الانتقائية الانتخابية العراقية نقاط الاشتباك هذه,, هي هي ,,والمختلفون ,,هم هم ,,

أ.د.كرار حيدر الموسوي

 

يبدو أن السبب الرئيس لحالة الاضطراب والفوضى العامة التي يشهدها العراق والمنطقة بشكل عام -إذا استثنينا التدخلات الخارجية ومشاريعها المشبوهة- إنما هو غياب الوعي، واختلال أدوات التفكير.
في الحديث أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال محذراً أمته من غياب الوعي: «لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيم قَتل، ولا المقتول فيم قُتل»، ثم فصّل في حديث آخر: «حتى يقتل الرجل جاره، ويقتل أخاه، ويقتل عمّه، ويقتل ابن عمه. قالوا: سبحان الله! ومعنا عقولنا؟ قال: لا، إنه ينزع عقول أهل ذلك الزمان حتى يحسب أحدهم أنه على شيء وليس على شيء».
الحديث يُرجع بشكل صريح وواضح حالة الفوضى العامة إلى قلة الوعي. وإذا كان هذا في الدم، ففي ما دون الدم من باب أولى.
أتابع السجال المتجدد في كل موسم انتخابي، فأرى الناخب لا يدري لماذا ينتخب، وأرى المقاطع لا يدري لماذا يقاطع. يندفع الأول لأنه قيل له: «المشاركة في الانتخابات ضرورة شرعية»، وهو لا يدري معنى الضرورة، ولا كيفية تحقيقها أو الوصول إليها. والثاني يحجم لأنه سمع أن ما بُني على الباطل فهو باطل، وأن أسماء الفائزين محسومة، وأن نسبة كل مكوّن محسومة كذلك، وأنه بمشاركته سيعطي الشرعية للسرّاق والفاسدين. إنه يسمع هذه المقولات أو التحليلات فلا يبحث في مضمونها ولا في عواقبها، ثم يغطّ الاثنان معاً في نومة طويلة حتى الموسم الثاني، ليستيقظا من جديد على هذه المصطلحات وهذه المجادلات نفسها دون تغيير أو تطوير.
أما أولئك السرّاق والفاسدون، فلهم شأن آخر. وأغرب ما سمعته في هذا السياق عن أحدهم وأنا أسأله: لماذا تلوذون بالصمت ولا تردون على فتاوى المقاطعة؟ فضحك طويلاً، وقال: هؤلاء يخدموننا أكثر من غيرهم؛ لأنهم يفرغون الساحة لنا (مرشّحين وناخبين)، خاصة أن قانون الانتخابات لا يشترط حداً أدنى لنسبة المشاركة!
إن السجال إذاً بين دعاة المشاركة ودعاة المقاطعة لن يضر هؤلاء السرّاق والفاسدين قيد أنملة طالما بقي في هذا السياق «البيزنطي»، هكذا قال أحد أصحاب «الحلال» لمّا شكا له راعي غنمه متعجباً ومستغرباً من الأذان الذي سمعه أول مرة بعد تركيب مكبّرات الصوت في مسجد قريته، قال له: هل تراه يضر «الحلال»؟ قال: لا. قال: دعه إذاً يؤذّن كما يريد!
عقد ونصف تقريباً ونقاط الاشتباك هذه هي هي، والمختلفون هم هم، لا هذا يسمع لذاك، ولا ذاك يسمع لهذا، وكيل الاتهامات والاتهامات المضادة لا يتوقف، والبلد بكل إمكانياته وثرواته يسير نحو الهاوية، والمستفيدون هم لصوص الداخل والخارج، أولئك الذين أتقنوا اللعبة، وأتقنوا كذلك إشغال عقولنا ومنابرنا بما لا معنى له ولا طائل من ورائه، بل بما يخدمهم على الوجهين؛ فالناخب ينتخبهم مضطراً ليدفع بالسيئ الأسوأ، والمقاطع يخلي لهم الطريق دون منافس أو رقيب أو حسيب، ثم يشتمهم فيرى أنه قد أدى غاية ما عليه، وهم لفرط استخفافهم بهذا السلوك صاروا يشتمون أنفسهم بنفس تلك الشتائم، هكذا سمعت أحدهم يصرّح من على الشاشات: «نعم كلنا حرامية»!;

