الطائفية المذهبية والسياسية والعرقية والمحاصصةالحزبية المقيتة سببت دمار وخراب بلدنا العراق الحبيب

أستمرار الكتل الطائفية المتنفذة اكثر من السابق بحكمها طيلة خمسة عشر عاماً، وتفاهماتها بينها على سبل حفاظها على عروشها وعلى ردم الثغرات التي يمكن ان تفضح مايجري من صفقاتها في ظروف يتطور فيها الفساد الاداري ويتجذّر اكثر واكثر، وفي ظروف تقسّمت فيها البلاد ومؤسساتها عملياً، الى كانتونات طائفية تحكمها كتل طائفية وفق نظام المحاصصة، كما تعكس الاحداث والميليشيات ووسائل الاعلام العراقية ذاتها، اضافة الى التقارير الدولية المهتمة باوضاع العراق لتقييم امكانية الاستثمار فيه.فإن حركة الكتل الطائفية المتنفذة الى اقامة تحالفات على اسس طائفية (تحالفات بين كتل طائفية) بشعارات مكافحة الطائفية واقامة دولة مدنية على اساس انها هي الموجودة(!)، دون الانتباه الى انها موجودة لأنها التطبيق للمحاصصة المعمول بها التي اثبتت فشلها في ادارة الدولة والحكم طيلة السنوات الماضية، ودون الانتباه الى ان الاصلاح والتغيير ينبغي ان يكون معتمداً على معايير الكفاءة والنزاهة والانتماء للهوية الوطنية ودون الانتباه الى خطورة ارتكاز الفساد الاداري على الكتل الطائفية الحاكمة وعلى تحقيق الفساد نوعاً من التحالف والتوافق الطائفي بين عناصر الكتل المتنفذة، لإمرار صفقاتها عبر اجهزة الفحص والتدقيق المبنية على ذات اسس المحاصصة الطائفية . . حتى صار الفساد وكأنه هوالذي يحقق المواطنة والتعددية، بأمرار المتفق عليه بعيدا عن الطائفة والعرق والاثنية! وبذلك لايشكّل تحالف الكتل الطائفية المتنفذة ذاتها الاّ ترسيخاً للطائفية القائمة على اساس صفقات الفساد، رغم شعاراتها المنافقة بمكافحة الطائفية والفساد وبإقامة الدولة المدنية وبعد أن استشرى الفساد، حتى شمل المرافق الحيوية للبلاد وشمل حتى المدن المقدسة في كربلاء والنجف واساء بذلك للدين والمذهب ولمأثرة الامام الحسين، حيث تتناقل الصحف والمواقع اليومية وبشكل مستمر فضائح السيطرة اللامشروعة لكتل طائفية متنفذة على آلاف العقارات ومئات الهكتارات من الأراضي الحكومية هناك.يشير عدد كبير من المهتمين ومن ذوي الاختصاص المستقلين والمحايدين، الى فشل نظام المحاصصة الطائفية والاثنية، الذي لم يؤدِ الاّ الى التدهور المريع للبلاد وافلاسها والتزايد الفلكي للبطالة وبالتالي نكبة ابنائها برجالهم ونسائهم واطفالهم. الامر الذي يؤدي الى تصاعد المطالبات بالدولة المدنية القائمة على أسس النزاهة والكفاءة والانتماء للهوية الوطنية الجامعة ويؤكدون على، أن محاولات قيام الكتل الطائفية المتنفذة، بتهيئة واجهات مدنية وتأسيس احزاب وتجمعات باسماء مدنية، والسعي لدفع وجوه مدنية الى واجهتها، لاتكفي لقيام دولة مدنية فدرالية موحدة، ان لم يجري الغاء نظام المحاصصة الطائفية والاثنية اساساً، والقيام بادخال التعديلات الدستورية الضامنة وادخال تعديلات جديدة ضامنة، والاّ فإنها لن تكون الاّ طريق لبناء دولة اسلام سياسي على هياكل لدولة شبه مدنية، كي يجري تقبّلها. ويشير آخرون الى ان اضافة علمانيين ومدنيين متفرقين كواجهات هنا وهناك، لن يحقق تغييراً ممكناً ان لم يتغير نظام المحاصصة، دع عنك عجزه عن تحقيق دولة مدنية.

