أمريكا مابعد القرصنة وروسيا مابعد العهد القيصري وعتمة المخططات والاتفاقات والتنصل لكل ما فات !!!

 لايثير فوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية استغرابا إلا عندما نعزله عن تدهور يزداد في العالم، منذ سنوات، نتيجة تراكمات حدثت في العقود الماضية، وأدت إلى انكماش تدريجي في ثقافة الحرية، والحق، والعدل، والمساواة، والكرامة. كما تراجعت الديمقراطية، بعد أن كانت قد حققت انتشارا لا بأس به، أمام زحف نزعات شعبوية متخلفة تفتح أبواب السلطة أمام تيارات وشخصيات، إما معادية لثقافة الحرية، والحق، والمساواة، أو غير منسجمة معها، في عدد متزايد من بلاد العالم، ولأسباب مختلفة في كل منها.وليس فوز ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية إلا امتدادا لهذه الظاهرة. ولكن جديده أنه يحدث للمرة الأولي في دولة ديمقراطية لم تعرف في تاريخها القصير الطغيان الذي ساد العالم، علي مر تاريخه الطويل، بأشكال مختلفة، وما أنتجه من ثقافات لا يزال بعضها مستعصيا علي التغير.فوجئ كثيرون في العالم حين أخذت نتائج الانتخابات تعلن في ولاية إثر أخري، منذ مساء 8 نوفمبر 2016 بالتوقيت الأمريكي، وفجر اليوم التالي بتوقيتنا، عندما وجدوا أن المساحات الملونة باللون الأحمر، الذي يرمز إلى مناطق فوز الجمهوريين، تزداد وتفوق ما توقعوه.

بدا اللون الأحمر قانيا هذه المرة، وكأنه لون الدماء التي تسفك 

ك في مناطق عدة، وبلاد مختلفة، ولكن أكثرها يسال في الشرق الأوسط، وخصوصا في سوريا التي يجرب في شعبها أحدث أساليب القتل، والتهجير، والتشريد، والتجويع، علي مرأى ومسمع من عالم فقد في العامين الأخيرين ما بقي من إنسانيته، ومنظمات دولية عاجزة يستغيث بعضها، ويصرخ بعض ثان، ويتواطأ قليل منها.

ولذلك، بدا اللون الأحمر علي الخريطة الانتخابية في الولايات المتحدة مختلفا بشكل ما، لأن مرشح الحزب الجمهوري هذه المرة لم يأت من داخله، ولا حتى من أكثر أجنحته تشددا، بل وفد إليه حاملا في خطابه مزيدا من التطرف الذي يحيي مواقف عنصرية استعلائية، كانت قد توارت في العقود الأخيرة، وإن لم تختف تماما.كان آخر ظهور قوي لتلك المواقف في انتخابات 1964، حين خسر المرشح الجمهوري باري جولد ووتر الانتخابات الرئاسية أمام ليندون جونسون، بعد أن أطاح بمن عرفوا بـ “جمهوريي روكفلر” المعتدلين في الحملة التمهيدية للحزب.وكانت تلك هي المرة الأولي التي يصل فيها مرشح من الجناح الأكثر تشددا في الحزب الجمهوري إلى الحملة النهائية، مستغلا تصاعد الحرب الباردة الدولية حينئذ، والزخم الذي أحدثته هجمة السيناتور جون ماكارثي ضد المثقفين والمبدعين، بل ضد كل ما هو جميل وراق في الولايات المتحدة، بدعوي “خيانة الوطن”، وعدم الاصطفاف في مواجهة العدو السوفيتي.

حقق جولد ووتر عام 1964 ما فشل فيه أقرانه، منذ أن هزم روبرت تافت في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري عام 1940، ولم ينل ترشيحه. ولكن هزيمة جولد ووتر أمام جونسون كانت بداية ضمور هذا التيار، الذي أحياه دونالد ترامب، مستغلا الجمود الذي آل إليه النظام الديمقراطي في الولايات المتحدة، كما في الدول الأوروبية الغربية، والاضطراب والتوتر اللذين يسودان عالما يزحف عليه الظلام، في ظل إطفاء الأنوار التي بدأت تسطع فيه قبل نحو قرنين منذ عصر التنوير.

