اشكاليات وصعوبات وتحدي كبير ينتظر الوضع المالي لتركيا!؟!

الأسواق متشائمة بشأن العلاجات التي سيقدمها أردوغان وصهره، والليرة مرشحة لمزيد من التراجع فور ركود الاقتصاد,أعاد تركيز الأسواق التركية الأتراك والمستثمرين المحليين والأجانب هذا الأسبوع إلى الحقائق المروّعة للاقتصاد التركي المتعثر، بعد عطلة عيد الأضحى التي دامت 9 أيام، والتي أتاحت للأسواق فسحة ضئيلة لالتقاط الأنفاس وسرعان ما عاد حمام الدم الذي كان سائدا قبل العطلة، حين خسرت الليرة 20 بالمئة من قيمتها، رغم أن هذه الأيام من السنة تكون عادة هادئة ولا تقدم سوى القليل من بيانات الاقتصاد الكلي وأصر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان طوال العطلة على لهجته التصعيدية. وجدد رسالته المكررة بأن التدهور السريع في قيمة الليرة كان نتيجة “حرب اقتصادية” واتهم واشنطن باستهداف البلاد بصورة غير عادلة بسبب استمرار اعتقال أنقرة للقس أندرو برانسون بتهم تتعلق بالإرهاب.قبل فترة قصيرة من العطلة، تعرضت تركيا لتخفيضات وتحذيرات من أكبر وكالات للتصنيف الائتماني في العالم، التي يتهمها أردوغان بالتحيز ضد تركيا. وجددت تلك الوكالات تحذيراتها بعد العطلة وخفضت تصنيف معظم المؤسسات المالية التركية الكبرى، الأمر الذي يضع البلاد في طريق كارثي وتوقعت وكالة ستاندرد أند بورز حدوث ركود اقتصادي العام المقبل، وقالت وكالة موديز إن إضعاف المؤسسات العامة في ظل النظام الرئاسي الجديد جعل صنع السياسات أقل قابلية للتنبؤ وجعل الأسواق أكثر تقلبا وأكدت وكالة فيتش أن عدم استجابة السياسات النقدية لتراجع الليرة وخطاب السلطات التركية “زاد من صعوبة استعادة الاستقرار الاقتصادي والاستدامة والأنظار تتجه الآن في هذا الوضع السيء للغاية إلى الثنائي أردوغان وصهره براءت البيرق، الذي يشغل منصب وزير المالية والخزانة، حيث يستعدان لإصدار خطة مالية متوسطة الأجل للحكومة ويزعم هذا الثنائي أن الخطة المالية ستعزز الاقتصاد وتعالج ارتفاع التضخم. ورغم أن خطاباتهما كانت سببا في تفاقم الأزمة، إلا أن تلك الخطة أصبحت الأمل الأخير لاتخاذ نهج معقول يوقف انهيار الاقتصاد الكلي وتبرز الاختلالات الاقتصادية في معدل التضخم المتجه صوب نسبة 20 بالمئة وعجز في الحساب الجاري الذي يقارب 6.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي وعجز الموازنة الذي يتجه إلى نحو 3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في ظل عدم كفاية احتياطيات البنك المركزي لدعم الليرة وديون خارجية للقطاع الخاص تصل إلى 230 مليار دولار تستحق خلال الاثني عشر شهرا القادمة.لم يكن مفاجئا أن تفقد الليرة ما يقرب من 40 بالمئة من قيمتها مقابل الدولار منذ بداية العام، لأن الرئيس لا يزال يشير بإصبعه إلى أسباب في مكان آخر ولا يقترب من تشخيص العلاج,في قراءة سريعة للصحافة الدولية، يتم تذكير المرء بالانهيار الاقتصادي في تركيا عام 2001، رغم أن أسس تلك الأزمة وطريقة تعامل تركيا معها تختلف بشكل كبير عما يحدث اليوم.