الأستاذ المُعَلِمُ الصَرْخيُّ: حُبُّ عليٍ عقلٌ وحكمةٌ.

الأستاذ المُعَلِمُ الصَرْخيُّ: حُبُّ عليٍ عقلٌ وحكمةٌ.

الحُبُّ عاطفةٌ أودعها اللهُ المُبدعُ الحكيمُ جلَّ جلالُه، في النفس البشرية، وجعلها مِنْ أنْبَلِ العواطِفِ الإنسانيّةِ، وأعْمَقَها وأشدَّها أثَراً لِتَكونَ مُنْطَلَقاً لِكُلِّ خَيرِ فيما لَوْ تَمَّ توجيهها بصورةٍ صحيحةٍ لأنَّها بكل -صورها وتجلِّياتها وإمتداداتها- الطأقةُ المُلْهِمَةُ والمُحَرِّكَةُ للإنسانِ، فعاطفة الحُبِّ هي التي تمنحُ الإنسانَ معنى الإنسانيَّةِ، لأنّ الإنسانَ من دون حب صَخرةٌ صَمّاءٌ، والحُبُّ سِرُّ الإبداعِ والتطورِ والرِّقيِّ وهو الذي يصنعُ الحياةَ ويُعطيها جمالها،

وكما يقال في الحكمة: لولا حبُّ الفِكرِ لما أنتج الفكر المبدع، ولولا حُب الشاعر لجمال وسحر القصيدة لما أنشدّ شعراً وأدباً، ولولا حُبُّ الأم لوليدها لَما صبرت على عناءِ حَمْلِهِ ووضْعِه ومَشقَّة تربيته، إنّه الحب هو الذي يجعلها تستعذب كل هذه المشقات والآلام، ولولا حُبُّ الإنسان لوطنه لَما دافع عنه وبذل دمه في سبيله، وغيرها الكثير من اثأر الحُبِّ في حياة الإنسان،

وبهذا وما لم نذكره دَفْعا للإطالة، تتضحُ فلسفةُ الحكمة الإلهية من هذه العاطفة التي هي مِن صفات الله فهو الحبيب، ويتضح أيضا المَعْنى المُراد مِنَ الحُبِّ الذي وَرَدَ ذِكْرُه في القرآن الكريم والسُنَّةِ الَنَبويَّة المُطّهَّرَةِ، فحبُّ عليٍ عليه السلام الذي جَعلهُ الشارعُ المقدس ُعلامةَ الإيمان، لمْ يكنْ عن هوى أو عاطفة أو لَهو أو عَبَث أو محاباة لعلي أو لقرابةٍ بينهُ وبينَ الله، وإنّما هو عقلٌ وحِكمةٌ وملاكٌ واستحقاقٌ كما يقول الأستاذُ المُعَلِمُ الصرخيُّ تحت عنوان: «حبُّ عليٍ عقلٌ وحكمةٌ: جعل الشارع المقدس حبَّ عليٍّ حبًّا من الله وحبًّا لله ، وأنّه علامة الإيمان وأنّ الإيمان ينتفي بانتفاء هذا الحبّ وفي المقابل جعل البغض المقابل له علامة النفاق واستحقاق العقاب والنار، فهل فَعَلَ اللهُ تعالى ذلك عن عاطفة وهوى وترجيحٍ من غيرِ مرجّحٍ ؟ أو هو عقل وحكمة ومصلحة وملاك وعلّة واستحقاق ؟»، انتهى المقتبس.

ذلك لأن عليّاً شهيدُ العُشقِ الإلهي، عاش لله وفي الله ومَعَ الله والى الله وفي سبيل الله، فسلك كلَّ السُّبُل المُوصِلةِ إلى مَعشوقه الأوحد، وسار في أقربِ الطُّرقِ للوفودِ عليه فأعلنها فُزْتُ وربِّ الكعبةِ، بعدَ أنْ حَمَلَ كلَّ صفات الكمال التي أمرت بها الرسالات السماوية والفطرة الإنسانية وجسَّدها في حياته بكل جوانبها، ولهذا يقول إبن أبي الحديد بحق عليٍ : « وما أقول في رجل تُعزى اليه كلّ فضيلة، وتنتمي اليه كلّ فرقة، وتتجاذبه كلّ طائفة، فهو رئيس الفضائل وينبوعها، وأبو عُذْرِها، وسابق مضمارها، ومجلّي حَلْبتها، كلّ من بزغ فيها بعده فمنه أخذ، وله اقتفى، وعلى مثاله احتذى»، ويقول شبلي شميل -مفكر مادي- : «الإمام علي بن أبي طالب عظيم العلماء نسخة مفردة لم ير لها الشرق والغرب صورة طبق الأصل لا قديما ولا حديثا ».

ومما لاشك فيه والثابت شرعاً وعقلاً ومنطقاً وأخلاقاً وإنسانيةً وحضارةً أنَّ حُبِّ عليٍّ -الذي هو علامةُ الإيمان- هو ذلك الحُبُّ الباعثُ والمُحَرِّكُ نحو الخيرِ، فالحُبُّ الحقيقيُّ مَشروطٌ  ويتجسد بالإتباعِ والطاعةِ للحبيب، قال الحبيب الأوحد: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾، ويقولُ الإمامُ الصادقُ عليه السلام:

تَعْصِي الإِله وَأنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ          هذا محالٌ في القياس بديعُ

لَوْ كانَ حُبُّكَ صَادِقاً لأَطَعْتَهُ            إنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ

فحُبُّ عليٍّ يعني حُبَّ وإحياءَ وتطبيقَ القيَّمِ والمُثُلِ الإسلاميَّةِ والإنسانيَّةِ التي جسَّدها عليٌّ في حياته، واستشهد مِنْ أجلها، وفي طليعتها: حُبُّ الفِكِر والعدلِ والسلامِ والتعايشِ السلميِ والحريةِ والعَطاءِ والبِناءِ والإيثارِ والتضحيةِ ونُصرة المظلومِ والوطن…

محمد جابر