فقد أخذت رياح النزعات الشعبوية تهب علي أوروبا الغربية الديمقراطية، عبر أحزاب قومية متطرفة، ازداد نفوذها، وكسبت مساحات جديدة، في الوقت الذي انتشرت فيه هذه النزعات في ثلاثة أنواع أخرى من البلاد. يشمل النوع الأول بلادا لم تعرف بعد طريقها إلى الديمقراطية، ويضم الثاني بلادا بدا أنها وُضعت علي هذا الطريق، قبل أكثر من ربع قرن، قبل أن يتضح أنه مجرد “وصلة” بين الشمولية اللينينية، والشعبوية البوتينية. أما النوع الثالث، فهو البلاد التي أُجهض ربيعها قبل أن يبدأ، وأُغلق الطريق الديمقراطي أمام معظمها لفترة أخرى.

وبعد أن أصبحت روسيا البوتينية “ملهمة” لبلاد في جوارها، أو بالقرب منها كانت تدور في فلكها في عصرها السوفيتي، مثل المجر، وبولندا، وسلوفاكيا، ومقدونيا، وبلغاريا، ومولدافيا، كما في بلاد عدة في مناطق أخرى، من بينها الشرق الأوسط، ربما يكون وصول ترامب إلى الرئاسة الأمريكية بداية نمط آخر للشعبوية في بلاد أوروبية غربية عريقة في ديمقراطيتها، بدءا بفرنسا التي تتجه الأنظار إلى انتخاباتها الرئاسية التي ستجري في أبريل ومايو 2017، حيث تسعي ماري لوبن، زعيمة حزب الجبهة الوطنية القومي المتطرف، إلى تحقيق ما لن يكون مفاجئا، إذا فازت، ليلحق الإليزيه بالبيت الأبيض في محنته التي بدأت قبل ترامب، ومهدت الطريق أمامه. وحتى إذا فاز منافسها الرئيسي، فرانسوا فيون، فلن يختلف الوضع في جوهره. فليس فيون إلا نسخة مخففة، أو قل أقل سفورا، أو ربما أكثر قدرة علي الإيحاء بأنه أقل تطرفا من لوبن. ولذلك، ربما يكون فوز لوبن أفضل من زاوية وضع الرأي العام الفرنسي أمام حقيقة ما سيترتب علي ازدياد ميل قطاعات واسعة فيه إلى “التدمير الذاتي”، اعتقادا في أنه “تدمير” للطبقة السياسية التقليدية التي فاض كيل هذه القطاعات من جمودها وفشلها.ولذلك، فمن بين أسباب عدة لهذا التدهور المريع، ينبغي أن نتأمل مليا ما ترتب علي الجمود الذي أصاب النظام الديمقراطي في معاقله الغربية، وأدي إلى انتهاج سياسات بائسة، داخليا وخارجيا، وأفقد الديمقراطية فاعليتها، ومن ثم جاذبيتها، إلى حد أن بعض أنصارها أخذ يشك في جدواها، ويسأل عما إذا كان لصانعي الطغيان، ومسوغيه، وعبيده منطق في هجومهم عليها أم لا.

أزمة النظام الديمقراطي في أوروبا وأمريكا وتداعياتها:لم يكن فرانسيس فوكوياما أول من قدم تحليلا لأزمة النظام السياسي الأمريكي في كتابه الصادر عام 2014 تحت عنوان “النظام السياسي والأفول السياسي”.فقد سبقه كثر في الولايات المتحدة، كما في بلاد أخرى. ولكن ذيوع صيت فوكوياما لفت انتباه من لم يكن منتبها إلى هذه الأزمة، فيما عدا النخب السياسية التقليدية في النظم الديمقراطية المأزومة، لأنها تجمدت مع هذه النظم، وأصاب الجمود عقولها، فلم تعد قادرة علي استيعاب ما يحدث حولها. وقد تابع العالم هذا الجمود بتفصيل مدهش، مجسدا في حملة المرشحة الديمقراطية لانتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة هيلاري كلينتون. لم يدرك منظمو هذه الحملة تحولات اجتماعية كبيرة حدثت في بعض ولايات كانت ديمقراطية تقليديا، فصارت هدفا سهلا لمنافسها الذي لعب علي أوتار معاناة ضحايا السياسات الناتجة عن جمود النظام الأمريكي، وتيبسه، والتداعيات السلبية للعولمة، التي هيمن المستفيدون منها علي هذا النظام.

