اعجاز القرآن الكريم في الحذف والتقطيع في الحروف ..الجزء الاول

 

بقلم خالد الجبوري

 

اعجاز القرآن الكريم في الحذف والتقطيع في الحروف ..الجزء الاول \ بقلم خالد الجبوري

من روائع البيان القرآني المعجز أنه يحذف حرفا من بعض ألفاظه في موضع ويذكره في موضع آخر وحذف هذا الحرف ليس حذفا اعتباطيا كما أن ذكره ليس مصادفة عشوائية إنما ذكره لحكمة وحذفه لحكمة.

وهناك أغراض يذكرها أهل اللغة في هذا الباب فيقولون: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى إلى غيرها من الأغراض العربية وفي القرآن نجد من هذا كثيرا ولكن يحكمه التوازن الدقيق ليس في بعض أبوابه بل في كل أبوابه.

ولننظر إلى بعض الأمثلة في حكمة ذكر أو حذف بعض حروف الكلمات في القرآن الكريم المثال الأول:

 

( تسطِعْ  ) ( وتستطع ) ..

 

وردت هاتان الكلمتان في قصة موسى والخضر حيث رافق موسى الخضر وأمره بعدم سؤاله عما يفعله فكان يفعل أمورا يعدها  موسى مخالفة  فينكر عليه  فقال له بعد إنكاره الحادثة الثالثة  :

( هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً )

[ الكهف:78 ]

بإثبات التاء .

ثم نبأه بتأويل أفعاله وأخبره أنه لم يفعل ذلك من تلقاء نفسه (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ) ثم قال له :

(ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً ) [ الكهف: 82 ]

بحذف التاء.

بعض المفسرين يرون ان وجه الإعجاز البلاغي هنا أن المرة الأولى كان موسى في قلق محيِر جرّاء أفعال الخضر فراعى السياق القرآني الثقل النفسي الذي يعيشه موسى عليه السلام فأثبت التاء ليتناسب مع الثقل النفسي لموسى ..  الثقل في نطق الكلمة بزيادة الحرف. وحذفه في المرة الثانية بعد زوال الحيرة وبعد ان خف  الهم عن موسى ليتناسب خفة الهم مع خفة الكلمة بحذف الحرف الذي ليس من أصل الكلمة. .. وانا اقول … ان الحالة الاولى التي اثبت فيها القران التاء في كلمة تستطع هي في حالة الفعل المادي الذي قام به الخضر عليه السلام امام النبي موسى سلام الله عليه اي بمعنى زمن الحدث الآني لم يستطع موسى سلام الله عليه ان يصبر على ما شاهد من الفعل ولم يستطع التدخل في حينها لمنع وقوع هذا الحدث لذلك فان الحالة هي عدم الاستطاعة في الصبر والتدخل اما في الحالة الثانية فان الحديث كان بعد ان وقع الحدث او الفعل بعد ان بدأ الخضر بتاويل الافعال التي قام بها امام موسى هذا من جهة ومن جهة اخرى  لم يستطع موسى ان يحلل او يفهم ما جرى على الاقل فكريا لذا فقيل له (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً ) اي ما تفهم معنويا وفكريا ما حدث فلم تنفذ الى معناه فكريا فلم تصبر .. والله العالم .. وما يفيدنا هنا ان في اللغة العربية وهي من افصح اللغات واشرفها حالات الحذف لتعطي دلائل ومعاني بلاغية وكما جاء في استفتاء قدم لسماحة المرجع الاعلى السيد الاستاذ الصرخي حول حذف بعض الاحرف من اطراف كلمات مثل ( حسين )  لتلفظ ( سين ) و ( علي ) لتلفظ (  لي ) و ( فاطمة  ) لتلفظ  ( طمة ) وذلك في مجالس العزاء المعروفة ( بالشور ) فيقول سماحته مجيبا , وسوف نقتطع جزءا من هذا الاستفتاء (وابن الأثير قد اعتبر أنّ اللغة العربية تتصف بالشجاعة لقبولها الحذف؛ إذ يقول: “هو نوع من الكلام شريف لا يتعلق به إلّا فرسان البلاغة ومن سبق إلى غايتها وما صلى وضرب في أعلى درجاتها بالقدح المعلّى وذلك لعلوّ مكانه وتعذّر إمكانه” .

6- ورد عن الإمام علي (عليه السلام ): كلّ ما في القرآن في الفاتحة، وكلّ ما في الفاتحة في بسم الله الرحمن الرحيم، و كل ما في بسم الله الرحمن الرحيم في باء بسم، وأنا النقطة التي تحت الباء .

7- في ضوء ما تقدم يتضح أنه :-

إذا كان يقصد بالتسبيح والتقطيع (مورد السؤال) تسبيح كتسبيح الزهراء(عليها السلام) المتضمّن لأسماء الله وصفاته فإنّ هذا تشريع محرّم وغير جائز.

وإن كان ما يصدر مجردَ حرف أو كلمة ترجع إلى عنوان موسيقى أو غناء، فيشملها حكمها، فإذا كان مثلًا في الأناشيد الحربية وأناشيد الذكر الشرعية والأدعية والأذكار ورثاء المعصومين والأولياء (عليهم السلام)، جاز ذلك إذا لم يستلزم الحرام.

أمّا إذا كان ذلك من باب الحذف مع وجود ما يدلّ على المعنى المقصود وهو ما يُفهم من السؤال، حيث يعلم السائل والمستشكل أن الحرف يقصد به الإمام الحسين أو الحسن أو أمير المؤمنين أو الزهراء أو المهدي أو باقي الأئمّة أو جدّهم النبي الأمين(عليهم الصلاة والتسليم)، وبحسب ما هو ظاهر حال المجالس المنعقدة عادة، وهذا جائز ولا إشكال فيه لا شرعًا ولا لغة ولا بلاغة ولا أدبًا ولا أخلاقًا، وهو أسلوب لغويّ بلاغي متّبع ومعروف وتتميز به اللغة العربية ومن إبداعات البلاغة فيها، بل ومن إبداعات القرآن الكريم، وكما ذكرنا سابقًا بأن أسلوب البلاغة والبلاغة القرآنية قائمة على حذف الحرف الواحد والأحرف المتعددة؛ بل وحتى حذف الكلمة والجمل مع وجود ما يدلّ عليها من قرائن حالية أو مقالية، وكما في قوله تعالى: { وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا } والكلّ يفسّرها بأنّ المقصود منها: واسألوا أهل القرية، فتمّ حذف كلمة كاملة وهي (أهل) .

خالد الجبوري