الامام الباقر.. يحثُّكم على طلب العلم والتحلِّي بالأخلاق

الامام الباقر.. يحثُّكم على طلب العلم والتحلِّي بالأخلاق
فلاح الخالدي
إن المتتبع لسيرة اهل البيت _عليهم السلام_ يجد حياتهم عبارة عن مسيرة تربوية توعوية خالدة لكل الأجيال، ومنها تنتهل الأخلاق والعلم والمعرفة والعبادة الحقة لله صغيرهم وكبيرهم منهجهم واحد لايتغير, حيث وضعوا الخوف من الله نصب أعينهم, والتقوى زادهم, وتعليم الخصوم الأخلاق والأدب قبل الأصحاب, وذلك من خلال تعاملهم مع الناس بكل احترام وإنسانية, والقضاء على البدع والفتن والمؤامرات بالعلم والمجادلة بالحسنى, وبذلك أركسوا أصحاب البدع والنفاق في وحل الذل والهوان.
واليوم تمر علينا ذكرى أليمة ألا وهي استشهاد خامس الأئمة المظلومين وهو الإمام محمد الباقر –عليه السلام- باقر علم الأولين والآخرين , ولو تعمّقنا في حياة هذا الإمام الهمام لوجدناها عبارة عن محطات توعوية أخلاقية علمية رصينة مشيدة بالعلم والمعرفة والإخلاص والحكمة .
ومن محطات حياته، يعلّمنا الأخلاق وكيف معاملة من يبغضنا لنجعله صاحب لنا ومناصر، وذلك من خلال التعامل الحسِن، ومن تعامله مع من يبغضه (كان قد قطن المدينة رجل من أهل الشام وهو يتردّد كثيراً على بيت الإمام -عليه السلام- ويقول له:
[ليس على وجه الأرض أبغض إليّ منك، ولا أشعر بعداوة مع أحد أشدّ من العداوة التي أشعر بها لك ولأهل بيتك وأعتقد ان الطاعة لله وللنبي ولأمير المؤمنين لا تتمّ إلاّ بالعداء لك، وإذا كنت تراني أتردد على بيتك فذلك لأنك خطيب وأديب وذو بيان رائع].
ومع هذا كله كان الإمام -عليه السلام- يعطف عليه ويحدّثه بلين ورفق. ومرّت الأيام وابتلي الشامي بالمرض بحيث واجه الموت ويئس من الحياة فأوصى أن يصلي عليه أبو جعفر الإمام الباقر -عليه السلام- بعد موته .
وفي منتصف إحدى الليالي لاحظ أهل الرجل إنه قد قضى نحبه، فغدا وصيه إلى المسجد صباحًا ورأى الإمام الباقر-عليه السلام- قد فرغ من صلاته وجلس للتعقيب، وكانت تلك عادته، فقال الوصي للإمام: إن ذلك الرجل الشامي قد أسرع للقاء ربه وأوصى ان تقيم الصلاة عليه أنت.
فقال الأمام -عليه السلام-: انه لم يمت… لا تتسرعوا وانتظروني حتى أجيء.
ثم نهض فجدّد وضوءه وصلى ركعتين ورفع يديه بالدعاء ثم سجد واستمر في سجوده حتى أشرقت الشمس، وعندئذ جاء إلى بيت الشامي وجلس عند رأسه وناداه فأجاب، ثم أجلسه الأمام -عليه السلام- وأسند ظهره إلى الحائط وطلب له شرابًا فسقاه إياه وقال لأهله: ناولوه طعامًا باردًا، ثم عاد إدراجه.
ولم يمض وقت طويل حتى استعاد الشامي صحته فجاء إلى الإمام -عليه السلام- قائلًا: أشهد أنّك حجة الله على الناس.
وهنا رسالة واضحة لكل مسلم او موالي يعرف او لايعرف أهل البيت هذا تعاملهم وهذه أخلاقهم .
أمّا العلم وطلبه، فإن الإمام الباقر كان يشجع كثيرًا أصحابه ومن حوله على طلب العلم؛ فقد ورد عنه قوله: ((العلم منار الجنة)) وقوله: ((تذاكر العلم دراسة، والدراسة صلاة حسنة)) فمذاكرة العلم وتباحثه يساعد على فتح آفاق جديدة في حقول العلم والمعرفة. كما أن العالم الذي ينتفع بعلمه يفيد المجتمع والأمة، ولذلك قال الإمام الباقر: ((عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد)) لأن العابد أجر عبادته له أما العالم العامل فإنه ينفع الناس كلهم.
وبعد هذا نوجه خطابنا الى شبابنا وأحبتنا عليكم أخذ العضة والعبرة من هذا المنار الشامخ في الأخلاق واحترام الناس والتعامل معهم بكل إنسانية لأن الناس أعداء ما جهلوا, وعليكم أحبتي مثلما تحضرون مجالس أهل البيت –عليهم السلام- وتتبركون بها أن تسيروا على خطاهم ومنهجهم في طلب العلم والمعرفة والطاعة الخالصة لله والتقرّب منه من خلال الإلتزام بالوجوبات العبادية من صلاة وصوم وغيرها, وما نراه اليوم من الشباب وهم يحضرون هذه المجالس وإحيائها, يجعلنا نفخر بكم ونباهي الأُمم بالتزامكم.