والحال أن الأعراض التي شخصها فوكوياما لأزمة النظام السياسي الأمريكي شائعة في الدول الغربية الديمقراطية، منذ سنوات طويلة، مثل عجز الأحزاب والمؤسسات السياسية التقليدية عن تجديد خطاباتها التي انحسرت الفروق بينها، فصارت متقاربة، ورتيبة، وخالية من الرؤي الملهمة التي تخلق حيوية في المجتمع، وعاجزة عن ضخ دماء جديدة، وتطوير آليات التجنيد، واختيار المستويات القيادية فيها، الأمر الذي أدي إلى إعادة تدوير نخب محدودة، لم يعد لديها ما تقدمه.ولذلك، تراجعت معدلات المشاركة في الانتخابات، وأدت إلى أزمة في التمثيل، عبرت عنها حركات اجتماعية غاضبة في شعارات مثل “نستطيع الاقتراع، ولكننا لا نملك الصوت”. كما تنخفض أعداد الملتحقين بالأحزاب، إذ وصلت في العقد الماضي إلي أدني معدلاتها، خلال نصف القرن الأخير، كما يتضح في دراسة أجراها الأيرلندي بيترميل علي 13 دولة أوروبية في كتابه الصادر 2013 (حكم في الفراغ  Ruling the Void).

ويقترن هذا الجمود بشيوع خطاب يستهدف تحويل تلاشي الحدود بين اليمين واليسار إلى إجماع ديمقراطي وسطي في مجتمع مستقر. ويدل هذا الخطاب علي أن النموذج الغربي بلغ نهاية مرحلة بدون أن يجد طريقا إلى مرحلة جديدة في تطوره، فأصبحت التعددية التي تميزه علي غيره مهددة بفعل تداعيات الجمود، الأمر الذي يشجع القوي القومية المتطرفة علي أن تحاول فتح طريق آخر.وتسعي هذه القوي إلى التمدد في المساحات التي فرّغها الجمود من السياسة، بعد أن تحولت من نشاط يشارك فيه معظم الناس إلى مشهد يتفرج عليه كثير منهم. كما تزداد فرصها بسبب إخفاق الحركات الاجتماعية، ذات التوجهات اليسارية، في ملء الفراغ، إذ ينحسر بعضها بعد فترة وجيزة، ويحتوي بعضها الآخر في أطر حزبية تتجه إلى التكيف مع المنظومة الجامدة.

ورغم سلامة التحليل الذي يذهب إلى أن حالة الجمود لا تزال أقوي من ديناميكية الحركات الاجتماعية، فينبغي الانتباه إلى نقطة الضعف الرئيسية في كثير منها، وهي أنها تعرف ما لا تريده أكثر مما تدرك ما ترغب فيه، فضلا عن أن الميل اليساري لمعظمها يتسم بتوجهات شعبوية في بعضها. وتظهر هذه التوجهات في شعارات من نوع “نحن الـ 99 في المئة”. ولذلك، أصبح القوميون المتطرفون أكثر قدرة علي ملء الفراغ الناتج عن الجمود، ولكن في ظروف مختلفة، وبأشكال متبانية عما حدث في عشرينيات القرن العشرين، وثلاثينياته.

وربما يكون تنامي الإرهاب قد أسهم في تعميق أزمة النظام الديمقراطي الغربي، لأنه أتاح ذريعة لتفسير التراجع عن قيم إنسانية جوهرية، لا تقوم لهذا النظام قائمة إذا أصابها الوهن، أو التهميش. وقد رأينا كيف استخدمت حكومات أوروبية خطر الإرهاب لتسويغ إغلاق حدود بلادها أمام مهاجرين، مهددة حياتهم، يبحثون عن مأوي خارج منطقة، صارت قيمة الإنسان فيها أرخص من ثمن طلقة تقتله. تخلي معظم هذه الحكومات عن أحد أهم المقومات الإنسانية للنموذج الديمقراطي، عندما أغلقت حدودها أمام المهاجرين، وهي التي لا تحرك ساكنا في مواجهة المذابح التي تعرضوا لها بطائرات، وقاذفات، وبراميل متفجرة صبت ما لا يحصي من القذائف، وكتل النار عليهم.فقد استخدمت هذه الحكومات، والإدارة الأمريكية، الإرهاب ذريعة للتخلي عن مواقف تبنتها في شأن الأزمة السورية، وتجاهلت جرائم ضد الإنسانية لا سابقة لها في تاريخ الحروب الداخلية، والحروب بالوكالة في العصر الحديث.

