الفكر الوسطي ..بين جلاوزة السيف وجلاوزة القلم

إن في وقتنا الحاضر يوجد من لايفهم معنى واحدا للوسطية بل البعض ينظر لها على إنها المجاملة أو الخنوع لطرف ما حتى يرضى عليه مقابل تمرير فكر أو مشروع أو شيء آخر يطرحه دعاة الوسطية وما أريد أن أقوله لهؤلاء الذين ينظرون الى المنهج والفكر الوسطي بعين واحدة ،أقول لهم إن سلوك الفكر الوسطي لا يعني أبدا التنازل عن الثوابت والمبادىء الإسلامية أو إسقاط ضرورة من ضروريات الدين أمام أفكار الطرف الآخر بل الوسطية هي التحرر والتفكر والتحقق والنقاش والتحليل العلمي في كل الأفكار والعقائد والتأريخ وعدم المجاملة بالدين أبدا بل هي إمتلاك الجرأة والشجاعة في التحقيق بكل الموروثات الدينية سواء كانت تلك الموروثات تخص مذهب الشيعة او السنة لافرق فالجميع يكون في ميزان العقل والعلم فالوسطية تعني حل المشكلات العالقة بين التأريخ والعقائد وفق اسس وضوابط وقواعد علمية اخلاقية بعيدة عن التخندق الطائفي ،والوسطية لاتنحصر بالدين فقط بل تدخل في كل جوانب الحياة ولكن مشكلتنا اليوم هي نفسها كانت في السابق حيث كان الآئمة (عليهم السلام) وأصحابهم ( رضوان الله عليهم) يعانون من تلك الأصوات النشاز التي لاتفهم سوى التطرف والغلو والحقد والبغض والعداء حيث كان السلاطين في عهودهم الغابرة يستخدمون نوعين من الجلاوزة في تمرير أفكارهم والحفاظ على سلطتهم وبقاءهم وهما :

أولا : جلاوزة السيف
وهم ممن يمتلك القوة والسلاح والاموال والجيوش ويسخرها من أجل ضرب واسكات كل صوت ينطق الحق والصدق والعدل أو يخالف منهج السلاطين والمتطرفين ..

ثانيا : جلاوزة القلم
وهم مجموعة من الكتاب والباحثين والمثقفين الذين غرتهم الأموال وإستأجرت أقلامهم مقابل أن يكتبوا ويروجوا لأفكار السلاطين والظالمين المتطرفين لتغرير الناس بهم ..

لذلك كانوا السلاطين آنذاك يبذلون من الأموال الكثيرة في دعم ورعاية جلاوزة القلم مثلما كانوا يبذلون في دعم ورعاية جلاوزة السيف ،فهم يبنون الثكانات والمعسكرات ومرابط الخيل في نفس الوقت الذي يبنون فيه المدارس والمساجد التي تبث الفرقة والحقد والعداء والطائفية ، والواقع إن الحكم الظالم لا يستطيع أن يستبد أو يتسلط بقوة السيف وحدها ،بل إنه يحتاج الى القصائد والفتاوى التي تشرعن له والكتب والمواعظ وووالى آخره ..

حيث إن السلطان والحاكم الظالم الذي يعتمد على السيف وحده في تدعيم حكمه لايستقيم حكمه ولا أمره أبدا مالم يكن هناك من يروج لأفكاره ويشرعن له سلطته وتسخر له من الأقلام التي تجعله القديس الأكبر والإمام الأعظم لذلك كانوا دعاة الوسطية أنذاك والى يومنا هذا يعانون من ظلم وجهل وتطرف الحكام والسلاطين بسبب هؤلاء جلاوزة السيف والقلم وكذلك لاننكر إن لوعاظ السلاطين كان لهم الدور الأبرز في تظليل الشعوب وخداعهم لأتباع فكر ومنهج السلاطين الذين مارسوا التطرف في حكمهم كما هو اليوم حاصل مع حكام السلطة ..

لذلك آن الآوان لكي نحدث إنقلابا فكريا لفتح نوافذ الإسلام الحقيقي المعتدل فقد ذهب زمن السلاطين وزمن التحجر الفكري وحل محله زمن الشعوب والجماهير والعقول المتحررة فمن سخف القول بأن نبقى على نمط ماكان يفكر به أسلافنا من وعاظ السلاطين علينا إستحكام العقول وتسلطها على مملكة الأبدان وحتى نتجرد من عواطفنا وأهوائنا وتعنصرنا وطائفيتنا ومذهبيتنا ثم نضع أساس لبناء المنظومة الفكرية الواسعة المتحررة التي تذوب وتنصهر أمامها كل الأمواج الفكرية المنحرفة والمتطرفة فكفى تطرفا وحقدا علينا أن نعي الحقيقة ونفكر في مصير شعوبنا المسلمة لنضع حواجز فكرية معتدلة لايقاف التمدد التكفيري والأفكار المتطرفة ونزيف الدماء والدمار والخراب في البلاد الإسلامية فأن المستفيد الأول والأخير من الجهل والبقاء على هذا التطرف والطائفية المقيتة هم أعداء الإسلام ..

ومن هنا إنطلق المحقق الإستاذ ومرجع الوسطية السيد الصرخي (دام ظله) لطرح منظومته الفكرية التي من خلالها دحض فكر التكفيريين وتطرف حكام السلطة في العهود السابقة واللاحقة الذين عاثوا في الأرض قتلا وفسادا ودمارا وخرابا حيث ناقش سماحته تلك الأفكار المنحرفة والمنهج التكفيري المتأصل الذي سلكه الخوارج والدواعش المارقة في وقتنا الحاضر وسعى في إستئصال أفكارهم المفخخة والناسفة لعقول البشرية وقد جفف كل منابع التطرف من خلال محاضراته وأبحاثه الموسومة التي كانت لها الصدى الكبير والتأثير على الشارع في نشر ثقافة الاعتدال والوسطية وسنبقى نكتب ونحرر أقلامنا من تلك الصنمية والعبودية والتقديس لوعاظ السلطة ولن نقف أمام هذا فقط بل سنخوض بوسطيتنا وإعتدالنا تلك المعركة الفكرية وسنقضي على كل بؤر التكفير والانحراف وسنكون حواجز صد أمام التمدد الطائفي مهما كان عنوانه وواجهته ومذهبه فالجميع سيكون في دائرة التحقيق والتدقيق والتحليل والنقاش العلمي الاخلاقي .

حبيب غضيب العتابي