إن الذي يخشاه الفاسدون والانتهازيون وسياسيو الصدفة إنما هو الوعي، الوعي الذي يقود إلى قرار بالمشاركة، أو قرار بالمقاطعة؛ لأن المشارك الواعي يعرف لماذا يشارك وكيف يشارك، والمقاطع الواعي يعرف كذلك لماذا يقاطع وكيف يقاطع.
إن الوعي ينطلق أولاً من تحديد الهدف، ثم تحديد الوسائل والأدوات المتاحة والمناسبة، وهذا لا يكون إلا بدراسة معمّقة تعتمد الاستقراء والتحليل أو (السبر والتقسيم) كما يقول الأصوليون، وأن يجعل الدارس أو الباحث في ذهنه مبادئ الاحتمالية والنسبية والمرونة، فليس في السياسة (أسود وأبيض) ولا خير محض وشر محض، وإنما هي تقريب وتغليب، ومراعاة لحال الناس وواقعهم وإمكانياتهم ومستوى وعيهم والظروف الداخلية والخارجية المحيطة بهم.
انظر مثلاً إلى هارون -عليه السلام- كيف يرى المحافظة على وحدة المجتمع الذي يقوده، وإن كان بينهم من عبد العجل {قال إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل}؛ لأن معالجة الحالة النشاز لا تكون بتشتيت المجتمع وتضييعه، بل بالمحافظة عليه حتى تحين الفرصة المواتية لإصلاحه.
وهذا نبينا محمد -عليه الصلاة والسلام- كيف يوافق في الحديبية على أن تبقى الكعبة ومكة كلها تحت حكم الأصنام وسدنتها عشر سنين، ثم ينزل القرآن ليصف هذا الاتفاق بالفتح المبين {إنا فتحنا لك فتحا مبينا}.
إن الصورة الجزئية للحل المشروع قد لا تختلف كثيراً عن غيرها، وإنما العبرة بالخيط الناظم والمشروع المتكامل؛ إذ من الممكن أن يقول ضعيف الإيمان قولة شبيهة بقولة هارون، لكنه يقصد المداراة لقريبه أو شريكه وليست بمنظومة هارون الإصلاحية، كما أنه من الممكن أن يقول منافق ما قولة شبيهة ببند من بنود الحديبية، لكنه يقصد التهوين من شأن الكعبة وليس دخول الناس أفواجاً في دين الله ثم الاستعداد لفتحها كما حصل بالفعل بعد الحديبية.
وكذلك فإن المواقف التي تأتي نتيجة لردود الأفعال ستتحوّل بسهولة إلى أداة من أدوات المشروع المقابل، كما يقال في السياسة: كن مشروعاً وإلا فإنك ستكون بالضرورة جزءاً من مشاريع الآخرين، وهذا ينطبق في الحالة العراقية على الموقفين الضدّين: المشاركة والمقاطعة؛ لأنهما من المواقف المجزّأة والمقطّعة والتي لا تمثّل مشروعاً مهما كان.
قال لي أحدهم: لماذا لم تتفقوا أنتم -علماء السنّة- على موقف واحد؟ قلت له: أصارحك أن هذا السؤال بحد ذاته هو مؤشّر على نقص في الوعي وشيء من عدم الرغبة في تحمّل المسؤولية. قال: كيف؟ قلت: لو أنك طلّقت امرأتك، ثم رغبت في إرجاعها فهل ستشترط أن يتفق كل العلماء على فتوى الإرجاع؟ أم أنه يكفيك واحد منهم ولو خالفه الآخرون؟

