اعجاز القرآن الكريم في الحذف والتقطيع في الحروف ..الجزء الخامس

 

 

 

اعجاز القرآن الكريم في الحذف والتقطيع في الحروف ..الجزء الخامس

بقلم \ خالد الجبوري

نتواصل مع الاعجاز القرآني الذي يفصح عن فصاحة وبلاعة العربية وجمالها هذا الجمال الذي كان لحسن البلاغة و البيان دور في تجلية صورته و إبراز عظمته المعجزة  تلك العظمة التي استهوت القلوب  و أسرت الألباب و العقول  و لم يملك أمامها العرب الأقحاح  خبراء  الفصاحة و مالكوا زمامها إلا الاستسلام و الإقرار بأفضلية كتاب الله  العظيم المنان المنزل على خير الأنام. وكما تحدثنا  في مقالاتنا السابقة عن الحذف ومعناه الاصطلاحي و هو ((التعبير عن المعاني الكثيرة في عبارة أقل منها  بحذف شيء من التركيب مع عدم الإخلال بالمعنى)) فإن لم يف اللفظ بالمعنى كان إخلالا ..

وقد اكدنا في مقالاتنا ان سبب نشرنا والتعمق في  هذا البحث المتواضع عن الحذف وخصوصا في القران الكريم هو اعتراض المعترضين بلا اثارة من علم ولا كتاب منير على حذف  بعض الحروف من اسماء ائمة اهل البيت اثناء تداولها في مجالس ما يعرف بالشور والبندرية واعتبروها شيئا مخلا في تلك المجالس او القصائد الحسينية وقد تصدى سماحة السيد الاستاذ الصرخي الحسني لهذا الامر من خلال استفتاء كان بمثابة انهاءا لذلك النزاع او الاختلاف في مدى جواز او عدم جواز ذلك ونتطرق في هذه المقالة الى مزيد من الادلة الدامغة على صحة وصواب الحذف في بعض المواضع وللحذف في القران الكريم ثلاثة انواع :

الأول : الإكتفاء:

و هو ان السياق يقتضي ذكر متقابلين اثنين  فيكتفى بأحدهما عن الآخر  و يترك الذهن يتأمل  الموقف  و يضيف ما يناسبه. كقوله تعالى: ((سرابيل تقيكم الحر))(النحل 81)، أي البرد  و تعليل هذا اما لأن الخطاب موجه للبيئة العربية الحارة  او لأن الإشارة إلى البرد سبقت بقوله تعالى:((و من أصوافها و أوبارها و أشعارها أثاثاً))(النحل 80)

الثاني : الإحتباك:

و هو ما يقع في متقابلين حذف من كل منهما ما ذكر مقابله في الجانب الآخر. و هذا النوع لطيف خفي قد لا يهتدى إليه في أول وهلة  مما دعا البلاغيون الأوائل إلى عدم الإشارة إليه كمصطلح  و إن نبهوا إلى موضوعه.

و منه قوله تعالى:

((فئة تقاتل في سبيل الله و أخرى كافرة))(آل عمران 13)

أي فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله  و أخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت.

الثالث : الإختزال:

و هو الغالب في القرآن  و هو ما لم يندرج تحت الإكتفاء  أو الاحتباك. و يكون المحذوف في هذا الصنف حرفا أو اسما أو جملة  أو أكثر من جملة . قد يحذف في التعبير القرآني من الكلمة نحو (استطاعوا) و (اسطاعوا)، و (تتنزل) و (تنزّل)، و (لم يكن) و (لم يك) وما إلى ذلك. و كل ذلك لغرض و ليس اعتباطا. فالتعبير القرآني تعبير فني مقصود، كل كلمة  بل كل حرف إنما وضع لقصد كما اكدنا ذلك في مقالاتنا السابقة . وكذلك   لا تخلوا متابعة البلاغة  من الحذف من الإشارات النفسية كمثل الاشارة  إلى قوله تعالى  حكاية عن سارة زوج سيدنا إبراهيم(عليه السلام):  (( فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) (الذاريات).

و التقدير: أنا عجوز عقيم. حيث  أنه قد يحذف المسند إليه عندما يكون هناك ضيق في الصدر عن إطالة الكلام  و هذا ما حدث لسارة لما سمعت بشارة الملائكة لها بغلام  عجبت من أمرهم و استبعدت أن تلد بعد بلوغها حد الكبر و العقم! ..

وقد اشار سماحة السيد الاستاذ الصرخي الحسني دام ظله الى  موضوع الحذف في الاستفتاء المعنون (الشور.. سين سين.. لي لي.. دي دي.. طمة طمة ) ..بقوله في اجابته دام ظله :

( ـ الحذف ظاهرة موجودة في اللغة العربية وتعدّ أيضًا من أساليب القرآن الكريم ويراد بها في اللغة: “قَطْفُ الشَّيْء من الطَّرَف كما يُحْذَف طَرَفُ ذَنَب الشّاة”، وفي الاصطلاح، أن يَحذِف المتكلم من كلامه حرفًا أو كلمة أو جملة أو أكثر ليفيد مع الحذف معاني بلاغية، بشرط وجود قرينة ولو حالية تعين على إدراك العنصر أو العناصر المحذوفة.

وللحذف أغراض عقلائية من قبيل الحذف للترخيم كقولنا: (يا سُعَا) في ترخيم (سُعَاد،) أو الحذف للتفخيم والتعظيم كما في قوله تعالى: { وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى } والتقدير: يعلم السرّ وأخفى علمه، أو الحذف بقصد زيادة اللذَّة بسبب استنباط المعنى المحذوف كما في قوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} أي وجعل لكم سرابيل تقيكم الحرّ والبرد، وغير ذلك من أغراض وفوائد لغوية وبلاغية. ـ في هذا المجال يقول الجرجاني عالم البلاغة: “ما من اسم حذف في الحالة التي ينبغي أن يحذف فيها، إلّا وحذفه أحسن من ذكره”.

ـ وابن الأثير قد اعتبر أنّ اللغة العربية تتصف بالشجاعة لقبولها الحذف؛ إذ يقول: “هو نوع من الكلام شريف لا يتعلق به إلّا فرسان البلاغة ومن سبق إلى غايتها وما صلى وضرب في أعلى درجاتها بالقدح المعلّى وذلك لعلوّ مكانه وتعذّر إمكانه” .

– ورد عن الإمام علي (عليه السلام ): كلّ ما في القرآن في الفاتحة، وكلّ ما في الفاتحة في بسم الله الرحمن الرحيم، و كل ما في بسم الله الرحمن الرحيم في باء بسم، وأنا النقطة التي تحت الباء .

https://www.facebook.com/fatawaa.alsrkhy.alhasany/posts/990635111088922

خالد الجبوري