كما استسلم كثير منها لضغوط أحزاب قومية متطرفة، متعددة الاتجاهات، وليست كلها يمينية، نفخت في خطر الإرهاب سعيا إلى تحويل خوف الناخب منه إلى “فوبيا”، أملا في حصولها علي صوته.غير أن هذا الإرهاب الذي يتذرع به ليس عاملا رئيسيا في الأزمة التي تواجه أنظمة الحكم الغربية، والنموذج الديمقراطي الذي تقوم عليه، بخلاف ما يزعم بعض مؤسساتها وأحزابها التي تتحدث عن الإرهاب في المرحلة الراهنة أكثر من أي شيء آخر، ومن أي وقت مضي. فالأزمة سابقة علي بلوغ خطر الإرهاب مستواه الراهن، إذ تعود بداياتها الأولي إلى أكثر من عقدين علي الأقل. فقد تراكمت، منذ منتصف التسعينيات اختلالات داخلية أسهم الإرهاب في تغذيتها، ولكنه لم يصنعها.وتعود هذه الاختلالات إلى جمود يصيب النظام الديمقراطي في بعض المراحل، ويضعف قدرته علي معالجة الأزمات. وليست هذه هي المرة الأولي التي تصاب فيها أنظمة ديمقراطية غربية بالجمود. ولكن آثار الجمود في المرحلة الراهنة لا تزال أقل فداحة مما ترتب علي مثله في النصف الأول من القرن العشرين، وأدي إلى صعود الفاشية، والنازية، وأنتج حربا مدمرة في عام .1939 غير  أن استمرار الجمود الراهن، مصحوبا بتداعيات الإرهاب، يمكن أن يقود إلى كارثة عالمية أخرى.

إطفاء أنوار الديمقراطية مقدمة لكارثة عالمية:ربما يكون الإحباط الناتج عن تداعيات أزمة النظام الديمقراطي في معاقله الغربية، وما يقترن بها من إطفاء أنوار العقل، قبل أن تسطع في مناطق كثيرة محرومة منها حتى اليوم، مقدمة لكارثة تنتظر العالم، إذا استمر هذا التحول، ولم يستطع البشر إنقاذ إنسانيتهم.وفي ظل هذا الإحباط، يجد بعض من يستهويهم الاستبداد، لأنه يمكن من إصدار قرارات سريعة وحاسمة، ويحفظ الأمن والاستقرار، أجواء مناسبة للمقارنة بين ما يعّدونه تمددا روسيا، في ظل نظام سياسي مستبد، وانكفاء أمريكيا يرجعونه إلى النظام الديمقراطي المأزوم.وأعطت حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة لأمثال هؤلاء مادة كثيفة ربطوها بالأزمة التي يمر بها النظام الديمقراطي في معقله الغربي عموما، لكي يبدو السعي إلى مثله كأنه عبث لا طائل منه. وهم إذ يتحدثون عن أزمة النظام الديمقراطي في الولايات المتحدة، إنما يقصدون أن العملية السياسية التنافسية الحرة تنتج أزمات لا حاجة إلى مثلها في بلاد يرون أنها تحتاج إلى غير هذه العملية.

