الشهيد علي حمود عباد: محطات الحياة.. مسيرة الشهادة.. ودروس الجهاد

كسائر اليمنيين المجاهدين، لم يستطع الشاب اليمني علي حمود محمد عباد -20 عاماً- أن يقف مكتوف الأيدي أمام بطش دول تحالف العدوان التي تمعن في قتل وتدمير كل ما يمت للجمهورية اليمنية بصلة.. أرضا وإنسانا على حدا سواء، دون أن تثور في عروقه الدماء الطاهرة العربية المؤمنة، حيث لم يتردد لحظة واحدة في تلبية نداء الواجب حين دقت طبول الحرب، وكان من السباقين الأوائل لميدان الجهاد.
حمل علي بندقيته، وترك خلفه خطة استكمال اللمسات الأخيرة لتجهيزات حفل زفافه الذي لم يتبقى عليه سوى شهرين من يوم استشهاده، ليلتحق مع زملائه في جبهات القتال مدافعاً عن الأرض والدين والعرض من بطش قوى العدوان.
عدد من زملاء علي، روو جانب من حياته، حيث قالوا أن كل من تعرف عليه إستشرف فيه مزايا وقدرات فذة.. منذ كان في الصفوف الدراسية الأولى بدأ يتلقى النصح من كثير ممن يكبروه عمرا، بأن يواصل تعليمه بذات النشاط ويتأهيل ليكون واحدا من وجوه اليمن المعروفين علما وخلقا وتميزا.. أما هو، فكان له رأي آخر، فهو يعشق الشهادة كما يحب المحتلين الحياة.
حيث إختط لنفسه -مع بداية العدوان والحصار على اليمن- طريقا لا يعيقها الشوك، ليقرر بحسم.. وليحزم حقيبته.. ومتوكلا على الله.. إتخذ قرار المواجهة.
وهاهو اليوم يحفر اسمه في سجل الخلود، بعد أن سطر ملاحم البطولة، وشارك في التمهيد والتحضير لصناعة وتحقيق النصر القادم، وإستحق بلوغ المراتب العليا بعد أن قدم علمه وعرقه ودمه من أجل إعلاء كلمة الله ومن أجل هذا الوطن الغالي.
ويعد البطل علي حمود محمد عباد، واحد من العظماء الذين صنعوا -وعلى إمتداد التاريخ- مسيرة التكامل بخطواتهم الثابتة، فتقدموا أثناء الصعاب والمعضلات ووصلوا إلى القمم ليرفعوا لواء الكرامة والعزة الإنسانية بالتضحية والإقدام والجهاد في سبيل الله.
ويساهم التوقف عند محطات حياة هؤلاء العظماء -إلى حدود كبيرة- في إتباع خطواتهم وإتباع طريق الكمال والفضيلة، وإستلهام معاني الوفاء والإيمان بقدسية الرسالة.. وبمآثرهم البطولية يزداد البناء منعة وتشمخ الرايات بحامليها.

كيف تلقى أصدقاء الشهيد علي حمود نبأ إستشهاده:

حالة من الحزن الممزوج بنوع من السعادة، خيمت على رواد منصات التواصل الاجتماعي في اليمن، خلال الأيام القليلة التي أعقبت إستشهاده في جبهات العزة والكرامة مقاتلا شرسا ومدافعا عنيدا عن حياظ أرضه ووطنه الذي يتعرض لعدوان همجي منذ ما يزيد على الثلاث السنوات.
حيث كتب محمد شمس الدين بحائط صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي الشهير (فايسبوك): علي حمود عباد شهيدًا في سبيل الله.. رأيته المجاهد المتواضع والمجاهد المقاتل والمجاهد المحسن والمجاهد الجريح الصبور والمجاهد الثابت.
وتابع: بقي لنا أن نراه المجاهد العريس الذي لم يتبقى لموعد زفافه سوى شهرين، فما لبثنا ننتظر مرور الشهرين حتى رأيناه اليوم المجاهد الشهيد، خاتمة مرضية وشهادة خالدة، فرضوان الله وسلامه عليه من يومنا هذا إلى يوم الدين، والله نسأل أن لا يحرمنا شرف الجهاد والشهادة في سبيله وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
الشاب محمد الرعود (أبو مخلص) -من أقرب أصدقاء الشهيد البطل علي حمود- قال: تنطفئ الكلمات كلما حاولنا إيقادها في الحديث عن الشهيد البطل علي حمود عباد، وتعجز كلماتنا ويعجز معها القلم.. ففي محراب الشهادة وقدسيتها.. وأمام نبل الشهيد علي حمود تتوقف العبارات.. ليصبح عزاءنا الوحيد هو أن كل نقطة دم نزفت من جسده الطاهر على تراب الوطن.. ستكون منارة لجميع الأجيال القادمة.. تنير دروبها دماء هؤلاء الأبطال.
وأضاف: لأنه آمن بأن الشهادة تعد طريقا وحيدا للنصر.. وعودة الحياة الآمنة التي يستحقها الوطن، قدم الشهيد علي حمود عباد روحه قرباناً لأمنها وأمانها، وروى بدمه الطاهر ترابها.
وتابع: كان الشهيد رحمه الله مؤمنا بالله وبالوطن، ومن يؤمن بالله والوطن لا قوة تقهره، فقد كان من خيرة الشباب، ويتمتع بحس المسؤولية تجاه أسرته ومجتمعه ووطنه، وضحى بروحه دفاعاً عن شرف وكرامة هذه الأمة.. وستبقى شهادته مبعث فخر واعتزاز لأسرته وكافة أبناء وطنه.
وحول الصفات الكريمة التي تحلى بها الشهيد علي سلام الله عليه، يقول الرعود: كل من عرف الشهيد، يدرك تماما أنه يتحلى بأروع الصفات كالأخلاق الطيبة والكرم والشجاعة والإقدام، وكنا نضرب به المثل.. كان شجاع ولا يهاب العدو أبدا.. وكان لا يرفض أي طلب لأي زميل من زملائه.. سموح.. طموح.. مثابر.. ولو أكتب عنه كتاب، فلن أستطيع موافاته حقه.. سلام الله عليه.
فيما غرد محمود الخولاني في تويتر، بالقول: كان علي يدرك أن الشهادة هي محطته التي سيترجل إليها في أي لحظة، وكان أصدقاءه وأهله قد هيئوا أنفسهم لسماع نبأ استشهاده في أي وقت.
واستطرد قائلا: عزاؤنا الوحيد أن إستشهاد علي، مثل ميلاد جديد لآلاف المجاهدين الذين سينبتون من دمه ويسيرون على خطاه بإذن الله، فهكذا هو شعبنا اليمني، وهكذا هي أمتنا العربية والإسلامية.
وأكد: إن المصاب كبير والحزن أكبر ولكن ليس هذا وقت البكاء أو الحزن، إنه الامتحان، امتحان الرجولة والإيمان، ليثبت الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه على طريق من قضى نحبه في سبيل الله، والآن حان وقت النهوض ورص الصفوف لاستمرار مسيرة الجهاد في وجه العدو المتغطرس.
ووجه رسالة لكافة اليمنيين: الصبر الصبر والثبات الثبات (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون).. صدق الله العظيم.

مقتطفات من حياة الشهيد البطل علي حمود:

لخصت الكاتبة -عفاف محمد- مسيرة حياة الشهيد علي حمود عباد.. حيث كتبت: إن الشهيد علي حمود جسد أروع صور البذل والورع والزهد والطهر في حياته، فهو السمو بذاته والرقي الإنساني الذي لا مثيل له بين البشر.
كان الشهيد علي حميد الصفات التي أعطت من ذوب عصارتها.. وعلى الرغم من صغر سنه، إلا أنه كان واسع المعارف والمدارك.. حريص على العبادة، متطلعا في أسرار الكون التي تثير ملكات الكشف والإستقصاء، حفلت بداخله مكارم أصيلة وسجايا حميدة.
منذ سن العاشرة وهو يرتع في رياض القرآن وثقافته الجهادية، كيف لا؟.. وهو حفيد العلامة الجليل السيد إبراهيم الوزير صاحب التاريخه الحافل بكل مكرمة مترفعة عن الدنايا.. إستسقى من علمه الوفير وعرف أهمية الجهاد.. وتشبعت نفسه إيمان.. وجنح إلى الطهر وإستقامة الضمير.. كان هو ذاك الشاب العابد الناسك منذ صباه متمسك بأهداب العلم والدين وأقبل بشراهة على الجهاد لأنه علم بأهمية هذا المرتقى.
كان لوالدته من بعد جده الدور الأكبر في تشرب الإيمان بأصوله القويمة الثابتة، ولطالما مدته من هدايتها التي إقتبست نوراها من والدها الجليل والذي قضى معظم حياته خارج الوطن، لأنه كان سيف شاهر في وجه الطغاة، وكان كلمة حق قيلت في وجه سلطان جائر، كان كل من عرف الشهيد تمسك بصحبته لجمال خلقه وكرمه وحسن معاشرته وتعاونه، كان متفاني مع المسيرة الشريفة ومع الجهاد في سبيل الله.
كان شهيدنا باراً بوالديه.. كريم اليد.. كثير البذل في سبيل الله.. ضحوك بشوش متواضع جدا.. فكونه ابن امين العاصمة لم يؤثر ذلك أبدا على سلوكه، فلم يكن يوما ما مترف أو متعالي، كانت أقصى أحلامه أن ينال رضا الله والوالدين والأولياء الصالحين.
كان والده قد خطب له لتزوجيه، ومن ملامح كرمه أن كتب في وصيته المتدفقة إيماناً وثقة وتقوى أنه طلب من أهله أن يمنحوا معقودته كل ماتم شراؤه من ذهب وملابس مما قد جهزوه لعروسه.