العبادة _ ودورها في بناء الإنسان الصالح

قد تخطر فكرة في أذهان بعض الناس سواء كانوا ممن يعتقدون بوجود الله تعالى أم لا بقولهم على إن الله تعالى عندما ألزم على الناس عبادته فغايته وحكمته الاساسية من ذلك هو الايمان به فقط وفقط وليس غيره، وكأن الله خلق الكون وكل شيء من أجل ذلك ونسوا إن الله في خلقه شؤؤن وعبادتهم لاتزيده ولاتنقصه شيئا بالرغم من أحقيته برجوع الأنسان اليه والخضوع والتذلل له لكونه الواحد الأحد الذي لاشريك له وخالق الكون و له الحق على جميع خلقه ولكنه غير محتاج الى ذلك كله ولايضيف لله شيئا أي لما يعبده الانسان أذن فالعبادة ليس كما يتصورها البعض على ان لها مدخليتها في رجوع الانسان لربه فقط وليس للانسان له مدخلية بذلك ،نعم حكمة خلق الإنسان وغاية حياته وسر وجوده يكمن الظاهر منها لنا في عبادة الله،كما ورد في قوله تعالى:( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ )
¤الذريات:56

#فعبادة الله ورجوع الإنسان اليه لا تنحصر في حد ضيق ، وانما عبادته تشمل كل ما شرعه الله من الأقوال والأعمال والنيات فهي تشمل أقوال اللسان، وحركات الجوارح، ومقاصد القلوب، بل تشكل كل حياة المسلم حتى أكله وشربه ونومه وحركته وتنفسه ووالخ وشرف الإنسان بأن يوجد كاملاً في المعنى الذي أوجد لأجله، ودناءته بفقدان ذلك الفعل منه، فمن لا يصلح لخلافة الله تعالى ولا لعبادته ولا لعمارة أرضه فالبهائم خير منه، ولذلك قال الله تعالى في ذم الذين فقدوا هذه الفضيلة:( أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ).. [الأعراف:179] …..

#وهكذا فالعبادة فرار إلى الله جل شأنه، وهروب من الأثقال والقيود والأغلال والعبودية لغيره التي تقسي القلوب وتكدرها، يقول الله فيمن هجر عبادته ورتع في شهواته كما ورد في قوله: ( وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) [ الحديد:16] نعم فالعبادة هي تحرير الإنسان من عبادة غير الله، فإن الله تعالى قضى أن من ترك عبادته عبد غيره، هذا الغير قد يكون حجراً أو قمراً أوحيوانا او هوى أو حزباً أو فكراً أو كاهناً أو شهوة أو غير تلك العبادات ..

#فلا شك إن العبادة الخالصة الصادقة النقية تدخل في بناء وتكوين وتربية الإنسان الصالح الطاهر النقي وتخرجه من الظلمات الى النور ومن الجهل الى العلم والمعرفة بل وتزيد الإنسان رفعة وشأنا وتواضعا واحتراما وتكريما وتجعله مميزا من بين خلقه وعباده لذلك فأن الله تعالى لما خلق الخلق هو ليس بحاجة الى عبادة الانسان بل ولا تنقصه او تزيده شيء وانما هو من أجل الانسان نفسه وخلاصه وانقاذه من شر الدنيا وغرورها ومفاتنها وزخرفها وعدم الوقوع في شركه وكفره وحتى يكون الانسان متكاملا روحيا وقادرا على تجاوز ذاته ويطبق انسانيته واخلاقه ووسطيته واعتداله من خلال العبادة الحقيقية الصادقة فلايمكن ان نقول بالعبادة التي تجعل الانسان متطرفا ومكفرا وقاتلا للنفس المحترمة فهذا منافي تماما لمصداق العبادة الصادقة واخلاق الانسان بل هو لاشك خارج عن انسانيته فضلا عن عبادته لله تبارك وتعالى ..

#وقد ذكر بالمعنى السيد المحقق الإستاذ الصرخي الحسني (دام ظله) في مقتبس له من البحث الأخلاقي “السير في طريق التكامل” قال فيه :
( الثابت عقلًا وشرعًا أن الله سبحانه وتعالى إضافة إلى أنه نصب نفسه هدفًا وغاية للمسيرة الإنسانية لكي يطأطئ الإنسان رأسه ويتذلل بين يديه من أجل تكريس ذاته المقدسة ، كذلك أراد بهذه العبادة أن يبني الإنسان الصالح المتكامل القادر على تجاوز ذاته والمساهمة في المسيرة الشمولية لجوانب الحياة المتنوعة؛ حيث حرص المولى الشرعي على أن يكسب الإنسان الصلاح والتكامل وروح العبادة ويجعل ذلك ويترجمه خارجًا في كل أعماله وتصرفاته فيحوّلها إلى عبادات ، ومما يدل على هذا ما ورد عن النبي الأقدس محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ):{ إن استطعت أن لا تأكل ولا تشرب إلّا لله فافعل }..

حبيب غضيب العتابي