الطائفية السياسية أكبر مصدر للجنون السياسي في عراق اليوم وليس الخلافات ذات الطابع السياسي. بيد أن الخلافات السياسية التي خبرناها في العراق لا تشكل إلا الجزء السطحي والهش من البيئة السياسية ، أما في العمق فقد ألغمت الطائفية السافرة هذه البيئة بالفظاظة والفساد والجهل والتفاهة والتخلف وانعدام أي هدف له قيمة في إعادة بناء الدولة والمجتمع. إن كل ما هو سياسي تطيّف ، وكل ما هو طائفي تسيّس . اللعب يجري رواحاً ومجيئاً بينهما حسب المصالح والمواضيع المطروحة وميادين العمل .
في بيئة كهذه وجدت عصابة داعش الإجرامية موطئ قدم ، لتتمدد وتحتل مدناً وبلدات عراقية عديدة . والآن تريد الديماغوجية السياسية للسلطة أن تنسينا هذا ، تنسينا أن داعش تسللت وأخذت موقعاً هجومياً مستغلة الاوضاع والمشكلات التي تراكمت طيلة السنوات الثماني من حكم المالكي التي ظلت بلا حل . إن تسليم الموصل للداعشيين مرّ من دون تحقيق جدي ، والتحقيق بجرائم سبايكر ومواقع أخرى يجري الالتفاف عليها ، والتحشيد الوطني في الحرب ضد داعش جرى بمعزل عن إعادة تقييم السياسات السابقة ، وهو يلغم بين الحين والحين بشاعات وتطيرات ذات مضمون طائفي ، وبالعكس ظلت خطوط الأخطاء القاتلة هي نفسها ، يبللها الدم العراقي كما كان الأمر دائماً ، فيما غطت الحرب على ساسة بلا مؤهلات.
إن التجربة السياسية التي صنعت كل هذا الهدر في الدم والطاقات والاموال والوقت ستحول الدم العراقي الى لعبة سياسية شائنة ، كما تحول نصر الرجال الى سيولة مالية في البنوك . هذا ما أتوقعه إذا لم تتغير آفاق العمل السياسي ، وإذا ما ظل الفاسدون أنفسهم بمنأى عن المحاسبة والعقاب .
إن سياسة تجريدية غير معنية بحياة الناس ولا مستقبل البلاد تحولت في شروط الصراع الطائفي الى عمل تنسيقي ينهار ويعاد ترميمه دائماً ، مهمته الأولى الحفاظ على مصالح سياسيي الطوائف الذين أفسدتهم السلطة . إن ما اقترفه القادة السياسيون بعد 2003 هو الغدر بحق مواطنيهم ، فنزاعهم الذي توضحت معالمه منذ المنافسة الانتخابية الأولى ، ظل يستهلك عناصر هذه المنافسة خارج إطار الوضع الواقعي الذي يعيشه الناس من لقمة عيش وأمن وكهرباء وماء وصحة وتعليم وثقافة وثروة . ليس لهذا اسم غير الجنون السياسي الذي يستدعي الحجر الصحي قبل السجن بتهمة الخيانة
.

