الرؤية الخفية لما تريد وتبحث عنه اسرائيل لضمان وديمومة امنها

الدبلوماسية العلنية” هي المشهد المفتوح على مبادئ نظرية الأمن الصهيوني، في اختبار الوسائل والإمكانات اللازمة لبلوغ الأهداف والغايات السياسية والعسكرية الرامية إلى بناء دولة “إسرائيل الكبرى”.. فزمن “الدبلوماسية السرية” انتهى.. في عصر التحولات الراهنة، إلا فيما ندر.

مات موشي دايان.. وترك تاريخه المعلق في الذاكرة السياسية، عسكري متعصب ألقى بالإرث العربي/الإسلامي وحاضره في قاع هزيمة لن تنسى، خربت العقل، وأقلقت توازن النفس التي أصبحت “النكسة” عنوانا لها.

دفن موشي دايان.. في موكب “مهيب”، وبقيت آثار أقدامه في “بيت المقدس” عنوان انتصار لـ”إسرائيل” وأوسمته العسكرية تزين المتحف الحربي .. أما رفوف المكتبات فقد شغلت بأوراق مذكراته التي كشفت عن التحول غير المعلن للعقل السياسي العربي المهزوم، الخاضع رغما عنه لإرادة حلفاء “المنتصر”.

عاش “موشي دايان” قائدا عسكريا، أتقن لغتي الحرب والدبلوماسية، بأبجدية العدوان المباح في “بروتوكولات بني صهيون”.

دايان.. عسكري، دبلوماسي.. هي انتقالات في تأريخه الشخصي، فريد من نوعه، في التصدي لتعزيز مبادئ سياسية جديدة يقبلها العالم مرغما.. قانونا لا بقاء لمن يتمرد عليه.. !!

“دبلوماسي” هو “موشي دايان” خاتمة لتأريخه العسكري، لكنه الدبلوماسي الذي لم يتخل عن سلاحه المخفي في جعبته.. فلسفة المفاوض الأقوى.. هو الأول الذي يكشف عن الدبلوماسية السرية للكيان الإسرائيلي في “مذكرات موشي دايان”، وكأنه يأذن بفتح الستار على مشهد سياسي جديد، لم يحن زمن الانفتاح عليه فيما مضى..

وهكذا يبدأ عصر التحول السياسي العربي الذي مهدت له الهزيمة النكراء، يرسم “موشي دايان” الدبلوماسي “الطارئ” ملامحها ويحدد مساراتها، وهو يقود دبلوماسية الانفتاح على الخصم المعلن عن نفسه في إطار ـ الدبلوماسية السرية ـ التي لم يتجرأ ساسة العالمين العربي والإسلامي الكشف عنها، فمسؤولية الكشف تقع على عاتق من بدأها، عبر إشارات مشفرة.

“الدبلوماسية السرية” هي الأفضل في سياسة الكيان الإسرائيلي، الأفضل في صياغة الأهداف والانتقال بها إلى مراحل التطبيق وفق الجداول الزمنية المحددة مسبقا.

وتتحدد دوافع “الدبلوماسية السرية” للكيان الإسرائيلي في:

  • إبعاد الرأي العام العربي وتجهيله.
  • إبعاد الرأي العام العالمي عما يجري.
  • رغبة “إسرائيل” في عدم الافصاح عن مواقفها وعلاقاتها.
  • غموض المطالب الإسرائيلية وانعدام شرعيتها.
  • اعتماد “إسرائيل” منطق القوة في تلبية مطالبها.

ويحفل التاريخ السري لمحاولات “اسرائيل” فتح أبواب الاتصال مع خصمها العربي.. كما يكشفه “الإسرائيليون” أنفسهم في مذكرات موشي شاريت ـ وزير الخارجية سابقا ـ وموشي دايان وزير الدفاع المقبور.

وتعني الدبلوماسية السرية في أول ما تعنيه.. أن الرأي العام غير مؤهل لقبول المنطق ” الإسرائيلي” أو منطق من يتعامل معه بأي مضمون كان.

وتلك هي العودة ـ مثلا ـ للمفاوضات التي سبقت اتفاقيتي كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل.. حيث جرت في أجواء بالغة من السرية ولم يعلن شيء عن مواقف الطرفين المتفاوضين إلا بما استطاعت أن تكشفه بعض الأنباء الصحفية المقتضبة..

وتواصلت سرية مفاوضات كامب ديفيد إلى أن أعلن عنها تماما بعد إبرام الاتفاق النهائي الذي غير خارطة الصراع العربي ـ الإسرائيلي.. وأضحت اتفاقيات كامب ديفيد أمرا واقعا فرض على الجميع.

