إقصاءُ الرَّأسْماليَّة للأخْلاق

 إقصاءُ الرَّأسْماليَّة للأخْلاق
_____________________
“الراسمالية” مِنْ بينِ الأفكار الَّتي أنتجها العقل الإنساني، فظلتْ هذه الفكرة الأخطر والأكثر تأثيرًا في أغلب أرجاء المعمورة، بل إنَّها نجحتْ في إزاحةِ الكثير مِنَ الأفكار الأخرى، أو في تحييدها وتهميشها حتى تربعتْ وحدها على عرش الأفكار الَّتي تنظم الحياة والمجتمع، لذلك تجدها أكثر مِنْ مجرد نظام للاقتصاد، إنَّها وجهة نظر في الحياة وغايتها!
أشياء كثيرة تفرق البشر، مِنْ بينها العِرق، اللون، اللُّغة، الدِّيانة، الطَّائفة… لكن يجمعهم شيء واحد وهو السُّوق والتِّجارة.
السوق ليستْ اختراع جديد، هي تنظيم قديم قدم التجمعات الإنسانية ذاتها، الحاجة إلى تبادل السِّلع والخدمات خلقتْ الحَّاجة إلى الأسواق، وهي الأماكن الَّتي كان يجري فيها هذا التبادل. ولتسهيل عمليات التبادل، ظهرت النقود لتكون مخزنًا للقيمة، وبحيث يمكن استبدالها بأيِ عددٍ مِنَ السِّلع والخدمات.
المشكلة أنَّ السِّلع والخدمات محدودة، أو بمعنى آخر غير قابلة للزيادة، هكذا يظن البعض، فلم تكن هناك طرق لزيادة الانتاج بصورة كبيرة؛ ولذلك كان على المرء أنْ يوسع مشروعَهُ في سبيل الحُصول على الأموال، حتى ينعم بالثَّراء، فزينتْ الرَّأسماليةُ الثَّراءَ بشتى الطُّرق واعتبرتهُ عاملًا رئيسيًا في تحريك الأيدي العاملة، متذرعةً بأنهُ كما يعود على الرَّأسماليِّ بالنفع، فهو يعود على المجتمع بالنفع أيضًا، وأنَّ أرباحهُ تصب في النِّهاية في صالح عموم النَّاس، وعليهِ فإنَّ الجَّشع والطَّمع الرَّأسماليَّ ليستْ صفات مرذولة بل محركات للنمو، ضاربة بالأسس الأخلاقية عرض الحائط في سبيل النَّمو المادي.
هذهِ الأفكار كان لها حصةً في الرَّد في كتاب “فلسفتنا بإسلوب وبيان واضح” للأستاذ المحقق السَّيد الصَّرخي الحسني، والَّذي يعتبر متن كتاب “فلسفتنا” للسيد الشهيد الصدر الأول (قدس) مع توجيه وتعديل مِنْ قبل المحقق الأستاذ السَّيد الصَّرخي الحسني، فقد ذكر سماحته في المطلب الثَّالث: إقصاء الرَّأسماليَّة للأخْلاق: “إنَّ المادية الَّتي تربى وتزخر وتُزينَ النِّظام الرأسمالي بروحها، قد أدتْ إلى إقصاء الأخلاق مِنَ الحساب، فلم يلحظ لها وجود في ذلك النَّظام، أو بالأحرى تبدلتْ مفاهيمها ومقاييسها، وأعلنت المصلحة الشَّخصية كهدفٍ أعلى، والحريات جميعًا كوسيلة لتحقيق تلك المصلحة فنشأ عَنْ ذلك أكثر ما ضجَّ به العالم الحديث مِنْ محنٍ وكوارث، ومآسي ومصائب.

الرأسماليَّ يدافع: وقد يدافع أنصار الدِّيمقراطية الرأسمالية عَنْ وجهة نظرها في الفردِ ومصالحه الشَّخصية، قائلين: إن الهدف الشَّخصي بنفسهِ يحقق المصلحة الاجتماعية، وإنَّ النَّتائج الَّتي حققها الأخلاق بقيمها الروحية تحقق في المجتمع الدِّيمقراطي الرأسمالي، لكن لا عَنْ طريق الأخلاق، بل عَنْ طريق الدَّوافع الخَّاصة وخدمتها، فإنَ الإنسان حينَ يقوم بخدمة اجتماعية يحقق بذلك مصلحة شخصية أيضا؛ باعتباره جزءًا للمجتمع الَّذي سعى في سبيله، وحين ينقذ حياة شخص تعرضتْ
للخطر فقد أفاد نفسه أيضا؛ لأنَّ حياة الشَّخص سوف تقوم بخدمة للهيئة الاجتماعية، فيعود على المنقذِ نصيب منها، وإذنْ، فالدَّافع الشَّخصي والحسن النَّفعي يكفيان لتأمين المصالح الاجتماعية وضمانها، ما دامتْ ترجع بالتَّحليل إلى مصالح خاصة ومنافع فردية.

دفاع باطل: وهذا الدفاع أقرب إلى الخيال الواسع منه إلى الاستدلال فتصور بنفسك أنَّ المقياس العملي في الحياة لكل فرد في الأمة إذا كان هو تحقيق منافعه ومصالحه الخاصَّة، على أوسع نطاق وأبعد مدى، وكانتْ الدَّولة توفر للفرد حياته وتقدسه بغير تحفظ ولا تحديد، فما هو وضع العمل الاجتماعي مِنْ قاموس هؤلاء الأفراد؟! وكيف يمكن أنْ يكون اتصال المصلحة الاجتماعية بالفرد كافيًا لتوجيه الأفراد نحو الأعمال الَّتي تدعو إليها القيم الخُلُقية؟! مع أنَّ كثيرًا مِنْ تلك الأعمال لا تعود على الفرد بشيء مِنَ النَّفع، وإذا اتفق أنْ كان فيها شيء مِنَ النَّفع باعتبارهِ فردًا مِنَ المجتمع، فكثيرًا ما يزاحم هذا النَّفع الضَّئيل الَّذي لا يدركه الإنسان إلا في نظرة تحليلية بفوات منافع عاجلة أو مصالح فردية تجد في الحريات ضمانًا لتحقيقها، فيطيح الفرد في سبيلها بكل برنامج الخُلُق والضَّمير الروحي، هذا إذا كان مؤمنًا بمنظومة أخلاقية ويخضع لرقابة الضمير الحي، فكيف إذنْ إذا كان ماديًا خاليًا مِنْ أيِ مبدأ أخلاقي ولا يخضع لأي ضمير مراقب ضابط لتصرفاته وسلوكه؟!” انتهى كلامُ السَّيد الأستاذ.

لقراءة المزيد عنْ خطر نظام الرأسمالية في المجتمع يُرجى الإطلاع على كتاب “فلسفتنا بإسلوب وبيان واضح” الحلقة الأولى https://goo.gl/zdr678

وعليه فإن الرأسمالية تُحدد أنَّ القيمة الأهم في الحياة هي الربح والثراء، أما التراث الإنساني الأخلاقي والدِّيني والفلسفي لا قيمة لهُ في قاموسها! وهنا تكمن خطورة الفكرة الرأسمالية بوصفها منظومة كاملة للحياة وليس فقط لإدارة الاقتصاد.
سهير الخالدي