وهكذا، لم يتعرض النظام الديمقراطي، منذ أن عرفه العالم، لمثل هذا الطعن في مقوماته الأساسية، رغم كثرة أزماته في مختلف البلاد التي حققت تقدمها في ظله. ولم يحدث، في أي وقت مضي، أن اهتزت الفكرة الديمقراطية في العالم إلى حد أن يشك بعض أنصارها فيما كانوا يرونه النظام السياسي الأفضل، أو الأقل سوءا، وفق الزعيم البريطاني الراحل ونستون تشرشل، لأنه يتيح فرصا للاختيار بين بدائل متعددة، ويضمن آليات لمراقبة السلطة المنتخبة، ومساءلتها، ومحاسبتها، ويوفر إمكانات لمراجعة سياساتها، ومعالجة أخطائها، بل لتصحيح اختيارات من انتخبوها، إذا لم تحسن إدارة الشأن العام، مادامت هناك انتخابات تالية معلوم موعدها.ولعل أخطر ما في هذا التطور هو الانتقال من نقد أوجه القصور المعروفة في النظام الديمقراطي إلى تفضيل نظام استبدادي، عبر مقارنة في غير موضعها بين السياسة الهجومية التي تتبعها روسيا، منذ أكثر من عامين، وخصوصا في الشرق الأوسط، والانكفاء الأمريكي أمامها. فالمقارنة بين حالتين، أيا تكونان، لا تصح منهجيا إذا اعتمدت علي اجتزاء، أو انتفاء، أو عزل عن السياق. وهذا هو مصدر الخلل الأول في حصر المقارنة بين روسيا وأمريكا في السياسة الخارجية، بل في جانب منها، لخلق صورة توحي بأن الأولي أكثر حيوية وإنجازا من الثانية في مختلف المجالات. أما المصدر الثاني للخلل في هذه المقارنة، فهو الربط المصنوع، وليس المتعسف فقط، بين السياسة الخارجية لكل من الدولتين، والنظام السياسي فيهما، حتى إذا صح أن هذه السياسة تتسم في الحالة الروسية بحيوية لا سابقة لها، منذ نحو أربعة عقود، فيما تبدو في الحالة الأمريكية متراجعة ومنكفئة للمرة الأولي، منذ الحرب العالمية الثانية.ولكي تصح المقارنة، ينبغي أن تشمل أداء النظام السياسي في مختلف المجالات التي تشكل ما أصبح يعرف بـ “القوة الشاملة للدولة”، وفي مقدمها حجم التراكم المعرفي، وتطوير التكنولوجيا، والإمكانات الاقتصادية، فضلا عن العسكرية.ويمكن الإشارة إلى خلل ثالث في المقارنة التي يقفز أصحابها إلى استنتاج عدم أفضلية النظام الديمقراطي، وهو أن أزمته الراهنة في الولايات المتحدة وغيرها ليست الأولي من نوعها، منذ أن عرفه العالم. وهذه أزمة جمود أو ركود تحدث عندما تضعف قدرة النظام الديمقراطي علي تجديد نفسه، وتوسيع نطاق تفاعلاته لتستوعب المستجدات أجيالا، وأفكارا، وأنماط حياة، وغيرها. وهي لا تختلف في جوهرها عن أزمات الركود الاقتصادي التي تتكرر بدورها في أكبر الاقتصادات، وأكثرها قوة في العالم.

ورغم أن الحملة الانتخابية الأمريكية الأخيرة هي الأسوأ في تاريخ الانتخابات الأمريكية، تظل حرية الناخبين في الاختيار بين مرشحين اثنين أو أكثر أفضل من فرض مرشح واحد عليهم، رسميا أو فعليا، واضطرارهم إلى تصديق أنه لا بديل عنه، ولا مثيل له، أو الانصراف بعيدا عن الشأن العام، والتقوقع حول الذات، أو تحمل أثمان باهظة، في حالة رفضه أو نقده.صحيح أن الاختيار في هذه الانتخابات كان بين سيئ وأسوأ. غير أن إدراك كثير من الناخبين ذلك لا يقارن بعدم السماح لنظرائهم في النظم الاستبدادية حتى بتقييم المرشح الذي لا بديل عنه.

ولذلك، ينبغي أن تشمل المقارنة بين النظامين الديمقراطي والاستبدادي قدرة كل منهما علي الاستمرار، وتجنب الانهيار. وحين تجري هذه المقارنة، وفق الأصول المنهجية، ينبغي استحضار كيف انهارت الدولة السوفيتية، وليس النظام الاستبدادي فيها فقط، وكيف اندلعت حروب طاحنة في مثيلتها اليوغوسلافية، إثر تفككها، رغم ملايين الصفحات التي كتبت عن فضائل الاستقرار المعتمد علي القهر في كل منهما.وعندما نستحضر دروس التاريخ التي كثيرا ما تغيب، أو تغيب، في لحظات التحولات الدراماتيكية، نجد بينها درسا، ملخصه أن النظام الديمقراطي قابل للإصلاح مهما يشتد جموده، بخلاف النظام الاستبدادي، مهما تَبْدُ جاذبيته لبعض الناس في مثل هذه اللحظات.

