الشباب والإصلاح

    سقط نظام دكتاتوري بائس، فإستبشرت الجماهير بنظام جديد، يحقق تطلعاتها وآمالها ويفتح الأبواب المقفلة، بوجه أحلام الأجيال المحرومة، ويتعامل بواقعية مع التركيبة المعقدة في بلاد ما بين النهرين، التي وأن تعددت في طوائفها ومذاهبها، لكنها تلتقي في عوامل مشتركة كثيرة أهمها شبابية المجتمع العراقي، التي تصل الى 65% من تركيبته الإجتماعية.

    لم يدرك القائمون على إدارة الحكم في بلاد ما بين الرافدين، إن الممسكين بدفة الحكم والمتحكمين في قيادتها، هم رجال شابت قلوبهم قبل رؤوسهم، وتحجرت أفكارهم قبل عقولهم، وأجسادهم بحاجة الى عكازات يتكئون عليها لتوصلهم الى كراسيهم، وأن الغالبية الشابة لم تكن غاية بل كانت وسيلة، للسيطرة على مقدرات البلاد والجلوس على كرسي السلطة.

    نتيجة لجمود الأفكار والأطروحات السياسية، كان الفشل مرافقا الأداء الحكومي على جميع الأصعدة، فالطائفية دخلت حتى الى البيت الواحد ففرقته، وإستشرى الفساد الإداري والمالي في كافة أركان الدولة، إستغله الإرهاب ليعيث في الأرض قتلا وتهجيرا وخرابا، فكان المتصدون له غالبيتهم من الشباب، الذين هبوا للدفاع عن وطنهم والذود عنه، مقدمين الغالي والنفيس في سبيل تحريره.

    نشأ خلال الفترة الماضية جيل شبابي، يحمل مفاهيم جديدة، لم يعش عقد الماضي والتعامل على أساسها، مطلع على ما يجري حوله من ثقافات متنوعة، يعيش حالة التواصل فيما بينه، متفاعلا مع ما يجري في العالم، لكنه مصاب بالإحباط بسبب السياسات الخاطئة، وعدم مشاركته في التأثير في الأحداث، فالجميع أتفق على إبعاد هذه الأجيال عن المشاركة في القرار، رغم شعارات الإصلاح المرفوعة.

     الإصلاح لن يحققه إلا جيل شبابي صالح متأهب للتغيير، يتفاعل مع معاناة الآخرين ويمتلك الحلول للمشاكل التي يعاني منها المجتمع، وفق تخطيط علمي نابع من أرض الواقع، دون عقد أو حسابات ضيقة، يمثل بديلا ناجحا لما تعانيه العملية السياسية، بشخوصها وأفكارها من فشل وشيخوخة، إستنزفت خيرات البلاد المادية والبشرية.

    كاسرا عقدة الخوف لدى الأحزاب العراقية، سابقا الآخرين في طرح مشروع جديد كعادته، تاركا الجميع يفكر في مغامرته، وربما بعدها يلهثون وراءه، نزع عمار الحكيم رداءه القديم مرتديا رداء أبيضا ناصعا، معلنا تشكيل تيار الحكمة الوطني، بصبغته الشبابية وطيفه الوطني الواسع، مؤكدا نجاح هذا المشروع، حين حصل تيار الحكمة لوحده في الانتخابات البرلمانية على 20 مقعد، دون أن يخسر لافتة أو بوستر في دعايته الإنتخابية.

    لم يكتفي تيار الحكمة برفع شعار الشباب فحسب، بل مكنهم في مفاصله التيارية، وأصبحوا يجالسون قادة البلاد، معلنين ولادة دولة الشباب، بل أمتد تبنيه لهذا المنهج، بتولي شاب ثلاثيني مسؤولية محافظة واسط، هو الأصغر بين أقرانه  وأرفعهم تحصيلا علميا، في خطوة تعد هي الأخطر في هذه الظروف، التي يغلي فيها الشارع بسبب تردي الخدمات وضعف الأداء الحكومي .

    إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بالثقة بالشباب، على إنهم يملكون القدرة على إدارة البلاد، بروح متأهبة وعقلية متحركة وإرادة لا تلين، وأفكار تراعي ما يحيط بها وتتفاعل مع إحتياجات المجتمع ورغبات أبنائه، وهو تحدي للشباب في أن يثبتوا أنهم أهل للمسؤولية الملقاة على عاتقهم، وأن يكونوا مصلحين قولا وفعلا.