الإزدواجية في حكومة بني العباس وحكومة الأحزاب المتسلطة

عندما نبحث ونغوص في جوف الكتب والمصادر التأريخية وتحديدا لما نسلط الأضواء على تأريخ الحكومات الإسلامية التي كانت في عهدي الحكم الأموي و العباسي حيث إننا نرى إن الإزدواجية سائدة ومهيمنة على تلك الحكومات من خلال أفكارها ومنهجيتها إلا إننا ومن خلال معاصرتنا للحكومات والأحزاب الأسلامية المتسلطة في عصرنا اليوم حيث نرى إن هناك تشابه كبير جدا بين تلك الحكومات السالفة وحكومة الأحزاب الأسلامية اليوم وذلك من خلال بروز الازدواجية عندهم وكذلك انتحالهم للإسلام وللدين ظاهرا ورياءا وكذبا ونفاقا ..

فلما جاء العباسيون الى الحكم وهم يدعون إنهم يريدون إحياء السنة التي أماتها بنو أمية وتقويم ما إعوج من سبل الدين ، وبعبارة إخرى إنهم كانوا يحاولون إزالة الثغرة التي كانت موجودة بين الدين والدولة أو السياسة في عهد أسلافهم الأمويين وهذا أمر يكاد أن يكون مستحيلا، إن جمع الدين والدولة من طبيعة متفاوتة ،ولايمكن أن يتلاءما تلاؤما حقيقيا ،فالدولة تقوم عادة على أساس القهر والتسلط والإستغلال وخصوصا في العهدين الأموي والعباسي ،هذا بينما يقوم الدين على أساس الرحمة والعدل والمساواة وقد يحدث في بعض الظروف النادرة أن يتلاءم الدين والدولة ولكن هذا التلاؤم مؤقت لا يمكن أن يطول ،لكون إن الدين والدولة في جهاز واحد أشبه بجمع الماء والنار معا ..

فحاول العباسيون أن يلائموا بين الدين والدولة فلم يوفقوا في هذا السبيل إلا ظاهرا ،إلا إنهم قربوا الفقهاء وأهل الحديث الوعاظ للسلاطين وأجزلوا لهم العطاء وتظاهروا لهم بالخشوع واستمعوا الى مواعظهم ولم يستطيعوا أن يفعلوا أكثر من تلك الازدواجية حتى اصبح عدد الوعاظين يزدادوا في فترة الحكومة العباسية فمشكلة الدين اصبحت هينة للغاية ،فالإنسان يجوز له أن يفعل مايشاء وينهب ويفسد ويعصي ولكي يرضى الله عنه يجب أن يعطي جزءا من ما نهبه وأفسد فيه الى العباد والزهاد والوعاظ لينوبوا عنه أمام الله يستغفرون له ..

حيث سارت تلك الأحزاب وهؤلاء المتسلطون على هذه الإزدواجية وهم لايزالون يسيرون عليها من خلال الإسلام السياسي الذي جاؤا به حيث إن أقرب مصداق للحكومة العباسية اليوم هي حكومة الأحزاب الاسلامية فهؤلاء بالواقع هم الأكثر إزدواجية فتراهم تلبسوا بلباس التقوى والإيمان بل جعلهم الوعاظ والروزخونين هم حماة الدين والاسلام والمذهب والمقدسات كما كان وعاظ البلاط الأموي والعباسي فلو كان هؤلاء هم أهل دين قولا وفعلا لما اتفقوا مع السياسة التي ينتهجونها وكذلك لما تناغموا مع سياسة المكر والخديعة التي تسلكها حكومات الدول الكبرى والمهيمنة على الشعوب المستضعفة فعندما نقول إن الدين لا يتلاءم دائما مع الدولة أو السياسة لايعني إننا نعزل الدين عن السياسة لكون السياسة هي جزء من الدين ولكن لكون إن سياسة تلك الاحزاب المتسلطة والحكومات السالفة مبنية أساسها على السرقة والفساد والقتل والسطوة والقهر والاستغلال لذلك لا يمكن أن تتلائم مع الدين والإسلام الحقيقي بل يتلاءم مع تدينهم وإسلامهم الكاذب الغير مبني على العدل والمساواة والرحمة لذا نقول ما أشبه اليوم بالأمس .

حبيب غضيب العتابي