in

…الغباء والسقوط السياسي … عقدة النقص والاضطهاد المركبة والجشع والانانية سبب خراب البلاد

د.كرار حيدر الموسوي

هناك حكاية عن ونستون تشرشل تقول أنه رأى شاهد قبر مكتوب عليه “هنا يرقد الرجل الصادق والسياسي الناجح فلان” فقال مندهشا: تلك هي المرة الأولى التي أرى فيها رجلان مدفونان في قبر واحد. الفكر الأناني المتبجح بالتكبر والتفرد السلطوي، يعتبر المسؤول الأول عما يحدث في البلدان من كوارث، نتيجة صنع العقل السياسي المريض، وهو الذي نسف كنوز القيم الإنسانية، وتبديلها بقيم المال والنرجسية والطمع، والشاهد واضح على ضحالة الرؤوس التي تدفع بعالمنا ناحية الانهيار المحتوم، إذا ظل الحال على ما هو عليه، وإذا صمت المفكرون والمثقفون عن رجال المال، وداهنوا بعض الشخصيات المتنفذة لاسباب ذاتية، وتركوا عقولهم المصابة بالعطب القاهر، تلهو بمصائر الأمم كما تشاء، فإن القادم لا يسر أحد، كما حدث ويحدث في البلدان العربية والأفريقية وغيرها، من فقر وإرهاب وتخلف فكري وحضاري، واضطراب مجتمعي، خضوع للرب السلطوي السياسي,إن البيئة الاجتماعية المريضة فسحت المجال للجشع المادي بالتوسع والانفلات، فتلاقت مع الفكر الأناني لبعض قادة العالم من (ساسة، واقتصاديين، وعلماء، ونخبويين، وتربويين، وأكاديميين)، وحولتهم الى أدوات يحركها الجشع، فكل هؤلاء الذين تحكموا بمصير الأرض ومخلوقاتها، شجعوا الفكر الأناني السلطوي، بتقربهم منه ومداهنته، وترحيبهم واحتفائهم به، فصار الواقع المعيشي لاغلب الدول مثل كرة نار ملتهبة، تدور وتضطرب لخلق أزمات التخريب والتطرف والتبعثر الاقتصادي والاجتماعي فضلا عن الثقافي، والسعي المقيت نحو اكتساب المال والسلطة والجاه.حيث يمكن ان تتسع النرجسية السياسية حتى على الصعيد الخارجي بين الدول بسبب مرؤسيها، فالدول أنانية في علاقتها مع بعضها البعض، لأنها تعمل على تحقيق مصالحها، وان كانت ضد وعلى حساب مصالح دول أخرى مجاورة وشقيقة، حيث يمكن تفسيره بالنفاق والكذب السياسي، في حين لا أخلاق في السياسة حسب توجه هذه النظرية، وهو ما تقوم باتباعه بعض الدول العربية للأسف الشديد,إن معتقد الرجل السياسي الأوحد او الحزب السياسي الأوحد يقود إلى تدمير شامل للمجتمع، وتشل مؤسسات الدولة أكثر مما هي عليه حاليا وتدفع إلى عدم الاستقرار,لذا لابد من الاخذ بمدأ الفصل بين السلطات، بشرط إبعاد الأحزاب التقليدية  التي تطمح بأخذ المنصب فقط، وتعتبره انجازا لها، لأنها لا تضع الا الموالي لها وان كان فاشلا، وترسيخ مبدأ الديمقراطية الذي يمنع تجذر الاستبداد السلطوي، والإيمان بروح الفريق ومنظومات العمل، الذي  يعتبر سرا من أسرار التقدم والحضارة، وأن الإنجازات السياسية الفردية مهما عظمت، فلن تصنع امة أو حضارة، وإنما تصنع مجدا شخصيا لصاحبها المصاب بالنرجسية وتعامله المستبد، ووضع آلية دستورية وقانونية رصينة لمنع النرجسية السياسية، لان السياسي ليس مطلوبا منه سوى المسؤولية الخدمية، اي عدم الاهتمام بدينه او مذهبه اوعرقه او أخلاقه,والمجتمع بحاجة    الى التدقيق في التأريخ؛ لمعرفة الشخصية النرجسية السياسية، وكيفية وصولها إلى الحكم، وطرق التخلص منه.