“فساد النظام” ليس دقيقا في النموذج العراقي ، فالأصح هو وصف النظام السياسي برمته بأنه “نظام فساد”؛ ذلك أن “الفساد”، كثقافة ووعي سياسي، صار هو الأصل والقاعدة والمنطق المهيمن على العقل السياسي الجمعي ولم يعد مجرد حالة طارئة على النظام أو بناه السياسية والحكومية، وأكثر من ذلك باتت مؤسسات النظام أداة بيد مافيا الفساد.أن الفساد السياسي هو الحاضنة لكل أنواع الفساد المالي والإداري، فهو يوفر لمرتكبيه الحماية من القانون ويمنع ملاحقتهم، ويغلف أفعالهم بتشريعات قانونية في إطار عملية “شرعنة الفساد”، كما يقوم بإفراغ الإجراءات والنصوص القانونية من مضامينها ويكبّل القضاء، ويغلّ أيدي الجهات المسؤولة عن مواجهة الفساد، ويقوّض استقلاليتها، ويجعلها خاضعة لسطوة الفاسدين، فتكون هي أيضا إحدى ضحايا الفساد.الفساد في العراق: خراب القدوة وفوضى الحكم” إن الفساد السياسي يعني استخدام الطبقة السياسية مقدرات البلاد المادية والبشرية والمعنوية وعلاقاتها الدولية كأدوات في الصراع على السلطة؛ إنه التعامل مع السلطة  اعتبارها أداة لتحقيق النفوذ والثروة بصورة غير مشروعة وليست وسيلة لإدارة الشؤون العامة للمواطنين وتوفير متطلباتهم الحياتية وضرورات المعيشة.أن للفساد في وجهه السياسي مفهوما مركبا؛ ثقافيا وقيميا، يشمل التعامل مع المنصب الرسمي كمغنم شخصي أو عائلي أو حزبي أو فئوي لا كوظيفة عامة يفترض في شاغلها التحلي بالكفاءة والنزاهة لخدمة المجتمع. ومن أوجه الفساد السياسي التحشيد المذهبي وإثارة النعرات الطائفية والعرقية واستثمار أوضاع التخلف الاجتماعي والهشاشة الاقتصادية لشرائح في المجتمعات المحلية، سعيا لتحقيق مكاسب سياسية وسلطوية عبر تزييف وعي المواطن بالاتجاه المضاد لمصالحه الحقيقية.

شيوع الفساد المشرعن إلى طبيعة النظام السياسي العراقي بعد 2003، والذي لم تتصدر أولوياته مسألة بناء حكم صالح يواجه المعضلات والأزمات الوطنية. وعوضا عن ذلك بات هاجس أطراف النظام الاستحواذ على أكبر قدر من بساط الحكم بما يعنيه من انتفاع مالي وهيمنة على المجتمع، عبر استخدام المال العام ومصدره الريعي النفطي الذي يدار من قبل النخبة الحاكمة,ومن أشكال الفساد السياسي “الفساد التشريعي”، وهو تصميم القوانين لتلبية رغبات الاستئثار بالسلطة، وما يتصل بها من نفوذ وثروة، أو تقاسمها مكوناتيا على حساب المصلحة الوطنية الجامعة، أو تهميش الخصوم أو تكريس المحاصصة الطائفية وباتت الأزمة العراقية في ظل توحش الفساد السياسي الطائفي حالة مستعصية ومتحجرة، تحتاج إلى جهود قوى الاعتدال والتنوير لزحزحتها وتفكيكها، فهي اليوم كتلة صماء مركبة من خليط معقد من التزمت والتخلف والعصبية والجهل بحيث باتت وباءً متوطنا في المجتمع، لأن ممارسات الفاسدين يدعمها توظيف كل موارد البلاد وإمكاناتها في مشروع الفساد,من خلال تحليل ظاهرة الفساد يمكن أن نقارب العلاقة الوثيقة بين الفساد والأدلجة الطاغية، فالحكومات العقائدية ذات الشعارات الثوروية والحماسة المذهبية قد تكون الأكثر تورطا في الفساد؛ لأنها تفتح باب العطايا والهبات على أساس أيديولوجي تحشيدي طائفي في الداخل والخارج. كما تكون الأحزاب الحاكمة بحاجة إلى تخصيص أموال طائلة لشراء الولاءات.إن الإغراق الأيديولوجي ينتج حالة من التعالي على القانون والمؤسسات والالتزامات البيروقراطية؛ ما يفرز حالة دائمة من الاحتيال على القوانين لتحقيق أهداف العقيدة السياسية للحزب الحاكم أو مصالح من يعتنق هذه العقيدة. وبالتالي يدخل المجتمع حالة من اللاقانون والسيولة المؤسسية وغياب الرقابة والمساءلة..