“الترامبية” و”البوتينية” بين الوئام والصدام:من أهم مثالب النظام الاستبدادي، فضلا عن ذلك، وارتباطا به، وامتدادا له، أن القرار السياسي يتركز في النهاية بين يدي فرد قد يصبح خطرا علي العالم، كما علي بلده، بمقدار ما يقترن صعوده بالنفخ في روح قومية لخلق تعبئة شعبية حول سلطته، دون أن يدرك تبعات تجاوز مدي معين في هذا المجال، والعواقب التي يمكن أن تترتب عليه.ورغم أن خطاب ترامب عن استعادة عظمة أمريكا لم يكن محوريا في حملته الانتخابية، وفي خطابه، خلال الأسابيع القليلة التالية لها، حتى كتابة هذه الافتتاحية، فمن أصعب الأمور توقع ما يمكن أن يفعله رئيس من هذا النوع الذي يستعصي علي التوقعات.ولكن الأرجح أن البنية السياسية، والاجتماعية، والثقافية المتنوعة في الولايات المتحدة ستكبح جماحه، إذا أعطي مسألة الروح القومية مساحة جوهرية في خطابه وسياسته، بخلاف الأجواء التي أتاحت للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يذهب إلى أبعد مدي في هذا المجال.

كما أن ترامب سيواجه صعوبات كبيرة، في حالة سعيه إلى إقامة ديكتاتورية أغلبية تنسجم مع شخصيته، واعتمادا علي سيطرة الجمهوريين علي مجلسي الكونجرس، لأن نسبة لا بأس بها منهم، يصعب تحديدها الآن، لا تشاركه كل توجهاته التي عبر عنها في حملته الانتخابية، فضلا عن أن الثقافة الديمقراطية في المجتمع الأمريكي لا تزال قوية، وأن تفوق النزعة الشعبوية عليها ليس إلا مرحلة عابرة لن تستمر طويلا.وسيكون هذا فرقا ثانيا بين الشعبوية “الترامبية”، والشعبوية “البوتينية” اللتين يترقب العالم اليوم كيف ستكون العلاقة بينهما، وهل ستتجه إلى مزيد من الوئام، إذا تبني ترامب سياسة أكثر قبولا بالمنهج الروسي في سوريا، أم إلى مزيد من الصدام، إذا وجد أن استعراض روسيا عضلاتها يتعارض مع ما تعهد به حول استعادة عظمة الولايات المتحدة.

وفي كل الأحوال، نتوقع أن يزداد الظلام انتشارا في العالم لفترة يصعب تحديدها، ولكنها لن تكون طويلة، وأن تنتعش النزعة الشعبوية التي غذاها فوز ترامب في الانتخابات الأمريكية، ويتنامي الميل إلى الإتجار بشعارات وطنية أو قومية فارغة من المحتوي، وترويج الكراهية والبغضاء، وصنع فزاعات لتخويف الناس، واللعب علي أوتار الغرائز التي يحركها خوفهم، لكي يدخل في روعهم أن لا أمن إلا عبر التخلي عن حريتهم وكرامتهم. كما سنجد توسعا في التفكير التآمري، وصورا جديدة له أكثر بساطة، وسذاجة، وابتعادا عن الوقع، وإنكارا له، وأساليب أكثر ميلا إلى الضحالة، والشطط، والفظاظة في التعبير عنه، ووسائل أكثر احترافا للكذب، والتضليل، والخداع، انطلاقا من أحد مقومات الشعبوية في معظم أشكالها، وهو أن التلاعب بالعقول يعد أعلي مراتب المهارة السياسية، وأن في الإمكان تزييف وعي الناس لأطول وقت، عبر وعود والتزامات تذهب أدراج الرياح.غير أن هذه ليست إلا مرحلة كانت لها مقدماتها، وسيكون لها تداعياتها التي ستخلق مقدمات أخري لمرحلة تليها، يسعي العالم فيها إلى إضاءة الأنوار التي تطفأ الآن في أكثر مناطقه تنورا، وإشعال مصابيح في المناطق التي لم تعرف النور إلا في هوامش ضيقة، رغم مرور ما يقرب من قرنين علي بداية عصر التنوير، ومثلهما علي المقدمات التي قادت إليه.

