عَلَيْنا أَنْ نَلْتَزِمَ بَنَهْجِ أَهْلِ البَيْتِ.

: عَلَيْنا أَنْ نَلْتَزِمَ بَنَهْجِ أَهْلِ البَيْتِ.
تُعَدُّ نِعْمَةُ الوَلايَةِ مِنْ أعْظَمِ النِّعَمِ الإلهيَّةِ الّتي مَنَّ اللهُ تَبارَكَ وَتَعالى بِها عَلى الإنْسانِ، وَجَعَلَها مِنْ تَمامِ الدِّينِ،: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾، وَهِيَ النِّعْمَةُ المَسؤولونَ عَنْها يَوْمِ القيامَةِ،
فَقَدْ رُوِيَ: أنَّ أبا حَنيفَةِ النُّعمانِ، سَألَ الإمامَ الصادِقَ -عَلَيهِ السَّلامِ- عَنْ تَفْسيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ )؟! قالَ الإمامُ:«ما النَّعيمُ عِنْدَكَ يا نُعمانُ»، قالَ: القُوتُ مِنَ الطَّعامِ، والماءُ البارِدُ، فَقالَ -عَلَيْهِ السَّلامِ-:«لَئِنْ أوْقَفَكَ اللّهُ يَوْم القيامَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتى يَسألُكَ عَنْ كُلِّ أكْلَةٍ أكَلْتَها، وَشِرْبَةٍ شَرِبْتَها، لَيَطولَنَّ وقوفُكَ بَيْنَ يَدَيْهِ». قالَ: فَما النَّعيمُ -جُعِلْتُ فِداكَ-؟ قالَ الإمامُ: «نَحْنُ أَهْلُ البَيْتِ، النَّعيمُ الَّذيْ أَنْعَمَ اللّهُ بِنا عَلى العِبادِ، وَبِنا إئْتَلَفوا، بَعْدَ أَنْ كانوا مُخْتَلِفينَ، وبِنا أَلَّفَ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمُ، وَجَعَلَهُمْ إخْوانًا، بَعْدَ أَنْ كانوا أَعداءً، وبِنا هَداهُمْ اللّهُ لِلإسلامِ، وَهيَ النِّعْمَةُ التي لا تَنْقَطِعُ، واللّهُ سائِلُهُم عَنْ حقِّ النَّعيمِ الَّذي أَنْعَمَ اللّهُ بِهِ عَلَيِهِم وَهوَ النَّبيَّ وَعِتْرَتُهُ».
وَذَكَرَ الإمامُ الرِّضا -عَلَيْهِ السَّلامِ- إِنَّ أَباهُ الإمامَ الكاظِمَ -عَلَيْهِ السَّلامِ- ذُكِرَتْ عِنْدَهُ أَقوالُ القوَمِ في قَوْلِه تَعالى: ( ثُمَّ لَتُسأَلُنَّ يَومَئذٍ عَنِ النَّعيم)، مِنْ أّنَّ النَّعيمَ عِنْدَهُم: الماءُ البارِدُ، والطَّعامُ الطَيِّبُ، وَطِيبُ النَّوْمِ، فَغَضبَ عَلَيْهِ السَّلامِ، وَقالَ:« إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لا يَسْألُ عِبادَهُ عَمّا تَفَضَّلَ عَلَيْهِمُ بِهِ، وَلا يَمُنَّ بِذلِكَ عَلَيْهِمُ، والإمْتِنانُ بالإنْعامِ مُسْتَقْبَحٌ مِنَ المَخلوقينَ، فَكَيْفَ يُضافُ إِلى الخالقِ عَزَّ وَجَلَّ ما لا يرضى المَخلوقونَ بِهِ؟!، ولكنَّ النَّعيمَ حبُّنا أَهْل البَيْتِ ومُوالاتُنا، يسألُ اللهُ عنه بَعْدَ التَوحيدِ والنّبوّةِ؛ لأنّ العَبْدَ إذا وَفى بِذلِكَ أَدّاهُ إلى نَعيمِ الجَنَّة الذي كانَ لا يَزولً ».
رَوَى العالِمُ الحَنَفيُّ الشَّيْخُ سُليمانَ القندوزيّ في كِتابِهِ:( ينابيع المودّة لذوي القربى 333:1 / ح 7 ـ الباب 37 )، بِسَنَدِهِ عَنْ الإمامِ جَعْفَر الصادقِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في ظِلِّ الآيةِ المُبارَكَةِ أنَّهُ قالَ: « النَّعيمُ وَلايةُ أَميرِ المؤمنينَ عَليٍّ بِنْ أبي طالب»، كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ، وفي هذا المَضمونِ وَرَدَتْ عِدَّةُ آثارٍ عَنْ أئِمَّةِ المُسلمينَ يَطولُ المَقالُ بِذِكْرِها فَراجِعْ.