الأحداث الجسيمة التي ألمت بالعراق بعد سقوط النظام عام 2003م،  كشفت عن وجود خلل بنيوي في ثقافة الفرد والمجتمع، خلل هو حصيلة تراكمات تاريخية عاشها الشعب العراقي في ظل حكومات تعاقبت على السلطة، كان منهجها الاقصاء الذي أفضى الى شعور عدواني تجاه الحكومات ومن ثم اضمحلال الولاء الوطني. فولاء الشعب الكردي لقوميته، وولاء الشيعي لطائفته ومرجعه الديني، وولاء السني للسلطة والحكم. وهذا لا يعني انعدام حب العراق والوطن، لكنه أثّر لا شعورياً على ولاء الفرد لوطنه فكان يتنافس على سرقة أموال الحكومة بعد سقوط النظام، ومهّدت الأحزاب السياسية المصنّفة طائفياً لتدخّل قوى إقليمية على حساب مصلحة البلد وسيادته.

قدرة الأحزاب السياسية على الإقناع هي قدرة خارقة من خلال الآلة الإعلامية والتسويقية للماكينة الانتخابية التي ستكون لدى التحالفات الانتخابية والأحزاب السياسية والمرشحين في القوائم الانتخابية، وبالتالي فإن القبول أو الرفض من قبل الناخب سيكون نتيجة حتمية للتغيير في نتائج الانتخابات وحصول هذا الكيان أو ذلك على القاسم الانتخابي من أجل التأهيل لنيل مقعد في البرلمان أو عدة مقاعد في البرلمان العراقي.

تطور الوعي الانتخابي للجمهور العراقي يتطلب من الأحزاب والائتلافات الانتخابية بناء برامج انتخابية مدروسة وقابلة للنقاش والحوار على الصعيد الوطني .

ولذلك نجد أن برامج الانتخابات من القضايا المهمة والجديرة بالعمل في أغلب الديمقراطيات العريقة كون الجمهور سيحكم على البرامج الانتخابية بالقبول أو الرفض أو التعديل أثناء العرض في النقاشات الاجتماعية المفتوحة، وبالتالي البرامج الانتخابية ماهي إلا التزامات إلى الأحزاب السياسية والكتل المتحالفة سواء فازت بالانتخابات وبالتالي على القوى السياسية العمل على تحقيق البرامج الانتخابية التي تم التعهد بها أمام الجمهور الانتخابي الذي صوت لها.

البرامج الانتخابية على أنواع، لكن العقيدة السياسية للحزب أو الأحزاب المتحالفة في كتل انتخابية ستضع خطط ديناميكية لبناء البرامج الانتخابية ذات الألوان المتعددة من حيث البعد الاستراتيجي والأمني والسياسي والاقتصادي الاجتماعية والتربوي والتعليمي.

البرامج الانتخابية ستكون طموح مجتمع الناخبين، والذي سيؤسس إلى اختلاف الرؤى والأولويات لدى القوى السياسية من حيث جوهر الخطاب السياسي ومحاوره الاستراتيجية، التي ستؤسس إلى بناء الكلمات المفتاحية الأساسية في مجال (السياسة العامة، الاقتصاد الوطني، الاستثمار الأجنبي، الطاقة، الخدمات، التعليم، الصحة والرعاية الصحية، الإصلاح، التقاعد والمتقاعدين، الأمن والاستقرار، المصالحة المجتمعية، الحوار السياسي، شبكات الأمان الاجتماعي، الشباب، المرأة والجندر، العمل التطوعي، النازحين، الأعمار … إلخ)، وبالتالي كل ما تقدم هو الأجندة والأولويات للبرامج الانتخابية للقوى السياسية التي ستستخدمها القوى السياسية والتحالفات السياسية في خطاباها السياسي وفقاً لمنطلقاتها العقائدية السياسية وجمهورها,وبالتالي مهمة الحزب والتحالف الانتخابي والمرشح ضمن القائمة الانتخابية تنتهي في لحظة الانتهاء من وثيقة البرنامج الانتخابي الذي سيكون أحد المعايير الأساسية لاختيار القوى السياسية أو الائتلاف الانتخابي أو المرشح الانتخابي ضمن التحالف الانتخابي من قبل الناخب العراقي.

