أمريكا ونظامها النجس وتناقضاتها وتتصدر اكثر المشاهد وخالية من الانسانية

ينبغي عليّ أوّلاً أن أشير إلى أن واحداً من الأهداف الكبرى لهذه السلسلة هي فضح الروح الشيطانية والمنافقة التي تحاول الولايات المتحدة الأمريكية قيادة العالم بها . لقد شوّهت كل شيء في حياة البشر وفي مقدمّة ما شوّهته هو “المصداقية” في كل شىء . فقد سحقت كل القيم وفي مقدمتها قيم الصدق والوضوح والشفافية في التعامل بين الناس حتى صار علينا أن لا نصدّق بالأهداف المباشرة المعلنة لأي سلوك أمريكي مهما كان بسيطا وأن نبحث ونفتّش عن الأهداف المستترة التي تخفي عادة الكذب والتآمر الموصل إلى أرباح ومصلحة رأس المال .

 دولة “المعيار الأوحد”: المبدأ الخسيس:وقد وقع أغلبية الباحثين والمفكرين، بل حتى الجمهور العام في كل مكان، في مصيدة التشوّش حين بدأ وصف الولايات المتحدة منذ بداية التسعينات بأنها دولة تعتمد ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين . فالولايات المتحدة لا يوجد لديها سوى معيار واحد حسب الوصف الدقيق للمفكر “نعوم تشومسكي” . إنّ الولايات المتحدة – كما يقول – هي دولة (المعيار الأوحد، الصريح والواضح ؛ المعيار الذي أسماه آدم سميث: “المبدأ الخسيس الذي يحكم سلوكيات أسياد البشرية .. كلّ شيء لأنفسنا، ولا شيء لغيرنا ” . أشياء كثيرة قد تغيّرت منذ أيامه، إلّا أن “المبدأ الخسيس” إيّاه ما انفك يشهد ازدهاراً) .

أكثر دولة تنفيذاً للإعدام تطالب العالم بوقف عقوبة الإعدام !!:هذا المبدأ الخسيس – كما يصفه تشومسكي – يقوم على أساس تحقيق المصالح بأي طريق مهما كان كلبيّاً . لنأخذ الحالة التي حملها عنوان هذه الحلقة كمثال صارخ . فبين وقت وآخر ترتفع الأصوات “الإنسانية” من داخل الولايات المتحدة تطالب الحكومة العراقية بإيقاف عقوبة الإعدام، كما تدعو بعض الأصوات إلى إلغاء هذه العقوبة نهائيّاً بدافع التحضّر والإنسانية . القاعدة – كما قلتُ مراراً – هي أن أي مسؤول أمريكي يأتيك ويتحدّث عن الخير والإنسانية فعليك أن تحذر وتنتبه بقوة لأن هذا المسؤول – حتماً – يريد تمرير الشر والمصالح الأنانية والرأسمالية القذرة تحت أغطية الخير والإنسانية . ولهذا صُدمتُ حقّاً وأنا أستمع إلى تقرير من إذاعة الـ BBC عن أكثر الدول التي نفّذت عقوبة الإعدام في عام 2014، وإذا بالولايات المتحدة تأتي في المرتبة الرابعة في العالم !! معقول ؟! .. دولة تحتل المرتبة الرابعة بين دول العالم في تنفيذ عقوبة الإعدام بالمجرمين المتهمين بجرائم مدنية تطلب من العراق، الدولة المبتلاة بالإرهاب ونهر الدماء الذي لا ينقطع منذ سنين، والذي سبّبته أمريكا نفسها، أن توقف إعدام المتهمين لديها وهم إرهابيون كلاب مسعورون قتلوا الآلاف من أبناء الشعب العراقي المدنيين الأبرياء .هل يعقل أي قارىء مثل هذا السلوك ؟لكن، يا أخي القارىء، هذا هو سلوك الولايات المتحدة منذ تأسيسها المشوّه الذي قام على أساس اقتراف جريمة القتل والإحتلال والإبادة . دولة وقحة تأتيك وتقول لك لا تعدم باسم الإنسانية وهي تمارس عقوبة الإعدام يومياً وباستمرار. 

الولايات المتحدة تعدم الأطفال!!:وسأقدّم إليك أخي القارىء صدمة جديدة من الصعب عليك استيعابها . الولايات المتحدة لا تكتفي بإعدام المتّهمين الكبار البالغين، ولكنها تقوم بإعدام الأطفال أيضاً !! هل تصدّق ذلك ؟؟يتساءل الفيلسوف الفرنسي الراحل (روجيه غارودي) في كتابه (الولايات المتحدة طليعة الإنحطاط) قائلاً:(إلى متى سيقبل العالم هيمنة بلد [= هو الولايات المتحدة] تبلغ نسبة الجريمة فيه أعلى مستوى في العالم، والذي تقرّر فيه المحكمة العليا (في حزيران 1989) جواز الحكم بالإعدام على الأطفال دون سن السادسة عشرة من العمر، وتنفيذ هذه الأحكام، ويُطبق هذا القانون في (24) ولاية نُفّذ فيها منذ عام 1972 أحكام باعدام (182) شخصا بواسطة الكرسي الكهربائي أو الشنق أو غرف الغاز، وينتظر (2500) محكوم بالإعدام في زنزاناتهم تنفيذ حكم الإعدام فيهم) .لقد أصبح تطبيق عقوبة الإعدام على المجرمين (الأحداث) – أي المجرمين الذين تقل أعمارهم عن 18 عامًا عند ارتكاب الجريمة – أمرًا نادر الحدوث بشكل كبير في العالم . لكن منذ عام 1990 نفّذت تسع دول حكم الإعدام على مجرمين من أجل جرائم ارتكبوها وهم في عمر الأحداث (أي أطفال في الحقيقة)، ومن بين هذه الدول الولايات المتحدة الأمريكية .الأغرب من ذلك أنّ هناك اتفاقية أصدرتها الأمم المتحدة اسمها (اتفاقية حقوق الطفل) تمنع تطبيق عقوبة الإعدام على الأحداث تحت الفقرة (37) وقّعت وصدّقت عليها كل دول العالم عدا دولتين هما: الولايات المتحدة والصومال (والصومال لا تمتلك حكومة) !!! هل هذا معقول ؟! 