أن أهم محددات الاتجاه المستقبلي لأي دولة يتمثل بطبيعة قادتها السياسيين وقدرتهم على أدارة شئونها وتيسير أمورها بشكل مدروس ومخطط ، لقد مر قرابة أربعة عشر عاما على الإطاحة بنظام صدام والقيادة السياسية الجديدة التي جاءت بعد السقوط وهي في موقع غريب وشاذ عن مما هو مألوف في أدارة الدولة وسياستها ، لهذا فان أهم مميزات هذه الفئة كانت منذ بداياتها في أدارة الدولة العراقية هو التدمير الممنهج لكل مقدرات هذا البلد سواء عبر اعتماد برامج سياسية فاشلة أو على أساس وضع أشخاص فاسدين أو غير أكفاء في مناصب مهمة وحساسة وتجاهل تطبيق تنفيذ القوانين المهمة أو أتباع سياسات تخريبية أخرى من خلال إهمال الجوانب المهمة لمقومات أي دولة وهي الصناعة (حيث ذكر وزير الصناعة السابق محمد الدراجي عن وجود أكثر من عشرة ألاف مصنع معطل وهذا التعطيل هو متعمد من قبل هذه النخبة السياسية )،أما الجانب الحيوي الأخر الذي اخذ نصيبه من عملية التخريب هي الزراعة وبالرغم من أن العراق يعتبر من البلدان الزراعية ومن الدول المعروفة في انه يأكل مما يزرعه فقد أصبح يستورد كل شيء ويعتمد على الدول القريبة والبعيدة على حد سواء في إشباع بطنه من المنتجات الزراعية الذي كان بالأساس هو من يصدرها إلى بلدان العالم ، أن وصف التخريب الممنهج والمتعمد لهذا البلد من قبل هذه النخبة السياسية فأنة يحتاج إلى صفحات كثيرة أذا لم نقل مجلدات لذكره من فساد أداري وسرقة المال العام والتعمد في عدم تطوير البنى التحتية والمشاريع الوهمية والفاشلة وأزمة الطاقة الكهربائية بالرغم من رصد المليارات لهذا القطاع المهم والذي يعتبر من الضروريات لأي دولة متحضرة ، أما عن الأمن المفقود فحدث ولا حرج ، وعن انتشار ظاهرة الأفراد المسلحين أو عصابات الخطف والابتزاز ، أو ظاهرة اختلاس أموال الدولة وتهريبها والتي قدر حسب السفارة الأمريكية بحوالي 600 مليار دولار تم تهريبها خارج العراق وووووو………. من السلوكيات التخريبة الأخرى التي جعلت البلد من أكثر بلدان العالم فسدا ومن الحكومات الفاشلة حسب الإحصائيات الدولية الرسمية . وبالرغم من أن جل هؤلاء النخبة من القادة السياسيين ينحدرون من خلفيات ورأى أسلامية حيث تدرجت هذه الفئة من حالة المطاردة والتشرد إلى موقع السلطة بفعل الفراغ السياسي الذي أحدثه الاحتلال الأمريكي لبغداد وإسقاط نظام صدام ليكشف هؤلاء القادة عن القناع الحقيقي الذي يتمثلوه ودورهم التخريبي .
