اعتدال الإمام السجاد سؤدد المجتمعات

 

إنّ أهّم أهداف القادة الإلهيّين هو إصلاح المجتمع البشريّ بتربيته على التعاليم الالهية والقيم الأخلاقية والمبادئ الانسانية، وقد بذلوا من أجل هذا الهدف المقدس وجودهم الشريف، والجود بالنفس اقصى غاية الجود…

يأتي أئمة أهل بيت النبوة- عليهم السلام- في طليعة القادة الالهيين الذين سخروا وجودهم المقدس من أجل هداية البشرية والعروج بها نحو الكمال والرقي في الدنيا والآخرة، وقد تحملوا في هذا الخط الرسالي من الأذى والاضطهاد ما لم ترَه عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب أحد، ولم يزدهم ذلك إلا ثباتًا وإصرارًا على المضي في هذا النهج الإلهي، حتى مَضوا قرابين إلهية من أجل الإنسانية بين مقتول ومسموم ومُشَّرد مغيَّب…

أهل بيت العصمة- عليهم السلام- وإِنْ تعددت أدوارهم بحكم الظروف الموضوعية التي أحاط بكل واحد منهم وفرضت عليه إلا أنَّ الهدف واحد، يتمثل بالهدف الالهي الاخلاقي الانساني الذي يضمن للبشرية السعادة والكمال في الدارين…

الإمام السجاد فرع من الدوحة الإلهية المحمدية العلوية المعصومة التي أذهب الله عنها الرجس وطهرها تطهيرًا، والتي أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أُكلها كل حين، فلا تنضب ثمارها الناضجة التي تدرُّ على البشرية بكل ما تحتاجه في مسيرتها…

لقد عاش الإمام زين العابدين فترة حرجة ومضطربة جدًا، اجتمعت فيها المآسي على المستوى الشخصي- مآسي كربلاء- والجمعي، والتقلبات السياسية، وبروز التيارات الفكرية المختلفة والتيارات المنحرفة، واندلاع الثورات التي أعقبت استشهاد ابيه الحسين- عليه السلام- فهو مابين آلام وأوجاع المصاب ومعاناة السبي ومخاطر السلطة المستبدة التي تحوم حوله، وبين بقية الظروف والتحولات الهائجة، وبالرغم من كل ذلك لم ينثنِ، ولم يلين، ولم يستكين، فاستمر على نهج أبيه وجده الأمين- صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين في ممارسة دوره الالهي في كل جوانب الحياة الدينة والفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والعبادية وغيرها،

ولهذا من الخطأ والإساءة الاعتقاد بأنَّ الامام السجاد التزم مبدأ العزلة او التقية السلبية، فسيرته ومواقفه كاشفة عن حضوره الرسالي الفعّال في كل الميدان هاديًا ومُعلمًا ومفكرًا ومربيا ومُرشدا وناصحًا للأمة بكل انتماءاتهما ومُنتقدًا ورافضًا لكل مظاهر الظلم والفساد والانحراف…

وهنا نذكر شاهدًا واحدًا يكشف عن الدور الرسالي الذي كان يمارسه السجاد-عليه السلام- يتعلق في رسالته التي بعث بها الى الزهري- أحد أصحابه وتلامذته المقربين- والذي انحرف عن الصواب وانخرط في البلاط الأموي، فتحول الى واعظ للسلاطين ومروج ومشرعن للحاكم الأموي، حيث كانت رسالة دامغة، صرّح فيها- عليه السلام- بكل أغراض الزهري، وكشف له، ولأمثاله، أخطار الاتصال بالأجهزة الظالمة والركون إليها، فقد تناول هذه الرسالة الأستاذ المحق الصرخي دراسةً وتحليلًا ومحاكاةً في المحاضرة الثامنة من بحث (ما قبل المهد إلى ما بعد اللحد)، فكان مما ذكره المهندس الصرخي قوله:

« قال الإمام زين العابدين – عليه السلام -: أمّا بعد كفانا اللّه وإيّاك من الفتن ورحمك من النار، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أنْ يرحمك، فقد أثقلتك نعم اللّه بما أصحّ من بدنك، وأطال من عمرك، وقامت عليك حجج اللّه بما حمّلك من كتابه وفقّهك من دينه وعرفّك من سنّة نبيّه محمد – صلى الله عليه وآله -، فرض لك في كلّ نعمة أنعم بها عليك وفي كلّ حجة احتج بها عليك الفرض، … فانظر أيّ رجل تكون غدًا إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن نعمه عليك»، انتهى المقتبس.

فالنص الكامل للرسالة يكشف ويثبت بكل وضوح أنَّ الإمام- عليه السلام- كان يتابع ويراقب الأوضاع- صغيرها وكبيرها- بدقة فائقة، ومثل هذا الدور لا يمارسه إلا من لم ينعزل عن الحياة الاجتماعية والسياسية وغيرها، ، كما أنَّ ارسال مثل هذه الرسالة الى الزهري وهو من أعيان علماء البلاط الأموي المستبد، تشكل خطرًا على الامام- عليه السلام- الذي وصف فيها الحكم بالظلم والفساد، ونهى وحذر من الركون الى الظالمين ومعونتهم، وحاول صرف الزهري عن مصاحبتهم، لكنّ الإمام- عليه السلام- في لا يأبه بكل الإحتمالات، والأخطار المتوقّعة، بل يصارح أعوان الظلمة بكلّ ما يجب إعلانه من الحقّ، فهو سليل خط الرفض والوقوف بوجه الظلم والفساد والانحراف…

هذه ومضة من سيرة الإمام زين العابدين-عليه السلام- الوضاءة التي تميزت بالإعتدال والوسطية والتجسيد الامثل للتعاليم  الالهية والقيم الأخلاقية والمبادئ الإنسانية…فكان اعتدال الإمام السجاد سؤدد المجتمعات…والمحقق الصرخي عاملا.

https://b.top4top.net/p_1006kr9ky1.jpg

بقلم: محمد جابر