دولة لم توقّع على اتفاقية حظر استخدام عقوبة الإعدام!!:فوق ذلك هناك عدد من الاتفاقيات على المستوى الإقليمي يحظر استخدام عقوبة الإعدام، من بينها البروتوكول السادس (الذي يحظر استخدام هذه العقوبة في وقت السلم)، والبروتوكول الثالث عشر (الذي يحظر استخدامها في جميع الأوقات) من الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان. كما أن البروتوكول الثاني من الاتفاقية الأمريكية لحماية حقوق الإنسان قد حظر اللجوء إلى هذا النوع من العقوبات. في مقدّمة الدول التي لم تصدّق على هذه الإتفاقيات دولة: الولايات المتحدة الأمريكية. أي أنّها ترفض إلغاء عقوبة الإعدام وترفض التوقّف عن تنفيذها، لكنها تطلب من العراق المُبتلى بالإرهاب الدموي عدم تنفيذها أو تعليقها أو إلغائها .

أعلى دولة في العالم الغربي في تنفيذ الإعدام…وتطلب من مصر إيقاف عقوبة الإعدام !!:إن الولايات المتحدة – وباعتراف منظمة العفو الدولية – هى الأعلى في العالم الغربي فى تنفيذ عقوبة الإعدام، وإن القضاء الأمريكى يظل من أكثر الأنظمة التى تتعامل مع عقوبة الإعدام باعتبارها الرادع الوحيد أمام جرائم القتل المروّعة. لكن الحكومة الأمريكية طلبت من الحكومة المصرية في العام الماضي – ولأكثر من مرة – أن توقف عقوبة الإعدام لديها !!! .

تشومسكي: سجناء في الولايات المتحدة لا يزيد عمرهم على العشر سنوات:يقول المؤرّخ والمفكّر “نعوم تشومسكي” في كتابه “الدول الفاشلة”:(لقد انكسفت الولايات المتحدة عن الخريطة من نواحٍ أخرى كذلك. وأحد الأمثلة المعروفة جيّداً في هذا الصدد، هو الزيادة المثيرة في معدلات السجن والإحتجاز خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية. بدأت الولايات المتحدة بمعدلٍ للسجن والإحتجاز يُشبه نظيره في أوروبا وانتهت بمعدلٍ أكبر بخمس إلى عشر مرّات، مستهدفاً المواطنين السود بالدرجة الأولى، ومستقلاً عن معدلات الجريمة التي تبقى غالباً عند المستويات الأوروبية. إن عدد نزلاء السجون في الولايات المتحدة هو الأعلى في العالم، وأعلى بكثير مما هو في الصين أو روسيا . وقد تضاعف مجدّداً في عام 2004، ولاسيما بين النساء. ونصف المودعين في السجون الفدرالية نزلاء فيها لجرائم تتعلق بالمخدرات. هذا ولا تخفى حقيقة أن الولايات المتحدة هي الوحيدة عملياً في العالم الصناعي من حيث منح الدولة سلطة قتل السجناء – الغريب في الأمر أن هذا يُسمّى موقفاً “محافظاً”، بينما هو في الواقع موقف دَوْلاني جذري. لقد أفادت منظمتا “آمنستي إنترناشونال” و”هيومان رايتس ووتش” بأن الولايات المتحدة هي البلد الوحيد في العالم الذي يُحتجز فيه الأحداث من دون أية إمكانية لإخلاء سبيل مشروط . يبلغ عدد هؤلاء الأحداث 2225 في الولايات المتحدة، في حين لا يزيد عددهم عن العشرات في باقي دول العالم مجتمعة، وهي جنوب أفريقيا و”إسرائيل” وتنزانيا حصراً . هذا وتجيز بعض الولايات في أميركا إصدار مثل هذه الأحكام على أطفال لا يتعدون العشر سنوات. وأصغر نزيل سجن حالياً يبلغ الثالثة عشرة من عمره. وفي العديد من الحالات كانت التهمة الموجهة للطفل هي التواجد في مسرح الجريمة أثناء عملية السطو . وقد ارتفع عدد الأطفال المحكوم عليهم بالسجن المؤبّد ارتفاعا حاداً في غضون السنوات الخمس والعشرين الأخيرة، وحتى بمعدل أسرع مما هو بالنسبة للمجرمين الراشدين. وتشكل هذه الممارسة انتهاكاً لاتفاقية الأمم المتحدة حول حقوق الطفل التي أقرّتها كل دولة عضو في الأمم المتحدة، ما عدا الولايات المتحدة والصومال – والصومال ليست لها حكومة فاعلة كما هو معروف- ) .