أمام كل هذا يحق لنا طرح العديد من الأسئلة عن المغزى الحقيقي لسلوكيات هؤلاء المدمرة والكارثية في أدارة الدولة العراقية ، فهل هي شخصيات تعاني من انشطار ذهني من كونه عاشت حياة الاضطهاد والتشرد والمظلومية وفجأة أصبحوا قادة سياسيين وحكام وزعماء كبار ؟ أم وجود أسباب أعمق تكمن في أغوار اللاشعور مشكلة ما يسمى في علم النفس العقدة النفسية ؟
عند طرح أي إشكالية سواء كانت إشكالية اقتصادية أو إشكالية سياسية أو اجتماعية أو حتى أذا كانت إشكالية دينية فلابد من إرجاعها إلى حالتها الأولية ونواتها المشكلة لها وهو العنصر النفسي ، كون أن أي ظاهر كونية تتشكل وفق القوانين الفيزيائية من مجموعة عناصر ولفهم تركيب المادة يتم تفكيكها إلى عناصرها الأولية ، وكذلك الحال بالنسبة إلى الظواهر الإنسانية لمعرفتها فيجب الرجوع بها إلى عنصرها النفسي لكي يتم تحليلها ومن ثم فهمها ووضع الحلول لها ، لذا سوف يتم التركيز على جانب العقد النفسية وإهمال الجوانب الأخرى في موضوعنا هذا ، لذا أولا علينا معرفة ما العقدة النفسية ؟ وكيف تتشكل ؟ وما دورها في صنع السلوك الغير سوي ؟ فالعقدة النفسية كما يعرفها كارل يونك
Carl Young بأنها مركب مشحون عاطفيا من الأفكار المتشابكة التي لديها التأثير العاطفي وهي نتاج من تشابك الذكريات والمشاعر التي ترتبط بعضها البعض وتكون على شكل موضوع ، وعلى الرغم من ادلر Adler لديه مفهوم عقدة النقص Inferiority complex وفرويد لدية عقدة اوديب Oedipus complex ألا أن ما يميز ما طرحه يونك عن ما كتبه المنظرون الآخرون في العقدة النفسية هو تأكيده على أساس النموذج الأولي وبالتالي فان كل عقدة لديها أساس في اللاشعور الشخصي وأحيانا العقدة النفسية تتمثل في اللاشعور الجمعي ووفقا لهذا وحسب رأي يونك فان العقدة تتجسد على أساس العقلية الجمعية وليس الجانب الشخصي فقط . ورغم أهمية العقدة النفسية في معرفة الشخصية ألا أن السيكولوجيين يهتمون بشكل خاص إلى دور العمليات اللاشعورية في العقدة النفسية ، حيث يؤكد يونك على المكانة العظيمة في دور العمليات اللاشعورية في أحداث السلوك الإنساني (Harris, 1996—– Whitmont,1991) .
ونستنتج مما سبق أن سيكولوجية هؤلاء القادة السياسيين وعملهم التخريبي للدولة العراقية يكمن في دور العقد النفسية وخباياها في النتاج السلوكي ، وانطلاقا من دور العقد النفسية المهم في تحريك الشخصية يمكننا أن نطرح بعض الأسئلة في بحثنا هذا وهي أي نوع من العقد النفسية يحمل هؤلاء ؟ وكيف تعمل تلك العقد النفسية التي يحملها هؤلاء في عملية تخريب الدولة العراقي ؟ وللإجابة عن هذا التساؤلات علينا أولا تصنيف هؤلاء القادة وفق انتماءاتهم الطائفية ونسبة تمثيلهم ، حيث أن الحكم في العراق بعد عام 2003 يتم حكمة عبر مكوناته الثلاثة الرئيسية وهي المكون الكردي والمكون العربي السني والمكون العربي الشيعي وتوزع المناصب حسب ثقل كل مكون ، حيث أشار معهد السلام الأمريكي
of peace Unite states institute في تقريره أن نسبة العرب السنة في الحكم تمثل حوالي 24% بينما نسبة الأكراد تتمثل بحوالي 24% أيضا بينما تتمثل نسبة العرب الشيعة حوالي 52% وهي النسبة الأكبر والأكثر تأثيرا في القرار السياسي .
ولكي نفهم مركب العقد النفسية للقادة السياسيين للمكونات الثلاث فينبغي علينا تناول كل مكون على حدا لان لكل واحد من هذه المكونات الثلاث لديها رؤاها العقائدية والأيدلوجية التي تميزها عن الأخرى ، فلنبدأ أولا بعقدة القادة السياسيين الكرد حيث أن هؤلاء القادة يملكون رؤى سياسية واضحة وموجهة بشكل مخطط ومدروس ولهؤلاء لديهم نصيب ليس بالقليل في عملية التخريب ، وهذا أمر لا يدعو للدهشة حيث أن الكرد ومنذ زمن في ظل حكم ذاتي وقد حددوا أهدافهم بالانفصال وهم لا يخفون ذلك ، وهم لا يشعرون بأنهم ينتمون إلى حكومة بغداد ، وعلى الرغم من الامتيازات الكبيرة التي جنوها بعد 2003 وتسنمهم مناصب رفيعة كمنصب رئاسة الجمهورية ألا أن حلمهم بإقامة الدولة الكردية أصبح حلما قريب المنال خصوصا أذا كان الشركاء الآخرون من الشيعة والسنة في حالة تصادم وعدم وئام وضعف ، حيث أن شغلهم الشاغل يكمن بسد عقدتهم بالانتماء بإنشاء وطن يضم كل الكرد ، أذن فأن عقدة هؤلاء القادة تتمثل بعقدة الهوية أو الانتماء لوطن فهم امة ينقصها وطن يضمها (كما يعتقدون) ، فان عقدة الانتماء
Affiliation Complex التي يحملها القادة الكرد كانت المحرك الأساس في عملية التخريب المقصودة للدولة العراقية بعد عام 2003 وحوارها الداخلي يتجلى بـ “لا يهمني مصير الآخرين لي كياني الخاص بي ” .