وثمة علاقة بين الفساد والعنف، إذ تشير دراسات إلى أن تعرّض الأفراد للعنف، أو معايشتهم له، قد يتسبب في انسياقهم إلى منزلقات سلوكية تتعارض مع النزاهة والأمانة لما يولّده العنف في المجتمع من انهيار قيمي, وتقاعس الحكومات المتعاقبة عن أداء دورها في استرداد الأموال العراقية المنهوبة. والواقع، باعتقادي، أنها لا تستطيع استعادة الأموال لأنها تفتقر إلى الشرعية السياسية والأدبية اللازمة لذلك، فهي متورطة في الفساد وقائمة عليه ومنبثقة عنه، ما يعني أن فتحها لملف الفساد هو بمثابة تقويض للشرعية التي تستند إليها ونقض للصفقة المحاصصاتية التي أنتجتها. كما لا تقدر الحكومات على خطوة استرجاع الأموال المسروقة لأنها تعاني من العجز السياسي الناتج عن انعدام الإرادة الوطنية والعزم الأخلاقي، فهي عاجزة عن إغلاق صنبور الفساد، وعن محاسبة الفاسدين السابقين أو استرجاع الأموال التي استولوا عليها، ويرجع ذلك إلى أن هذه الحكومات جزء من البنية السياسية والمؤسستية للفساد، وهي أيضا جزء من سياق يحكمه الفساد السياسي الذي يرعى ويغذي الفساد المالي.إن الحكومات التي تنتجها المحاصصة هي جزء من أزمة الفساد ولا يمكن أن تكون جزءا من الحل. كما أن تفكيك مافيات الفساد المالي يتطلب ابتداءً تفكيك سياقات وبنى الفساد السياسي المستحكمة. وهذا يحتاج إلى الكثير من الشجاعة والإقدام السياسي والصلابة الأخلاقية والرسوخ في الأرض الوطنية، وهي خصائص تفتقر إليها حكومات المحاصصة الطائفية. لا يمكن القضاء على الفساد السياسي ومخرجاته من دون مشروع وطني إصلاحي متكامل، يعالج جوهر وبنية النظام السياسي نفسه والأصول التي قامت عليها العملية السياسية في العراق.الآثار الثقافية للفساد السياسي الذي تمارسه النخب الطائفية على المجتمع العراقي، فيشير إلى تكريس النزعة العدوانية الطافحة في الحياة الاجتماعية، والثقافة التصادمية، كانعكاسات سلوكية للصراع السياسي ذي الطبيعة الفاسدة على المجتمع، إضافة إلى ما تسببت فيه قوى الصراع من تزييف للوعي وتضليل إعلامي، واستلاب طائفي للجمهور يقوم على بث الكراهية والإيهام بخطر الآخر,أن الفساد السياسي يمثّل اليوم ماكينة تخريب اجتماعي واغتيال عقول وقصف ضمائر، ويؤدي إلى نمط من الفساد الثقافي والتحلل القيمي، ويتسبب في إفساد الذوق الجمالي وتشويه الذائقة الأخلاقية، وتكبيل الضمير والحس الإنسانيَّيْن والاستنتاج النهائي أن مكافحة كل أشكال الفساد وكبح جماح الإرهاب لا يمكن أن يتمّا إلا عبر تجفيف منابع الطائفية، وإنجاز مصالحة حقيقية، واستعادة المواطنية كهوية جامعة وشاملة واندماجية لكل العراقيين..

