العنصر الغيبي في العبادة

العنصر الغيبي في العبادة
أحمد الركابــــي
ومن الحقائق المهمة إن الإنسان له جهتان في هذا العالم: جهة يرتبط بها بربّه، وجهة يتّصل بها بالعباد من بني البشر, فالجهة الأولىٰ التي تربط الإنسانَ بالله سبحانه وتعالىٰ هي أن الله جلّ وعلا خلقه ومنحه الوجودَ ولم يكُ شيئًا، ورعاه بربوبيّته العامّة الشاملة، حيث لم يعد للإنسان بالإمكان ولن يعود البقاء على قيد الحياة بمعزل عنها، وسَخَّر لخدمته الكون بما فيها الأرض والسماوات، والشمس والقمر والنجوم؛ بل وخَلَقَ له ما في الأرض جميعاً، كما جعل له السمع والبصر والفؤاد، ليسمع ويرى ويعي ما حوله، ووهب له العقلَ ليميز به بين ما ينفع ويَضُرّ، وليُوَظّف العناصرَ بدلالته في حاجياته.
جعل الله عز وجل العقل مناط تكليف الإنسان وجعله المعول الأساسي في فهم أحكام الشريعة، والمرشد لكيفية تنزيلها وتطبيقها في واقع المجتمعات، لذلك كانت وظيفة الإنسان في هذا الكون هي أن يكون الإنسان لله وحده كما أنّ هذا العالم خُلق له وحده ، فمن الواجب عندئذٍ أن تأتي حياتُه كلها اعترافاً بسلطان ربّهِ وكبريائه، وشكرًا على نعمائه السابغة، وخضوعًا كاملاً لحكمه، وطاعةً مطلقة لأوامره.
فلما خلق الله جل جلاله، وعظم سلطانه المخلوقات ذوات الإدراكات الحسية جعل حَواسَّهَا قاصرةً عن إدراك كل ما في الوجود، ولو كان حولها مباشرة، أو داخلًا في ذواتها، وجعلها متفاضِلَة في إدراكاتها الحسية، فبعض الخلائق تُدرك بحواسها موجودات لا تدركها خلائق أخرى بحواسها من نوعها أو جنسها، أو من غير نوعها وجنسها، وهذه حقيقة ثابتة علميًّا
ومن هذه الزاوية المعرفية فقد أوضح المحقق الأستاذ الصرخي في بحثه الأخلاقي عن دور العبادة الحقة والتكامل الاجتماعي قائلاَ :
((إنّ الإنسان مهما امتلك من العلم والفكر فإنّ عقله يبقى قاصرًا عن إدراك ملاكات ومصالح الأحكام، وهذا يعني وجود عنصر غيبيّ لا يستطيع الإنسان معرفته ولا تفسيره التفسير المادي المحسوس، وقلنا سابقًا: إنّ مثل هذا العنصر الغيبي في العبادة يعمّق ويؤكد الإيمان والارتباط بالله تعالى، وإنّ ذلك العنصر هو المقياس للانقياد والاستسلام في العبادة، وعليه فكلما كان العنصر الغيبي أعمق في الإيهام والإبهام وأبعد عن إدراك العقول كان انقياد العابد واستسلامه للمعبود في العبادة أكبر، وإذا كان الانقياد والاستسلام أکبر كانت آثارها في تعميق الربط بين العابد وربّه أقوي.))
انتهى كلام السيد الأستاذ
فحينما دعا القرآن الناس إلى الإيمان بأصول الغيب وجَّههم إلى بلوغ الإيمان عن طريق البحث العلمي؛ فحثَّهم على استخدام أدواتهم المعرفية للتفكُّر والتدبُّر في دلائل القدرة وسعة العلم الدالَّة على قدرة الخالق، وأرشدهم إلى أن هذه الدلائل منبثَّة في السماء والأرض وفي أنفسهم وفيما حولهم؛ ﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾[ق: 6 – 8]،
مقتبس من البحث_الأخلاقي (العبادة في شهر رمضان والتكامل الاجتماعي) للمحقق الأستاذ الصرخي
http://cutt.us/gLJ9y
“””