أما المكون الأخر وهم قادة العرب السنة فهؤلاء لديهم نصيب لا باس به في عملية التخريب ولكن بعقدة مختلفة عن عقدة الانتماء والهوية التي يحملها القادة الكرد ، وهي عقدة السلطة
Complex power ، فعلى الرغم من الامتيازات الكبيرة التي يتمتع بها هؤلاء القادة ألا أن عقدة السلطة كانت الأساس في إدارتهم للدولة العراقية ، فهؤلاء يرون أن السلطة هي حق تاريخي لهم ولا تحق لأي مكون أخر سواهم ” خصوصا المكون الشيعي” في السيطرة أو مشاركتهم الحكم ، وعلى الرغم من العملية الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة ألا أنهم يضمرون العداء للعملية السياسية وهذا العداء والرفض هو نتاج عن عقدة السلطة التي تحرك دوافعهم الخفية بهذا الاتجاه العدائي والمخرب ، تعاونهم مع الجهات الإرهابية وتسهيل حركتها وتزويدها بالمعلومات وكذلك التورط في عمليات الاغتيال وتفخيخ السيارات وتسهيل تحركها والدفاع عن الإرهابيين والضغط على الجهات القضائية في الإفراج عنهم وأحيانا يقومون بمحاولة أثارة النعرات الطائفية من اجل إرباك الوضع وخلق الأزمات ناهيك عن الفساد الإداري والمالي وعرقلة سير الدولة وتقديم الخدمات وغيرها الكثير ، فهي مؤشرات قوية على نوع العقدة التي تحركهم ، ومعظم هؤلاء القادة السنة من هو متهم بالإرهاب أو مشترك في عمليات قتل المواطنين وليس بالبعيد شاهد كلامنا عن نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي بالرغم من تبوءه منصب رفيع في الدولة ، أن الإحساس العام للقادة السنة تدل على أن الكثير منهم لا يزال متعلق بالتصورات البعثية السابقة وبهذا فان مركب عقدة السلطة هي المحرك الأساس لهؤلاء في أدارة الدولة ودورها التخريبي وحوارها الداخلي يقول “إنا السيد والآخرون هم مجرد عبيد” .
أما العقدة الثالثة والتي تتجلى في نفسية القادة الشيعة وهؤلاء القادة يمثلون الثقل الأكبر في الحكومة العراقية ولديهم معظم المناصب المهمة بالإضافة إلى أن معظم قرارات الدولة المهمة تصدر عنهم ، ولتحليل مركب العقدة التي يحملها هؤلاء فإننا نحتاج إلى تفصيل أكثر من العقد السابقة كون أن عقدة هؤلاء أكثر غموضا وعمقا في بنية الشخصية ، وللتعرف على هذه الشخصية ينبغي الرجوع إلى تاريخ هؤلاء القادة ومعاناتهم في زمن النظام السابق ، في الحقيقة أن الغالبية العظمى من هؤلاء القادة (بدون ذكر الأسماء) كانوا من المطاردين من قبل الأجهزة الأمنية للنظام البعثي السابق وقد تعرضوا إلى الاضطهاد الديني والسياسي والعرقي مما حدا بهم إلى الهروب خارج البلد ، وان أهم الخصائص المهمة للقيادات الشيعية أنهم من العراقيين الذين عاشوا خارج العراق على الأقل عقدين أو ثلاث عقود من الزمن ، وأن البعض من هؤلاء ممن اعتبروا من التبعية الإيرانية (بالرغم من أن معظمهم من أصول عربية عراقية ) وفق سياسة التطهير الطائفي التي انتهجها نظام صدام ، وقد تم إعدام الكثير من الشباب ومصادرة الأموال المنقولة والغير منقولة وتم سجن اسر بأكملها في سجن نقرة السلمان سيئ الصيت وترحيل الكثير من الأسر من نساء وأطفال وشيوخ ومن تبقى من الشباب إلى إيران عبر رميهم على الحدود الإيرانية العراقية ليواجهوا مصيرهم المجهول والسير على حقول الألغام لتنفجر على من تنفجر وينجو من ينجو ، وهناك الكثير من الصور المأساوية التي لحق بهؤلاء وغيرهم لا يسعني المقام بذكرها .