بِالشِّكْرِ تَدومُ النِّعَمُ وتَزيدُ: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}[إبراهيم: 7]، وَقالَ الإمامُ عَليٌّ عَلَيهِ السَّلامِ:« النِّعمُ تَدومُ بالشُّكْرِ»، ولِلْشُكْرِ مُسْتَوياتٌ عَديدَةٌ، مِنْ أهَمِها الشُّكْرِ الفِعْلي أَوْ العَمَليّ، قالَ الإمامُ عَليٌّ عَلَيْهِ السَّلامِ:« شُكْرُ المُؤْمِنِ يَظْهَرُ فِي عَمَلِهِ، وَشُكْرُ المُنافِقِ لا يَتَجاوَزُ لِسانَهُ»، فُشُكْرُ نعْمَةِ الوَلايَّةِ، هُوَ الإلتزامُ الواعيُّ الرِساليُّ الصّْادِقُ العَمَلِيُّ بِنَهْجِهِمُ، والذي حَدَّدَ مَعالِمَهُ أَهْلُ البَيْتِ عَلَيْهِمُ السَّلامِ، فِي الكَثيرِ مِمّا وَرَدَ عَنْهم بِهذا الخُصوصِ، وَمنْها عَنْ جابِرَ الأنْصاريِّ، عَنْ الإمامِ الباقِرِ عَلَيْهِ السَّلامِ: في حديث طويل إقْتَبَسْتُ منه، قوله:« …مَنْ كَانَ لِلَّهِ مُطِيعًا، فَهُوَ لَنَا وَلِيٌّ، وَمَنْ كَانَ لِلَّهِ عَاصِيًا، فَهُوَ لَنَا عَدُوٌّ، وَمَا تُنَالُ وَلَايَتُنَا إِلَّا بِالْعَمَلِ وَالْوَرَعِ»، فَوَلايَةُ أَهْلِ البَيْتِ لا تَتَحَقَّقُ ولا تُنالُ إلا بِطاعَةِ اللهِ، وَتَجَنِبِ مَعْصيتِهِ، وَبِالطاعَةِ وَاجْتنابِ العِصيانِ، يَتَحَقَّقُ الشُّكْرُ، قالَ الإمامُ الصادِقُ عَلَيْهِ السَّلامِ:« شُكرُ النِّعَمِ، إجْتِنابُ المَحارِمِ»،وإذا تَحَقَّقُ هذا الشُّكْرُ تَدومُ نِعْمَةُ الوَلايَةِ،
وَمِنْ مَظاهِرَ طاعَةِ اللهِ التَمَسُّكُ بالقَيَمِ الأخْلاقيةِ والمُثُلِ الإنْسانِيَّةِ، وَيأتي فِي طَليعَتِها، التَّمَسُّكُ بالمَنْهَجِ الوَسَطيِّ المُعْتَدِلِ، وبالفِكْرِ والعَدْلِ والسِّلْمِ والسَّلامِ والتَّعايشِ السِّلْميِّ وَغَيْرَها، وَنَبْذُ كُلَّ مَظاهِرِ التَّطَرُفِ والجَّهلِ والظُّلْمِ والفَسادِ والإقْصاءِ والتَهْميشِ وَغَيْرِها،
فَعَلَيْنا أَنْ نَكونَ زَيْنًا لأَهْلِ البَيْتِ، لا شَيْنًا عَلَيْهِم، كَما يَقولُ الإمامُ الصّادِقُ عَلَيْهِ السَّلامِ، مِنْ خِلالِ الإلتزامِ بِتعاليمِهِم التي هيَ تَعاليمُ الرِّسالةِ السَّمحاءِ والقيَمِ الإنْسانيَّةِ العُلْيا، وَهذا ما أَكَدَ عَلَيْهِ وَجَسَّدَهُ الأُسْتاذُ المُعَلِمُ الصَّرْخِيُّ، في مَواضِعَ كَثيرَةِ مِنْها، قَوْلُهُ: « وَلايَةُ أَهْلِ البَيْتِ سَلامُ اللهِ عَلَيْهِم، هِيَ تَوْفيقٌ مِنَ اللهِ سُبحانَهُ وَتَعالى، فَمَنْ رَزَقَهُ اللهُ أَنْ يَكونَ فِي عائِلَةٍ، فِي مُجْتَمَعٍ، في مَكانٍ، في أَرْضٍ، في ولايةٍ، تَعْتَقِدُ وتَلْتَزِمُ بِوَلايَةِ أَهْلِ البَيْتِ سَلامُ اللهِ عَلَيْهِم..، فَهذِهِ نعْمَةٌ مِنَ اللهِ، هذا فَضْلٌ مِنَ اللهِ، فَعَلَيْنا أَنْ نَشْكُرَ النِّعْمَةَ، عَلَيْنا أَنْ نَلْتَزِمَ بَنَهْجِ أَهْلِ البَيْتِ، عَلَيْنا أَنْ نَلْتَزِمَ بِالوَلايَةِ الصّادِقَةِ التي أَنْعَمَ اللهُ بها عَليْنا، أَنْ نَكونَ زَيْنًا لَهُم لا شَينًا عَلَيْهِم».
محمد جابر