مفهوم الشعبوية:تعبر الشعبوية Populism عن حالات سياسية غوغائية مختلفة تنتج غالبا عن تفاقم الأزمة، سواء في نظام الحكم، أو في المجتمع، أو في كليهما، ولا ترتبط بمرجعية معينة، أو خلفية فكرية محددة. وربما يكون أكثر ما يجمعها علي المستوى السياسي أنها تعمد إلى استثارة مشاعر وطنية أو قومية متضخمة، وتعتمد علي تدين احتفالي يستخدم لأغراض سياسية، أهمها تقييد حرية الإبداع والتعبير، وتستدعي قيما تقليدية سابقة علي العصر الحديث.

كما أنها تأخذ في نمطها التقليدي أشكالا مختلفة، يتباين مستوى الاستبداد السلطوي فيها من حالة إلى أخري. ولكن امتدادها إلى دول ديمقراطية يؤدي إلى تبلور شكل جديد يختلف عن الأشكال المعروفة في الأنماط التقليدية للشعبوية التي لا تقتصر علي النمطين المنتشرين في الغرب الآن، ويوجد تداخل بينهما في بعض الأحيان، وهما الشعبوية التي تستهوي فئات أصابتها العولمة بخسائر مباشرة، تسببت في إثارة قلقها وخشيتها من المستقبل، والشعبوية التي تقوم علي معاداة نخب ديمقراطية تؤمن بالتنوع الثقافي، لأنها تحول دون تحقق فكرة الشعب الواحد الموحد المتجانس، والنقي عرقيا في بعض الحالات.

ونجد هذا المعني المعبر عن توحيد الشعب قسريا في معظم أنماط الشعبوية، لأنها تقوم في مجملها علي إنكار التعدد، والتنوع، والاختلاف، ومحاولة اختزال الشعب في كتلة واحدة صماء، والسعي إلى دمجه في إرادة علوية، وتصور وجود علاقة مباشرة تربط أفراده بالسلطة المعبرة عن هذه الإرادة، والمجسدة في حاكم فرد، بعيدا عن المؤسسات الوسيطة التي يضيق بها النظام الشعبوي عادة، ويعدّها زوائد لا حاجة لها، سواء كانت أحزابا، أو جمعيات، أو منظمات غير حكومية، أو نقابات، أو جماعات اجتماعية. ولذلك، تغلق الشعبوية المجال العام أمام المنظمات الوسيطة، وتحاول أن تحاصرها، وتضعفها، ولكنها لا تلغيها، بخلاف الشمولية التي تحظر وجود الأحزاب بصفة خاصة.والشعب، في النزعة الشعبوية، لا يتكون من مواطنين أحرار، ومتساوين، ولا يعد مصدرا للسيادة التي تنتزعها منه السلطة، بغض النظر عن أي نصوص دستورية في هذا المجال. وما الشعب إلا رعايا يحتاجون إلى راع يعتمد علي دغدغة عواطفهم، ومخاوفهم، ويصطفون وراءه دائما.وتنطوي الشعبوية، في بعض تجلياتها الأكثر استبدادا، علي أبوية سياسية ومجتمعية، إذ يقدم رأس نظام الحكم الشعبوي نفسه بوصفه أبا للشعب، وليس بصفته مسئولا منتخبا يخضع أداؤه للمراقبة، والمساءلة، والمحاسبة.

ولذلك، سيكون وجود رئيس ذي ميل شعبوي في قمة السلطة في دولة ديمقراطية كبيرة، مثل الولايات المتحدة، فرصة لمتابعة كيفية تشكل الشعبوية، والطريقة التي تعمل بها في مثل هذا النوع من الدول التي توجد فيها ثقافة ديمقراطية قوية. ولكن الاختبار الذي ينطوي علي دلالة أكثر وضوحا في هذا المجال قد يكون في فرنسا، في حالة فوز ماري لوبي في انتخابات أبريل – مايو 2017 الرئاسية، لأنها تقود حزبا شعبويا بكل معني الكلمة، بخلاف ترامب الذي صعد بالمخالفة لتفضيلات الكثير من قادة الحزب الجمهوري الأمريكي.