 في موازين القوة والنفوذ، احتلت إيران الموقع الرئيس في العراق، ونصبت، على رأس السلطة، بالتعاون مع الاحتلال والمرجعية الدينية نموذجاً كاريكاتورياً لصدام حسين هو نوري المالكي الذي مارس سلطة قهر طائفي ضد المكونات الأخرى خصوصاً السنّية منها، ونفخ دوماً في روح الصراع المذهبي التاريخي، ووضع زبانيته في المناصب الحكومية والإدارية وأتاح لهم نهب الموارد وإشاعة الفساد والرشوة في شكل لم يعرفه العراق حتى في عز حكم البعث. ساهم مع الاحتلال الأميركي في تدمير المقومات المادية والوطنية للعراق، من خلال جعل المذهب والطائفة قاعدة الولاء لسلطته، وأتاح للأميركيين نهب الثروات الوطنية بعد أن قاموا بتدمير الجيش. استعاض المالكي عن الجيش الوطني بتكوين ميليشيات بديلة على قاعدة مذهبية، مستعيناً بالحرس الثوري الإيراني، في تدريب القوى وشحنها أيديولوجياً، وهو ما شكل أحد عناصر انهيار الجيش أمام قوى الدولة الإسلامية «داعش». كل ذلك كان يجري تحت أعين المرجعيات الدينية الشيعية ومباركتها سواء أتت من السيد السيستاني أو من مقتدى الصدر وعمار الحكيم…هذه الممارسة من الحكم المالكي – الإيراني – الأميركي أوصلت العراق إلى ما يشبه «الدولة الفاشلة» على جميع المستويات الوطنية والخدماتية والإدارية، ما جعل الانفجار الشعبي جواباً طبيعياً على السلطة ومرجعياتها. استهولت المرجعيات الدينية هذا «الانفجار»، فما كان عليها سوى احتوائه علناً، بحيث دفعت حيدر العبادي رئيس الوزراء إلى إصدار قرارات سياسية أعطاها عنواناً إصلاحياً. بدأ إعلانه «الإصلاحي» بالقول: «بعد التوكل على الله، واستجابة للمرجعية، واحتراماً لإرادة الشعب…»، أي أن المرجعية كانت وراء الإصلاح، ما يوحي علناً بأن مركز القرار الأساس هو في يد هذه المرجعية، على غرار النظام الإيراني الذي يحتل فيه الولي الفقيه المرجعية الأولى في القرار.هال المرجعية الدينية نزول الجماهير من الشيعة والسنّة على السواء وسائر المكونات، متجاوزة القيود الطائفية التي ربطت المرجعيات العراقيين بحبالها الغليظة لأكثر من عقد من الزمن. تركزت المطالب على المسائل الاجتماعية التي تمس حياة المواطن مهما كان دينه ومذهبه، كما طالبت بمحاسبة المفسدين، وهي مطالب مقلقة للمرجعية الدينية لأنها تسحب من تحت أقدامها تحويل الحراك إلى اصطراع طائفي ومذهبي. وقد يكون ما فاجأ المرجعية وأرعبها أكثر هو تلك الهتافات التي هتف بها المتظاهرون ضد إيران وتسلطها على الحكم العراقي من خلال هتاف: «طهران برّا…». هذا الهتاف ضد إيران رأت فيه المرجعية استعادة لذلك النفور الذي كان قائماً بين شيعة العراق المستندين إلى قومية عربية عريقة وإلى مرجعية النجف المعتبرة الأساس بالنسبة إلى الطائفة الشيعية، وبين الشيعة الفرس ومرجعيتهم في قم التي عملت خلال السنوات الماضية على تهميش مرجعية النجف,لا شك في أن ملفاً كبيراً فتح في العراق، حظوظ النجاح والفشل فيه قد تكون متساوية. صحيح أن ما جرى حتى الآن هو الانحناء أمام العاصفة من المرجعيات ومن القوى السياسية المعنية بالاحتجاجات. لكن التأييد لهذه الإصلاحات هو شكلي الآن، والقوى المتضررة منها كبيرة جداً وتملك مواقع أساسية في الدولة والجيش قادرة على إفشاله. وإيران لن تسلم ببساطة بالحد من نفوذها في دولة كان الإعلان الإيراني صريحاً بأن بغداد هي عاصمة الإمبراطورية الفارسية. هذا الإصلاح المعلن عنه لن ينجح إلا بتجاوز نظام المحاصصة الطائفية السائدة، وباستعادة السيادة الوطنية العراقية المستلبة من جانب إيران، وبالعودة إلى دولة مدنية تضع المرجعية الدينية الوصية على السلطة جانباً. فهل سيتمكن العراق من تجاوز هذا النفق؟ الجواب في علم الغيب.

