in

العنصر الغيبي ..هوالمقياس للأنقياد والاستسلام في العبادة،

العنصر الغيبي ..هوالمقياس للأنقياد والاستسلام في العبادة،

أحمد الركابي

الحقيقة أن مجرّد الإيمان بالمطلق (الله سبحانه وتعالى ) كغريزة في الإنسان لا يكفي ليكون ضماناً لتحقيق الأرتباط بالمطلق بصيغته الصالحة، لأنّ ذلك يرتبط في الحقيقة بطريقة إشباع هذه الغريزة، وأسلوب الاستفادة منها، كما هي الحال في كلّ غريزة أخرى، فإنّ التصرّف السليم في إشباعها على نحو موازٍ لسائر الغرائز والميول الأخرى ومنسجم معها، هو الّذي يكفل المصلحة النهائيّة للإنسان، كما أنّ السلوك وفقاً لغريزة أو ضدّها هو الّذي يُنمّي تلك الغريزة ويُعمّقها أو يُضمرها ويخنقها.

ومن هنا كان لا بُدّ للإيمان بالله والشعور العميق بالتطلّع نحو الغيب والانشداد إلى المطلق، من توجيه يُحدّد طريقة إشباع هذا الشعور، ومن سلوك يُعمّقه ويُرسّخه على نحو يتناسب مع سائر المشاعر الأصيلة في الإنسان.

ومن هذا المنطلق نريد بالطابع الفجائي للعامل الغيبي، دلالة الظروف والملابسات المادية الظاهرية كلها على نتيجة معينة لابد حسب المعادلات المادية من أن تنتهي إليها وفي غمرة هذه التوقعات بالضبط يتدخل العامل الغيبي ليقلب مجرى الأحداث قلباً جذرياً أو ليغير اتجاهها، تأملوا معي هذا المقطع من قصة موسى (ع) الذي يتجسد فيه هذا العامل بتلك المواصفات: (فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) الشعراء/60ـ63.
المعادلات المادية ترسمها لنا عبارة (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ)، والعامل الغيبي غير المتوقع يتمثل في نزول الوحي الإلهي بغتة بالنسبة لبني إسرائيل على موسى في تلك الظروف العصيبة حاملاً البشرى بالخلاص (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ).
وهكذا تتغير مجريات الأحداث بتدخل هذا العامل الغيبي بل تسير في اتجاه معكوس فالشواهد المادية تقتضي أن يُدرك موسى وأتباعه، ومعنى تصفيتهم تصفية كاملة وانتصار فرعون وجنوده، ولكن العامل الغيبي جاء ليقلب هذه النتيجة في اتجاه معاكس تماماً.
وسيراَ على هذا النهج القراني تكون العبادة الحقيقية في عمق الانشداد والتعلق بالواحد الأحد سبحانه وتعالى بالوصول الى الكمالات الروحية والنقاء النفسي بواسطة العنصر الغيبي الذي يعطي صورة الانقيادة والاستسلام للعبادة حتى يصبح الأرتباط عميق بين العابد وربَه ,ومن هذا المجال اشار الاستاذ المحقق الصرخي في بحثه الاخلاقي ,وهذا مقتبس من كلامه الشريف جاء فيه :

(إنّ الإنسان مهما امتلك من العلم والفكر فإنّ عقله يبقى قاصرًا عن إدراك ملاكات ومصالح الأحكام، وهذا يعني وجود عنصر غيبيّ لا يستطيع الإنسان معرفته ولا تفسيره التفسير المادي المحسوس، وقلنا سابقًا: إنّ مثل هذا العنصر الغيبي في العبادة يعمّق ويؤكد الإيمان والارتباط بالله تعالى، وإنّ ذلك العنصر هو المقياس للانقياد والاستسلام في العبادة، وعليه فكلما كان العنصر الغيبي أعمق في الإيهام والإبهام وأبعد عن إدراك العقول كان انقياد العابد واستسلامه للمعبود في العبادة أكبر، وإذا كان الانقياد والاستسلام أکبر كانت آثارها في تعمیق الربط بین العابد وربّه أقوی.)
انتهى كلام السيد الاستاذ
ومن الواضح إن أي غريزة تنمو وتتعمق إذا كان السلوك موافقاً لها , فبذور الرحمة والشفقة مثلاً تنمو في نفس الإنسان من خلال التعاطف العملي المستمر مع الفقراء والبائسين والمظلومين , أما لو كان السلوك مخالفاً ومضاداً للغريزة فإنه يؤدي الى ضمورها وخنقها فبذور الرحمة والشفقة مثلاً تضمر وتموت في الإنسان من خلال التعامل والسلوك السلبي من الظلم وحب الذات .
وعليه فالإيمان بالله والشعور الغريزي العميق بالتطلع نحو الغيب والإنشداد إلى المعبود لا بد له من توجيه وتسديد وتحديد الطريق والسلوك المناسب لإشباع هذا الشعور وتعميقه وترسيخه , لأنه بدون توجيه سيضمر هذا الشعور وينتكس ويمنى بألوان من الإنحراف والشبهات
مقتبس من البحث_الأخلاقي (العبادة في شهر رمضان والتكامل الاجتماعي) للمحقق الأستاذ الصرخي

http://cutt.us/IyJiV

ما رأيك ؟

0 نقط
Upvote Downvote

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0

Comments

0 comments

حكم من يتلفظ كلمة الكفر بلسانه

أحببت صبرك بالطفوف مآثرا يطري الضمير محاسنًا ومفاخرا