ونستنتج مما سبق بان هذه الفئة يتمحور بنائها النفسي وفق عقدة الاضطهاد والتي هي نتيجة المعانات المريرة التي مروا بها أثناء حكم البعث ، وهي أكثر عمقا وخطورة وإيلاما من عقد الآخرين وهي نتاج للمرحلة المريرة التي عاشوها، وان الاضطهاد كما يرى فنغشتن
Fengtiton بأنه نتيجة لتداخل معقد بين تراكيب وعمليات الشخصية وان هناك شخصيات تشهد تقريبا الأفكار والمشاعر الاضطهادية وان هذه الشخصيات يتشكل لديها نزعات اضطهادية من قبل الشك والعداء والتمركز حول الذات والشعور بأنه كبش فداء ( Fingshten, 199) ، وبشكل عام فان الشخصية الشيعية أصلا شخصية يتكون بنائها النفسي من الاضطهاد وهذا نتيجة لما مروا به من مسيرة حياتهم التاريخية من ظلم وحيف وقهر على مر الدهور ويتجلى لنا هذا من خلال طقوسهم الدينية ونمط تفكيرهم وتمثيلاتهم الاجتماعية الأخرى ، ألا أن نوع وتركيب الاضطهاد هنا يختلف كليا من نوع وتركيب الاضطهاد الذي يحمله القادة السياسين الشيعة حيث ان هذه الفئة يتمحور بنائها النفسي وفق عقدة الاضطهاد Persecurty complex التي تشكلت وفق الأحداث القاهرة التي خبروها حيث يصنف روجرز Rogers السلوك على طول سلسلة مستمرة من الشدة ، اعتمادا على شدة التشوية (Holdstock & Rogers, 1977) ، فمركب عقدة الاضطهاد التي تقوم على عناصر الحزن Sadness والغضب Rage والكره hate العداء hostility والشك suspicion والتي تعمل على تشويه التفكير Distorted thinking ، في الغالب هذه العناصر تتجسد في بنية الشخصية على شكل عوامل لاشعورية تلعب دورا نشطاً في تشكيل السلوك ، الأفكار و الذكريات والمشاعر (العداء والكره والغضب والحزن والشك) تكون مرتبطة مع بعضها البعض أو تتمثل على شكل موضوع ، هذه المسألة المتشابكة عندها القدرة للتأثير العاطفي في الفرد وتسمى العقدة النفسية .
وفي نهاية المطاف في تحليلنا سيكولوجية مركب عقدة الاضطهاد فان هؤلاء القادة الشيعة يصبح لديهم موضوع بديل لتفريغ هذا الغضب المكبوت لمكونات عقدة الاضطهاد وهذا الموضوع البديل يكون موجة إلى عموم الشعب العراقي (باعتبار أن كل من عاش في الداخل إبان النظام السابق هم بعثييون وأنهم ممن كانوا مساندين لهذا النظام ) وهذا يعني أن ما يجرى على أفراد النظام البعثي السابق من عقوبة يجب أن تسري أيضا على عموم الشعب ، وهنا تعمل مركب عقدة الاضطهاد عملها التخريبي وفق مبدأ الانتقام والغضب اللاشعوري وعليه يكون العقاب جماعياً وحوارها الداخلي ” كل من في الداخل بعثييون والكل مشترك في اضطهادي وتشريد عائلتي وإعدام أخوتي” .
وختاما فأن فهم خلفية وتصورات هؤلاء القادة أمر وضروري وحيوي بالنسبة لتحليل سلوكيات هؤلاء وتصرفاتهم التي خرجت عن المألوف بالنسبة لأي قيادة سياسية سوية ويمكن أن تدرج مثلما أطلقنه عليها بعملية “تخريب” ساهمت فيها العقد النفسية الثلاث (عقدة السلطة ، وعقدة الانتماء، وعقدة الاضطهاد) دورا أساسيا في هذا التخريب . حيث باتت البلد بعد حكم هؤلاء يقف على فوهة بركان، وينتظر عود الثقاب الذي قد يُحدث الانفجار الكبير، وسيكون ضحاياه من المدنيين وأمنهم واستقرارهم وأجيالهم القادمة التي قد لا تجد ألا الدمار والإفلاس والجوع .