 من المعروف أن المحاصصة الطائفية الدقيقة لم تترك ميداناً إلا وعملت فيه تقسيماً. توزعت الأجهزة الأمنية بين الطوائف، بحيث بات كل جهاز يتبع لسلطة طائفية، تحدد من يكون على رأسه، وتخضع التشكيلات فيه إلى المحسوبيات والولاءات الطائفية. افتقدت الدولة إلى البديهة المعروفة أن ممارسة العنف هو من مهمات الدولة التي تقف فوق الطوائف والكيانات الفئوية، ليصبح العنف مرتبطاً إلى حد بعيد بما تقرره الطوائف وزعماؤها. ، بحيث يجب أن يقابل أي اعتقال من هنا اعتقال من هناك. ان انزياح الولاءات الأمنية، من المشترك الذي تمثله الدولة، الى الجهوي الذي تمثله الطوائف، هو الأساس في انحراف أجهزة الأمن، ومعها بعض أجهزة القضاء عن مهماتها الأصلية.لكن نظام المحاصصة الطائفية لم يقتصر على اقتسام الأجهزة الأمنية وإلحاقه بممثليه، بل مدّ أذرعه إلى الجسم القضائي محاولاً ممارسة العلاقة نفسها. لا يمكن إنكار صمود بعض القضاء ضد الإلحاق والسيطرة، لكن فضائح أثيرت في السنوات الأخيرة حول بعض هذا الجسم، أظهرت ان آثار إلحاقه بنظام المحاصصة يترك ندوباً حقيقية في جسمه. يصبح الأمر خطيراً جداً على المواطن عندما يتم التلاقي الفئوي والجهوي بين أجهزة الأمن والأجهزة القضائية. فالتوقيفات الأمنية والاتهامات من الأجهزة لا تكتمل وتصبح واقعاً من دون التغطية القضائية وإسباغ المشروعية عليها. هنا يصل الفساد الى أعلى ذراه,يكتمل فساد المحاصصة في الأجهزة عندما يجري تسخير نفوذها في عمليات انتقام شخصي من هذا المسؤول ضد أي فرد على خصام معه. يميل المرء إلى التشاؤم في المحاسبة، بل قد يذهب الموضوع إلى اللفلفة، بعد محاسبة شكلية. لأن الذهاب في المحاسبة إلى النهاية مرتبط بالسلطات السياسية والطائفية، وبالصراعات بين الأجهزة نفسها، وتدخّل كل مسؤول لحماية أبناء طائفته. بدأت الأصوات تعلو بعدم محاسبة هذا الموظف لأسباب طائفية، وكأنّ المطلوب اختراع ملف يطاول مسؤولاً أمنياً من طائفة مقابلة. كما أن صيحات تعلو اليوم أن الهدف من فضح هذا الملف له علاقة بالانتخابات النيابية,لا تنفصل الفضيحة الأمنية التي تشكل حديث الناس والإعلام، عن الفضائح الأخرى في قطاعات الكهرباء والاتصالات والنفايات وغيرها من الملفات، التي تظهر حجم الفساد الذي يعشش في البلد، ويتسبب بفضائح تتراوح من المالي إلى السياسي، وتعطي صورة للبنان لا تقل بشاعة عن أنظمة فاسدة في إفريقيا وأميركا اللاتينية. في كل حال، يحتل لبنان مرتبة متقدمة جداً من معدّل الفساد في دول العالم، لعل ما جرى مع زياد عيتاني ليس سوى نقطة صغيرة جداً من الفساد الأكبر الذي يمارسه المسؤولون والطبقة السياسية والطائفية في كل الميادين.