر الفساد، وبالتالي علينا العمل على الخلاص من تخلّف مجتمعنا المرتبط برثاثة ثقافته الغيبية العنصرية الذكورية، والخلاص من طاغوت الدولة السلطانية الديكتاتورية المتلازمة مع تخلف المجتمع، وهذا يقتضي دمقرطة الدولة وعلمنة المجتمع، وهذان أمران متلازمان ومتبادلا التأثير ومتكاملان!!!!الحلّ الجذري هو في النظام العلماني الديمقراطي، ولكن علينا أيضًا ألا ننغرّ بالنموذج الغربي للدولة، وأن نكون حذرين وواعين كفاية لمخاطر قوى رأس المال وقدرتها حتى على استلاب الدولة نفسها وتفكيك المجتمع، وهذه المخاطر في بيئات متدنية النضج الاجتماعي كبيئتنا تصبح مخاطرها ومفاسدها أكبر عند التقائها مع مفاسد هذه البيئة، وبالتالي يجب ألا نقتدي بالنموذج الرأسمالي النيوليبرالي الغربي الذي يـُرأسمل الدولة ليتبعها للسوق ويضعها في خدمتها، وأن نبحث عن بديلنا الخاص، بديلنا الذي يقع على مسافة آمنة من مخاطر التدين والتعنصر والتسلطن والرأسمالية

ما رأيك ؟

0 نقط
Upvote Downvote

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0

Comments

0 comments

المرجع الصرخي: المارقة من انتهكت حرمة الإمام علي!!!

التدرج في الرقي والتكامل، في فكر المحقق الصرخي