ما يحدث من تطورات خاطفة في العراق بعد اعلان نتائج الانتخابات، يحكي قصة بلد تتحكم فيه فئة سياسية عاجزة عن إدارته، وفي نفس الوقت مصممة على البقاء في هذا العجز، فهو يمثل الوسط الأمثل لتحقيق طموحاتها الذاتية في المكاسب ومواقع السلطة.وقد شجعها على ذلك معظم شرائح الشعب العراقي الذي قرر الكثيرون فيه التنازل عن الإرادة والتمسك بالطاعة المقيدة الى هذا القائد وذاك، فيعطيهم الولاء المطلق، ويقنع بالجوع والمرض ونقص الخدمات.لقد اكتشف قادة الكيانات بعد أشهر من العملية السياسية، أنهم لا يستطيعون بناء دولة، ولكن بمقدورهم بناء كياناتهم الشخصية على حسابها، وأن السبيل لذلك هو المال وحده، هذا العامل الذي يتحكم بالقرارات والمواقف والجماعات. وبذلك صارت العملية السياسية تتجه نحو هدف واحد هو محاولة كل طرف مشارك فيها أن يسرق ما يستطيع سرقته.وأدرك القادة بغريزة التسابق وبعقلية المصلحة، أن الكفاءات هي التهديد الأول لمواقعهم، وعليه لابد من الاستعانة بذوي الشخصية المخرومة والتفكير المحدود والذوبان في الانتفاع، فهؤلاء يمكن الاعتماد عليهم والوثوق بهم، وسيكونون مخلصين للقائد، فهو يريد الاتباع للتفوق على منافسيه في معارك شخصية صرفة، والمعتاشون يريدون المنفعة الذاتية لأنفسهم، وهكذا تلاقى الطرفان في تشكيلة منسجمة تصنع كل كتلة من الكتل.وفق هذا التفاهم السريع بين القادة وبين رجالهم الطامحين، برز أشخاص من الهامش الى الواجهة، فجندي الحماية يتحول الى محافظ بحركة واحدة. والمقاتل الذي لا يجيد إلا استخدام السلاح، ينتقل فجأة الى نائب في البرلمان، والشخص الذي كانت أعلى أمنياته أن يسافر بالطائرة يصبح وزيراً. وهاربون كانوا يخشون ان تكشف ملفاتهم الاجرامية، يتحولون الى برلمانيين ومسؤولين بحمايات تحميهم من نظرائهم بالأمس، والأشخاص الذين كانت أسعد لحظات حياتهم عندما يُدعون الى وليمة في بيت شخصية معروفة، يتحولون الى مساعدين ومقربين وأعضاء قيادات في كيان سياسي يشارك في صناعة القرارات وتشكيل الحكومة.كنت أفكر بنشر مقالات عن هذه النماذج المذكورة، لكني أحجمت عن ذلك، وأفكر بنشرها في كتاب ليبقى للتاريخ تقرأه الأجيال القادمة لتعرف مأساة هذا البلد.بمرور السنوات ومع كل انتخابات برلمانية تتفجر الطموحات عند المعتاشين، فقد صار بإمكان أي شخص أن ينال أي منصب، والمقياس ينحصر في قدرته على التقرب من القائد وكيفية إقناعه بأنه أفضل من غيره على السرقة، وأنه يمتلك مرونة في العمود الفقري على الانحناء حتى القدمين.أدرك القادة أن حشود الأتباع تعشق تصديق الكذبة، وتجيد شطب الذاكرة، فراحوا يطلقون الشعارات الكبيرة، ثم تمادوا أكثر باطلاقها بعد أن وجدوا أن لا أحد يسألهم عن آليات التنفيذ وعن برنامج التخطيط وعن الفرق بين هذه الشعارات وبين سابقاتها.ولمس القادة لمس اليد، أن كل جريمة مهما بلغت بشاعتها ومأساتها، فأن الاتباع سيتصدون لتبريرها. وأن أعظم الكوارث التي يصنعونها في البلد يمكن للأتباع تحملها والتلذذ بدموعها.وعندما يدرك القادة ذلك، فانهم يتمادون في طموحاتهم، فيحثون الخطى لسرقة أكبر، من أجل تعزيز قواهم، ويسارعون الى الجلوس مع بعضهم البعض لمناقشة الحصص، فهم حين يجتمعون يضعون أمامهم خارطة دولة ثرية عليهم سرقتها عبر المناصب.

