زِيارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ وَالأَوْلِياءِ وَالصَحابَةِ وأُمُّهاتِ المُؤمنينَ فِيها الشَّفاعَةُ.

الأُسْتاذُ الصَرْخِيُّ: زِيارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ وَالأَوْلِياءِ وَالصَحابَةِ وأُمُّهاتِ المُؤمنينَ فِيها الشَّفاعَةُ.

الشَّفاعَةُ حَقيقَةٌ صَرَّحَ بِها القُرآنُ الكَريمُ، وَتَواتَرَتْ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المُطَهَّرَةِ، وَأَكَّدَها عُلَماءُ الإِسْلامِ، فَمَنْ يُنْكِرُها فَقَدْ أَنْكَرَ ما ثَبَتَ قُرْآنًا وَسُنَّةً وَسِيرَةً، وَتَعْريِفُها الإِصْطِلاحيِّ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الدَّلالَةِ اللغَويَّةِ كَثيرًا، فالشَّفاعَةُ هِيَ:«السُّؤالُ فَي التَّجاوزِ عَنْ الذُنوبِ»، أَوْ هِيَ:«عِبارَةٌ عَنْ طَلَبٍ مِنْ المَشْفوعِ إِليَّهِ لأَمْرٍ للمَشْفوعِ لَهُ،

فَشَفاعَةُ النَّبِيِّ- صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلهِ وَسَلَّمَ-، أَوْ غَيْرِهِ، عِبارَةٌ عَنْ دُعائِهِ اللهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى لِأَجْلِ الغَيْرِ وَطَلَبِهِ مَنْهُ غُفْرانَ الذَّنْبِ وَقَضاءَ الحَوائِجِ، فَالشَّفاعَةُ نَوْعٌ مِنْ الدُّعاءِ وَالرَّجاءِ».

وَرَدَتْ مادَّةُ الشَّفاعَةِ فِي القُرآنِ الكَريمِ بِعِدَّةِ مَعانٍ نَفْيًا وَإِثْباتًا، وَكُلُّها تُؤَكِّدُ المَعْنى الإِصْطِلاحيَّ، وَهُوَ: رَفْعُ العِقابِ عَنْ المُذْنبينَ، وَهُنا لابُدَّ مِنْ إِشارَةٍ سَريعَةٍ، وَهِيَ أَنَّ النَفْيَ الوارِدَ فِي القُرآنِ الكَريمِ لَيْسَ نَفْيًا مُطْلَقًا لِلشَفاعَةِ، وَإنَّما هَوَ نَفْيٌ مَقَيِّدٌ لِلْشفاعَةِ بِقَيْدٍ مَوْضُوعِيًّ، فإذا إرْتَفَعَ القَيْدُ، إرْتَفَعَ النَّفْيُ،

وَأَمَّا الآياتُ الصَّرِيحَةُ التي تُثْبِتُ حَقِيقَةَ الشَّفاعَةِ نَذْكُرُ مِنْها: قَوْلَهُ تَعالى: (لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا)، (87) مريم.

وقَوْلَهُ:( يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109) طه.

وأَمَّا ما وَرَدَ فِي السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ، نَذْكُرُ مِنْهُ ما يأتي:

قالَ رَسُولُ اللهِ- صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلهِ وَسَلَّمَ-: «فَمَنْ سأَلَ لِيَ الوَسِيلَةَ، حَلَّتْ لَهُ الشَّفاعَةُ»، سُنَنُ النسائي 2.

وَعَنْ أَنَس بِنْ مالِك، قالَ: قالَ: صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلهِ وَسَلَّمَ:« أَنا أَوَّلُ شَفِيعٌ فَي الجَنَّةِ…»،صَحيحُ مُسْلِمٍ 1: 130.

وَرَوى الدّارقطنيّ، أَنَّهُ- صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلهِ وَسَلَّمَ-، قالَ:« مَنْ زارَ قَبْري وَجَبَتْ لَهُ شَفاعَتي»، وَرَواهُ أَيْضًا الحافظُ السَّبكيّ وَصَحَّحَهُ.

وَفِي هذا السِّياقِ يَقولُ الأُسْتاذُ المُعَلِّمُ الصَرْخِيُّ، في المُحاضَرَةِ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ مِنْ بَحْثِ (ما قَبْلَ المَهْدِ إلى ما بَعْدَ اللحْدِ)، فِي أَحَدِ تَعْلِيقاتِهِ حَوْلَ هذا المَوْضُوعِ:

«حاشِيَةُ ابْنِ حَجَرِ الهَيْثَميَ، قالَ الحافِظُ إبْنُ حَجَرِ الهَيْثَميَ، رَوَى البَزازُ والدارقطني، بإسنادِهِما، عَنْ ابنِ عُمَرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ- صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ زارَ قَبْريَ وَجَبَتْ لَهُ شَفاعَتِي، وَرَواهُ الدارقطني أَيْضًا وَالطَبراني وَابْنُ السبكي وَصَحَّحَهُ، (بِلَفْظِ مَنْ جاءَني زائِرًا، لا تَحْمِلُهُ حاجَةٌ إلّا زِيارَتي، كانَ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ أَكونَ لَهُ شَفيعًا يَوْمَ القِيامَةِ)»، وَهُنا يُعَلِّقُ المُحَقِّقُ الصَرْخِيُّ قائلًا: يَعْني: زِيارَةُ نَفْسِ المَكانِ، نَفْسِ القَبْرِ، نَفْسِ النَّبِيِّ- صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلهِ وَسَلَّمَ-، زِيارَةُ نَفْسِ القَبْرِ، فِيهِ خُصُوصِيَّةٌ، وَيَنالُ الزّائِرُ الشَّفاعَةَ، وَيُضافُ لِهذِهِ، زِيارَةَ الصَّحابَةِ، وَكَثْرَةَ العِبادَةِ، المَسْجِدَ، إِعْتِكافَ المَسْجِدِ، فَلا يَضُرُّ قَصْدُهُ فِي حُصولِ الشَّفاعَةِ».

وبِهذا يَتَّضِحُ جَلِيَّا مُخالَفَةُ التَّكْفيريِّينَ الدَّواعِشُ المارِقَةُ، وَمَرْجِعُهُم ابْنُ تَيْمِيَّةِ لِصَريحِ القُرآنِ الكَريمِ، وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَيَنْكَشِفُ زَيْفُهُم فِي بِدْعَةِ: (إِنْكارُ الشَفاعَةِ، وَتَكْفيرُ وَقَتْلُ مَنْ يَقُولُ بِها، وَتَحْريِمُ زِيارِةِ القُبورِ، وَتَكْفِيرُ وَقَتْلُ وَانْتِهاكُ حُرُماتِ مَنْ يَزورُ القُبورَ وَتَهْدِيِمُها، كَما حَصَلَ فِي حادِثَةِ قُبورِ البَقيعِ فِي المَدِينَةِ، وَمَقَبَرَةِ المعرى فِي مَكَّة وَغَيْرِها).

محد جابر