اعجاز القرآن الكريم في الحذف والتقطيع في الحروف ..الجزء الثاني

 

 

 

 

اعجاز القرآن الكريم في الحذف والتقطيع في الحروف ..الجزء الثاني

بقلم\ خالد الجبوري

نكمل ما بدأنا به في الجزء الاول من الاعجاز القرآني في حذف الحروف في بعض المواضع وذكرها في مواضع اخرى ونأخذ مثالا اخر  من القرآن الكريم: في سورة آل عمران قال تعالى ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 141، 142].

إذا كان التعبير يحتمل تقدير أكثر من حرف يُحذف للتوسع في المعنى وعندما لايحتمل إلا حرفا بعينه فيكون في مقام التوكيد أو التوسع وشموله ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 142] ذكرت اللام في كلمة (ليعلم) وحذفت في كلمة (يتّخذ)، يقول المفسرون ان الآية الأولى نزلت بعد معركة أحد ﴿يَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ غرض عام يشمل كل مؤمن ويشمل عموم المؤمنين في ثباتهم وسلوكهم أي مما يتعلق به الجزاء ولا يختص به مجموعة من الناس فهو غرض عام إلى يوم القيامة والله أعلم. وهذا علم يتحقق فيه الجزاء.أما في قوله (يتخذ منكم شهداء) ليست في سعة الغرض الأول فالشهداء أقل من عموم المؤمنين وانهم ثلة قليلة يختارها  الله شهداء . وكذلك في قوله تعالى في سورة آل عمران ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 141] ذكرت اللام في (ليمحص) وحذفت   في (يمحق). غرض عام سواء في المعركة (أحد) أو غيرها لمعرفة مقدار ثباتهم وإخلاصهم وهو أكثر اتساعاً وشمولاً من قوله تعالى: (ويتخذ منكم شهداء) ويمحق الكافرين ليست بسعة (ليمحص الله) لم تخلو الأرض من الكافرين ولم يمحقهم جميعاً… اقول .. ان ليمحص هنا للتخفيف واللطف الالهي بحق المؤمنين فقال سبحانه ليمحص المؤمنين لان التمحيص ربما لا يشمل جميع المؤمنين  بينما نرى في كلمة يمحق فيها سخط وغضب من الله على الكافرين فلم ياتي ذكر اللام لانه فعل محق لابد منه للكافرين ولايستثني  احد منهم  , أما في قوله تعالى ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: 154]. هنا الغرضين بدرجة واحدة من الإتساع او المسافة ولهذا وردت اللام في الحالتين.والله اعلم ..

والشاهد لما اوردناه من بلاغة اللغة العربية واعجاز القران الكريم من  اعتراض بعض المرجفين من حذف اطراف  بعض الكلمات من حروفها مثل كلمة ( حسين )  لتلفظ ( سين ) و ( علي ) لتلفظ (  لي ) و ( فاطمة  ) لتلفظ  ( طمة ) و( مهدي ) لتلفظ ( دي ) وذلك في مجالس العزاء المعروفة ( بالشور )  وقد قدم استفتاءا لسماحة المرجع الديني السيد الاستاذ الحسني الصرخي بخصوص هذا الموضوع من الحذف وهل هو جائز ام لا ؟ فكان جواب سماحته على هذا الاستفتاء ..ونقتطع جزءا منه (ما هو رأيكم (بالذكر أو التسبيح) وهو إصدار أصوات وحروف وكلمات مقتطع منها بعض حروفها، وكل ذلك يستخدم في عزاء الشور، حيث أن بعض الرواديد يقتطعون حرفًا أو حرفين من أسماء #المعصومين (عليهم السلام)، مثلًا (سين) ويقصد (حسين)، و (لي) ويقصد (علي) أو (ولي)، و (دي) ويقصد (مهدي)، و (طمة) ويقصد (فاطمة)؟! وقد تعرّض هؤلاء لحملات تكفير وتفسيق وتسقيط وعداء وقطع أرزاق خاصة من الجهات التابعة لمراجع الدين!! فيما يدّعي بعض المسبّحين أن ما يقومون به هو ذكر وتسبيح لله سبحانه وتعالى كتسبيح الزهراء عليها السلام (( الله أكبر..الحمد لله.. سبحان الله)).

وجاء الجواب من سماحته قائلآ :

وعليكم السلام: الإجابة على التساؤل تحتاج إلى بعض المقدّمات، والكلام في خطوات:

1ـ اللهم اجعلنا من أهل القرآن اللهم آمين. لا يخفى على أجهل الجهّال، أنّه قد تنوّعت الاستعمالات القرآنية لظاهرة الحذف في اللغة بحيث صارت الأحرف المقطّعة أحد العناصر الرئيسة في #القرآن_الكريم، كما في الآيات المباركة: {ن}، {ق}، {ص}، {حم}، {طه}، {طس}، {يس}، {الم}، {الر}، {طسم}، {المر}، {المص}، {كهيعص}، وورد في الروايات والتفاسير أن كلّ حرف منها يدل على لفظ أو أكثر وأن كلا منها يدل على معنى أو أكثر.

2ـ الحذف ظاهرة موجودة في اللغة العربية وتعدّ أيضًا من أساليب القرآن الكريم ويراد بها في اللغة: “قَطْفُ الشَّيْء من الطَّرَف كما يُحْذَف طَرَفُ ذَنَب الشّاة”، وفي الاصطلاح، أن يَحذِف المتكلم من كلامه حرفًا أو كلمة أو جملة أو أكثر ليفيد مع الحذف معاني بلاغية، بشرط وجود قرينة ولو حالية تعين على إدراك العنصر أو العناصر المحذوفة. في ضوء ما تقدم يتضح أنه :-

إذا كان يقصد بالتسبيح والتقطيع (مورد السؤال) تسبيح كتسبيح الزهراء(عليها السلام) المتضمّن لأسماء الله وصفاته فإنّ هذا تشريع محرّم وغير جائز.

وإن كان ما يصدر مجردَ حرف أو كلمة ترجع إلى عنوان موسيقى أو غناء، فيشملها حكمها، فإذا كان مثلًا في الأناشيد الحربية وأناشيد الذكر الشرعية والأدعية والأذكار ورثاء المعصومين والأولياء (عليهم السلام)، جاز ذلك إذا لم يستلزم الحرام.

أمّا إذا كان ذلك من باب الحذف مع وجود ما يدلّ على المعنى المقصود وهو ما يُفهم من السؤال، حيث يعلم السائل والمستشكل أن الحرف يقصد به الإمام الحسين أو الحسن أو أمير المؤمنين أو الزهراء أو المهدي أو باقي الأئمّة أو جدّهم النبي الأمين(عليهم الصلاة والتسليم)، وبحسب ما هو ظاهر حال المجالس المنعقدة عادة، وهذا جائز ولا إشكال فيه لا شرعًا ولا لغة ولا بلاغة ولا أدبًا ولا أخلاقًا، وهو أسلوب لغويّ بلاغي متّبع ومعروف وتتميز به اللغة العربية ومن إبداعات البلاغة فيها، بل ومن إبداعات القرآن الكريم، وكما ذكرنا سابقًا بأن أسلوب البلاغة والبلاغة القرآنية قائمة على حذف الحرف الواحد والأحرف المتعددة؛ بل وحتى حذف الكلمة والجمل مع وجود ما يدلّ عليها من قرائن حالية أو مقالية، وكما في قوله تعالى: { وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا } والكلّ يفسّرها بأنّ المقصود منها: واسألوا أهل القرية، فتمّ حذف كلمة كاملة وهي (أهل) .

خالد الجبوري