يبدو أن التحليل المقارن للنظم السياسية ولسلوك بعض القادة والزعماء فى مشارق الأرض ومغاربها يدفعنا دفعاً إلى التسليم بأن وصف «الغباء السياسي» بالغ الدقة فى مجال تقييم بعضهم. ولنأخذ أمثلة متعددة من الماضى والحاضر. كيف يمكن توصيف سلوك «هتلر» زعيم النازية الأشهر فى مشروعه للهيمنة على كل بلاد القارة الأوروبية من خلال حملات عسكرية خاطفة إلا بالغباء المطلق؟ كيف تصور «هتلر» أنه يمكن أن يحارب كل الدول الأوروبية وينتصر عليها، وكذلك على الولايات المتحدة الأمريكية التى دخلت الحرب ضده متأخرة شيئاً ما؟لم يدرك هذا الزعيم المتطرف أن مشروعه مضاد لمنطق التاريخ، ولذلك هزم هزيمة ساحقة أدت إلى انتحاره فى برلين هو وحليفه موسولينى زعيم الفاشية، الذى أطلق عليه أحرار إيطاليا النار فقتلوه شر قتلة بعد الهزيمة المدوية لدول المحور (ألمانيا وإيطاليا واليابان.وقعت هذه الأحداث فى الحرب العالمية الثانية التى انتهت عام 1945، وكان من المفروض بعد استيعاب دروسها القاسية- أن يسود السلوك العقلانى الرشيد فى مجال عملية اتخاذ القرار التى يقوم بها القادة والزعماء.إلا أننا وجدنا نموذجاً بارزاً على الحماقة السياسية فى سلوك «جورج بوش» الابن الذى أعلن -كرد فعل على أحداث سبتمبر الحرب ضد الإرهاب، والتى أعلن أنها حرب لا يحدها زمان ولا مكان! وتعجل هذا الرئيس الأمريكى الأحمق الذى كان يزعم أنه يستوحى قراراته من الله سبحانه وتعالى بشن الحرب على أفغانستان لإسقاط نظام طالبان، لأنه آوى «بن لادن» الذى نسب إليه تخطيط الهجوم الإرهابى على الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد ذلك ارتكب حماقته الكبرى بغزو العراق لإسقاط صدام حسين,وهذه الحالة تقربنا من العالم العربى لكى ندرس حالات الغباء السياسى البارزة. ولا شك أن «صدام حسين» من ناحية، والعقيد «معمر القذافي» من ناحية أخرى، يقدمان لنا أمثلة بارزة على الغباء السياسي! «صدام حسين» الذى صفى قادة حزب البعث وانفرد بالحكم ورث دولة غنية بالموارد الطبيعية وبالنفط وبالقوى البشرية المبدعة، ولكنه أضاع كل هذا وغامر بحرب لا سبب لها ضد إيران استمرت ثمانى سنوات سقط فيها مئات الألوف من الضحايا من الجانبين، وخسرت العراق موارد هائلة. ولكنه لم يكتف بذلك ولكنه قرر فجأة غزو الكويت بدون مقدمات، مما جعل الولايات المتحدة الأمريكية تنظم تحالفاً دولياً لإخراجه من الكويت وهزيمته ثم حصار العراق بعد ذلك.ولو انتقلنا إلى حالة العقيد «معمر القذافي» لوجدنا حالة نموذجية للغباء السياسى. فقد ورث دولة غنية بالنفط الذى يجعل ليبيا لا تحتاج إلى أى معونات خارجية، ولكنه تعمد القضاء على كل مؤسسات الدولة الليبية بما فيها الجيش. وترك البلاد فى أيدى «اللجان الثورية» التى عاثت فى الأرض فساداً، وأخطر من ذلك دخوله فى مغامرات إرهابية متعددة وحروب إفريقية فى تشاد، وكلها انتهت بهزائم ساحقة جعلته محاصراً من النظام الدولى، حتى اضطر إلى الرضوخ لأوامر الولايات المتحدة الأمريكية بالكامل.

