الإزدواجية في المجتمعات الإسلامية ونبذ المصلحين

لا شك إن المجتمع المتذبذب أو الغير ثابت غالبًا ما يقل فيه الزعماء والقادة المصلحين الحقيقيين، فكل زعيم وقائد مصلح يظهر في هذا المجتمع يقابله الناس بالجدل والرفض والإفتراء والإنتقاد، وإن توالي الوعظ عليهم جعلهم أولو نظر وتفكير أفلاطوني مفرط لكونهم يجدون عيبًا ونقصًا في كل رجل يظهر بينهم مهما كان صادقًا معهم ونبيلًا أو منقذًا ومخلصًا، فغالبًا الزعماء الإصلاحيون لايعتمدون على مواهبهم وأفكارهم فقط بل يعتمدون على تقدير الناس لهم وتشجيعهم إياهم، لذلك ترى إن القائد المصلح في المجتمع المزدوج لايجد هذا الشيء إلا بمقدار ضئيل جدًا، لذلك يضطر القائد في هذا المجتمع المنافق أن يموت في سبيل مبادئه وأفكاره وإخلاصه ووطنه وأمته لكي يعرف الناس قدره فمادام حيًا يبقى يلاحقه الناس باحثين عن نقص أو عيب أو خطأ حتى ينتقد عليه ومع كل هذا الحقد والبغض والإفتراء عليه إلا إنهم يقارنون صفاته بصفات الأنبياء والمعصومين -عليهم السلام- فيجدونها ناقصة، ولايعلمون إن الأنبياء والأئمة الأطهار -عليهم السلام- لم يعترف بعصمتهم وقدسيتهم إلا بعد أن ماتوا وأزيل عنهم غبار الأيام والليالي بل يوجد الى الآن مَن لايعترف بعصمتهم ومنزلتهم وقداستهم ونزاهتهم وعدالتهم رغم وجود مايثبت ذلك من الأدلة في كتبهم ومصادرهم.
فالزعيم يحتاج الى تقدير إجتماعي عام لكي يستطيع النهوض برسالته لكونه لايمكن أن ينهض بشخصيته لوحدها والناس حين يقدّرون القائد المصلح يخلقونه خلقًا جديدًا، ولهذا نجد الزعماء الصلحاء يظهرون دائمًا في البلاد التي تكون نزعة التقدير فيها قوية، ومن يقارن العراق بسائر البلاد الشرقية يجده قاحلًا من الزعماء والقادة المصلحين، فالزعيم المصلح والمخلص لاينال التقدير فيه إلا بعد موته فهو عند ذلك يدخل في غابر التأريخ، أما في حياته فالناس يطعنونه من كل جانب ويكثرون من ذمه واتهامه والإفتراء عليه والبحث عن عيوبه.
وليس بعيد عن الواقع الذي نعيشه فهناك جزء من المجتمعات الى يومنا الحاضر تترسخ بعض المفاهيم الخاطئة في أذهانهم وأفكارهم فمثلًا ومن جملة المشاكل هو أن مجتمعنا الراهن مزدوج كيف؟ فتراه يؤيد تلك الفكرة أي فكرة الزعماء المصلحين ويريد زعيمًا أو قائدًا أو مخلصًا له مما هو فيه ولكنه لايملك في نفسيته نزعة التقدير اللازمة لظهور الزعماء الإصلاحيين والرساليين وهنا يأتي دور وعاظ السلطة ليزيدوا في الطين بلة، وهذا ماجرى مع الأئمة الأطهار -عليهم السلام- لما واجهوه من غدر المجتمعات التي كانوا يعاصرونها آنذاك، وقد اختلف دين الله الواحد في الإسلام بأن الحكام سابقًا قد عشقوا السلطة وقد قتلوا أولياء الله المصلحين لأجلها وقد تفرق الإسلام الى فرق ومذاهب وجماعات بسبب حب السلطة وملذاتها لإن السلطويين لم يبالوا ولم يحترموا أبدًا آل محمد -عليهم السلام-_وبالخصوص الإمام الحسين_-عليه السلام- حتى قتلوه شر قتلةً، وخوفي على الإسلام اليوم بأن ينقسم الى فرق أو مذاهب وجماعات تقتل بعضها بعض كما حصل للأسلام سابقًا بسبب السلطويين ووعاظهم الذين يريدون أن يحكموا البلاد تحت أهوائهم وآرائهم وفتاواهم الشيطانية وقد نراهم الآن هم أبعد ما يكون عن المصلحين والرساليين وأفكارهم بل لعلهم سيسعون في قتل هؤلاء المصلحين إن مست كراسيهم ومناصبهم الدنيوية الفانية تلك الأفكار الموسومة وهذا الإسلام المعتدل والسير بالوسطية الذي تهدد مشاريعهم الطائفية الخبيثة لذلك لابد أن نسعى جاهدين بأن نجعل العقل هو الحاكم وهو المسيطر على عواطفنا ورغباتنا وشهواتنا ونجعل للإسلام المعتدل والفكر والمنهج الوسطي هو الطريق المضيء لهذه المجتمعات، فسلوك الفكر التربوي والأخلاقي والنهج العلمي هو السلوك المتمثل بالإعتدال والوسطية الذي سار عليه الأستاذ المحقق الصرخي الحسني -دام ظله- لكونها إمتداد لسيرة الأنبياء والأئمة الأطهار -عليهم السلام- وذلك من أجل إنقاذ هذه الأمة من آفة الجهل والتعصب والتطرف والإنحراف والإلحاد ومن أجل إيقاف نزيف الدم ونشر مبدأ التعايش السلمي والنهوض بمستقبل الأمة وعدم تركها ضحية بأيدي الجهال والمنافقين.

حبيب غضيب العتابي