وهذا ما يجعل كرة الاختيار وإصابات الجمهور الانتخابي قد تكون مرجحة لها الكيان والتحالف الانتخابي أو مانعة من وصول التحالف الانتخابي أو الحزب إلى طموح الفوز عبر عدم الوصول لعبور العتبة الانتخابية خلال يوم الاقتراع الانتخابي، وبالتالي الناخب العراقي عليه أن يميز البرنامج الانتخابي الفاعل أو الخامل والذي لايوازي طموحه السياسي في بناء الدولة وتحقيق مطالبه المجتمعية من جهة وبين ما هو مكتوب من برنامج انتخابي لايتوازى مع قدرات الحزب أو التحالف الانتخابي,إن قدرة الأحزاب السياسية على الإقناع هي قدرة خارقة من خلال الآلة الإعلامية والتسويقية للماكينة الانتخابية التي ستكون لدى التحالفات الانتخابية والأحزاب السياسية والمرشحين في القوائم الانتخابية، وبالتالي إن القبول أو الرفض من قبل الناخب سيكون نتيجة حتمية للتغيير في نتائج الانتخابات وحصول هذا الكيان أو ذلك على القاسم الانتخابي من أجل التأهيل لنيل مقعد في البرلمان أو عدة مقاعد في البرلمان العراقي.إذن البرامج الانتخابية الناجحة هي البرامج القادرة على الوصول إلى طموحات الجمهور والإيمان بها من أجل الوصول إلى قبة البرلمان والعمل لتحقيق مفردات البرنامج الانتخابي وأهدافه الاستراتيجية والحيوية والحرجة أو العكس للبرامج الفاشلة والتي ستكون تحدياً كبيراً للقوى السياسية العراقية في نيل الفشل وعدم الحصول على نتائج انتخابية جيدة

وأخيراً نجد أن أغلب البرامج ستتخذ من أبعاد الإصلاح السياسي والاقتصاد والخدمات مدخلاً في بناء البرامج الانتخابية الخاصة بالانتخابات النيابية في العراق لعام 2018 لكن هذا ليس كافياً بتوقعنا البسيط لمخاطبة الناخب العراقي، فالناخب يحتاج إلى برنامج واضح لتحسين الحياة الاقتصادية وإعادة هيكلة عمل قطاع الخدمات من الخدمة الناجحة والأمن والاستقرار الصلب، وبالتالي كل هذه العوامل هي عوامل استراتيجية لابد من العمل على الوصول إليها، لكن الجديد هو أن يهدف الحزب أو الائتلاف الانتخابي للعمل على بناء برامج انتخابية تخصيصية وتعطي للمواطن الناخب هامشاً كبيراً ومهماً ليميّز البرنامج الانتخابي لهذا الكيان تجاه الكيان الآخر المنافس له والذي يهدف إلى إقناع المواطن من أجل الحصول على ثقته الانتخابية ومن ثم التصويت له في الانتخابات البرلمانية العامة.

علماً بأن مسائل الطلاق وردت في القرآن الكريم والسنّة الصحيحة، بينما مسائل الانتخابات لم ترد لا في قرآن ولا في سنّة. إن المجتمع لو كان واعياً فإنه سيضبط بوصلته ويقدّر مصلحته -والسياسة كلها مصالح- والفقيه لا يختلف عن غيره في هذا سوى في الموجّهات والمبادئ الشرعية العامة، ومن ثمّ فإن للمجتمع أن يستفيد من كل الاختصاصات باجتهاد شوري جماعي.. اجتهاد ينظر إلى الجزئيات مع الكلّيات، وإلى الآنيّات مع المآلات، وإلى الطموحات مع الإمكانيات؛ وإلا فإنه سيبقى في دوّامة التيه الطويل، وسيذهب اللصوص بالجمل وما حمل.