إذا لم تضع الحكومة سياسات تحظى بالمصداقية فإن أبواب الجحيم ستنفتح على كوارث اقتصادية لا يمكن حصرها…ستشهد الأسابيع القادمة إطلاق البرنامج الاقتصادي متوسط الأجل وميزانية العام القادم وخطة التنمية الاقتصادية الحادية عشرة، والتي سيتم إعدادها كلها تحت إشراف الإدارة الاقتصادية الجديدة بقيادة أردوغان وصهره وسيكون البرنامج الاقتصادي أول وأهم بند في جدول الأعمال، حيث تؤكد الحكومة أنها ستعلنه في النصف الأول من شهر سبتمبر ويشير دليل البيرق الأولي إلى أن الحكومة ستستهدف نموا اقتصاديا بنسبة 3 إلى 4 بالمئة للعام المقبل وخفض التضخم إلى خانة الأحاد. وقال البيرق إن عجز الحساب الجاري سيعود إلى نحو 4 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي وعجز الموازنة إلى 1.5 بالمئة,ولكن الأسواق لا تجد مصداقية في توقعات البيرق، ويؤدي تشاؤمها لتفاقم انخفاض الليرة وسط الخلاف المستمر مع الولايات المتحدة، الذي أدى لمضاعفة رسوم صادرات شركات الصلب التركية.سيسلط إصدار البرنامج الاقتصادي الضوء على أهداف الاقتصاد الكلي الحكومية للفترة من 2019 إلى 2021. وينبغي أن تكون التفاصيل متسقة مع الوضع الحالي وسيبحث المستثمرون على وجه الخصوص عن خطوات قوية يمكن تحقيقها من فريق البيرق في التعامل مع التزامات الديون الخارجية الضخمة في وقت يتواصل فيه تراجع الليرة وتزداد الظروف الاقتصادية صعوبة يوماً بعد يوم ومن المقرر أن تجتمع لجنة السياسة النقدية للبنك المركزي يوم 13 سبتمبر. ويتوقع المستثمرون أن يضطر المركزي لرفع أسعار الفائدة بعد نشر بيانات التضخم لأغسطس يوم الاثنين، والتي من المتوقع أن تكون مروعة.الخطة الاقتصادية التي يمتد أجلها 3 سنوات، ستكون بلا شك متفائلة في نظرتها مع توجه الحكومة لإجراء الانتخابات المحلية في مارس، لكن تفاصيل ميزانية 2019 ستجذب على الأرجح اهتماماً كبيراً من المستثمرين الذين يحاولون فهم خطة لعب أردوغان لمعالجة الصعوبات الاقتصادية وتريد وزارة المالية والخزانة أن تقوم المؤسسات والمنظمات العامة بتخفيض المصروفات غير الضرورية. لكن مشاريع أردوغان للإنشاءات الضخمة مثل قناة الشحن في إسطنبول التي تزيد تكلفتها على 10 مليارات دولار ستستمر كما هو مخطط لها ومن المقرر أن تعلن الحكومة عن خطة التنمية الـ11 بحلول نهاية العام، والتي تحدد السياسات التعليمية والصحية والاقتصادية لفترة الرئاسة الجديدة، التي تنتهي في الذكرى المئوية لتأسيس الدولة في عام 2023

وفي موازاة ذلك، تتراكم الاختلالات الاقتصادية الكلية وتؤثر على النمو الاقتصادي، يتباطأ نمو الاقتراض التجاري والاستهلاكي بشكل حاد وتحاول الحكومة إجبار البنوك العامة على دعم الاقتصاد بإقراض جديد وبدأ تراجع الليرة في إلحاق الضرر بالبنوك ويمكن أن يؤدي إلى إفلاس تلك التي شاركت بالفعل في إعادة هيكلة ديون الشركات المتعثرة وإذا وضعنا جانبا خطابات أردوغان عن “الحرب الاقتصادية” التي تخيف الأسواق، فإن الحكومة أمامها فرصة لتجنب أزمة شاملة إذا اعترفت بوجود مشاكل هيكلية حقيقية في الاقتصاد واتبعت مسارا يحظى بقبول الأسواق وقد تكون الخطة المتوسطة الأجل هي الفرصة الأخيرة للحكومة لتهيئة الأمور. أما إذا لم تضع سياسات تحظى بالمصداقية، فإن جميع أبواب الجحيم ستنفتح لتتكبد الليرة خسائر غير مسبوقة وتتبعها كوارث اقتصادية لا يمكن حصرها