انتهت حياة «صدام حسين» بالحكم عليه بالموت شنقاً، وانتهت حياة «القذافى» بقتله من قبل الثوار شر قتلة.ولو انتقلنا من الشخصيات السياسية -قادة أو زعماء- إلى مجال الأحزاب السياسية والحركات الدينية لاكتشفنا أن ظاهرة الغباء السياسى فى سلوك بعضها موجودة ولا شك. غير أن خطورتها تكمن فى أنها يمكن أن تؤدى إلى الانهيار الكامل للحزب أو التصدع الشديد فى الحركة الدينية. وهذا الانهيار وقرينه التصدع يمكن فى حالات كثيرة أن يؤدى إلى ما نطلق عليه السقوط التاريخى,يصدق ذلك على الحزب الشيوعى السوفيتى الذى حكم الاتحاد السوفيتى بعد نجاح الثورة البلشفية عام 1917 لمدة سبعين عاماً، كما أنه يصدق- ويا للمفارقة- على جماعة الإخوان المسلمين التى استمرت ثمانين عاماً، وقفزت إلى حكم مصر فى غفلة من الزمان حتى أزيحت من السلطة بعد عام واحد فقط، بعد أن قامت الجماهير بانقلاب شعبى ضدها فى 30 يونيو دعمته القوات المسلحة، مما أدى بها إلى السقوط التاريخى بعد فشلها السياسى الذريع وظاهرة السقوط التاريخى للأحزاب الحاكمة أو النظم السياسية تحتاج إلى تأمل عميق لاكتشاف الأسباب الداخلية للانهيار وكذلك العوامل الخارجية. ونستطيع فى حالة الاتحاد السوفيتى لو أردنا التعمق فى فهم أسباب الانهيار-وهو يحدد أسباب انهيار النظام السوفيتى فى عوامل داخلية أبرزها الجمود العقائدى فى مجال التطبيق الحرفى الجامد لماركسية لينين من ناحية، وفساد النظام من ناحية أخرى، والضغوط الخارجية من ناحية ثالثة ولو نظرنا لحالة جماعة الإخوان المسلمين لاكتشفنا أن سبب فشلها السياسى هو أيضاً الجمود العقائدى الذى ظهر فى الانطلاق من مبادئ جامدة، أبرزها تأسيس دولة دينية على أنقاض الدولة المدنية، والسعى لاسترداد نظام الخلافة الإسلامية، والهيمنة المطلقة على النظام السياسى، وعدم التسليم بأهم مبدأ من مبادئ الديمقراطية وهو التداول السلمى للسلطة. لأن قيادات الجماعة خططت لكى تبقى فى الحكم إلى الأبد، سواء باستخدام آليات الديمقراطية، أو باستخدام العنف ضد الخصوم السياسيين وقوى المعارضة.ما حدث من «انقلاب شعبي» فى 30 يونيو كان إعلاناً جهيراً عن الفشل السياسى لجماعة الإخوان وسقوطها التاريخى. غير أنه مما يضاعف من هذا الفشل سلوك قيادات الجماعة بعد أن أسقطهم الشعب، والذى تمثل فى الأوامر التى أعطتها قيادات الجماعة لأتباعها لممارسة الإرهاب المنظم -ليس ضد منشآت الدولة فقط ولا ضد رموز السلطة من قوات مسلحة وقوات أمن فقط- ولكنه ضد الشعب نفسه! وذلك من خلال تخريب المرافق الأساسية كالكهرباء أو المواصلات، أو إثارة الشغب فى الجامعات وذلك سعياً إلى إسقاط النظام وهذا الوهم أدى فى الواقع إلى تزايد السخط الشعبى ضد الإخوان المسلمين، وبذلك أضافوا إلى رصيدهم بعد الفشل السياسى والسقوط التاريخي- الكراهية الشعبية المتنامية لفكر الجماعة المتطرف ولسلوكها الإرهابى.

What do you think?

0 points
Upvote Downvote

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0

Comments

0 comments

كَشَفَ المَسْتورَ وَنَسَفَ بُدْعَةَ تَهْدِيِمِ القُبُورِ

الحشد الشعبي المقدس بكل صنوفه لا يسكت عن الجريمه الاسرائيليه وضوئها الاخضر الامريكي