اللجوء إلى “الدبلوماسية السرية” إدراك إسرائيلي واع لواقع الرأي العام العربي/الإسلامي الذي مازال يحتفظ بقوة كبرى “معنوية” وإيمان مطلق بـقضيته، تجعله يرفض الإذعان لمحاولات “إسرائيل” في الخروج من أية مفاوضات (إسرائيلية ـ عربية) بالنتيجة التي تنتظرها الحركة الصهيونية كطرف “منتصر، أقوى، له الحق في فرض شروطه”..!

وحتى على مستوى الرأي العام العالمي.. لا تريد إسرائيل أن تكشف عن علاقاتها السرية، أو أوراقها التفاوضية الحقيقية أمام عالم ينزع لمنطق السلام.

ومن لا يتذكر هنا حكومة اسحق شامير التي مثلت في بداية التسعينات عتاة اليمين وغلاة المتطرفين في “إسرائيل” وهي تعلن أن:

“اسحق شامير لن يكون الرجل الذي يتخلى عن أرض إسرائيل” وهي تقصد طبعا الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.. أعلنت هذا بينما مداولات المفاوضات العلنية جارية في أوسلو برعاية دولية..

وإذ يشهد المسرح السياسي فصل المفاوضات العلنية تتحرك آلية “الإعلام الإسرائيلي” بقوة مؤثرة لتعزز فكرة:

“أن القضية هي قضية السلام وليست قضية الأرض” وينجح الكيان الإسرائيلي عالميا في تحميل “الخصم” العربي مسؤولية التعثر في بلوغ منطق السلام.. وإطلاق فكرة: “أن العربي لا يريد السلام!”.

هذا الموقف الإسرائيلي بتحميل الجانب العربي مسؤولية “أزمة السلام” قد لا يصمد أمام أية مناقشة جدية في مفاوضات علنية.. إذ تدرك القوى العالمية منطق: “الأرض مقابل السلام”.

وحتى الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.. لا تستطيع أن تؤيد “إسرائيل” علنيا على الأقل.. في موقفها من استمرار احتلال الأرض وحيث التفسير المنطقي لقراري مجلس الأمن 242 و338.

وتجد “إسرائيل” نفسها وهي تخسر الكثير تحت أضواء الدبلوماسية العلنية.. فهي لن تتخل عن تعنتها ومواقفها المنافية للمنطق السياسي.

فمن لا يعرف أن إحدى القوى الرئيسية للحركة الصهيونية يتمثل في تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية.. ومدد يهود العالم الذي لا ينقطع.. وكانت هذه القوة الهدف الصميمي في بناء “دولة يهودية في فلسطين”.

  • كيف لا تخشى “إسرائيل” من فضح نفسها في عصر الدبلوماسية العلنية؟

الدبلوماسية العلنية تكشف عن مواقف كل طرف وتظهره على حقيقته.. فهناك ديناميكية خاصة يرافقها سياق أو تيار عام لدى الرأي العام يراقب بدقة هذا الطرف أو ذاك… قد يكشف عن الخلل الأخلاقي في لغة المفاوض الإسرائيلي الذي يقود دبلوماسية تخلت عن مضامينها الجوهرية.

  • لن يخفي التاريخ شيئا.. سيما التاريخ القريب أو يبذل أحدنا الجهد اللازم في إيجاد إجابة عن سؤال ما…!
  • أوراق التاريخ تكشف أن إسرائيل كانت الحاضرة أصلا في العواصم العالمية الكبرى، قبل أن نشهد حضورها في فلسطين..!

فإسرائيل.. أنشأت وجودها أولا في لندن ثم واشنطن ثم باريس ثم موسكو.. قبل أن يمتد صرح وجودها في فلسطين، ويتواصل في أرض عربية أخرى.. عواصم العالم هذه لن تتخلى عن “إسرائيل” يوما ما فعلاقاتها مع “الكيان الإسرائيلي” علاقة مركبة، معقدة، تلتقي فيها المصالح الدولية والإستراتيجية.

ورغم ذلك فإن “الدبلوماسية العلنية” لن تخفي حقيقة “القوة العسكرية” التي تلازمها في كل لحظاتها وتفاصيلها.

“الدبلوماسية العلنية” اليوم هي مشهد مفتوح يعلن عن مبادئ العقيدة العسكرية الإسرائيلية التي ترتبط بوجود “الدولة” وأنشطتها المختلفة.. دون أن ينفصل عن مفهوم نظرية الأمن الصهيوني.. التي تختص بالتنظيم والتطبيق وتحديد الوسائل والامكانيات اللازمة لشن عدوان عسكري أو عدوان “دبلوماسي” يحقق الغايات السياسية أو العسكرية معا..