المتاجرة بالوظائف الحكومية و موازنة العراق وتحوّل البلاد إلى ملكية للمسؤلين الخالدين ولأقربائهم

 لا يشغل فساد المتصدرين للسلطة وحدهم الرأي العام العراقي، وإنما يتعلّق الأمر أيضًا بأبنائهم وأقاربهم أو ممن يحيطون بهم من موظفين أو حمايات أمنية، وأخذ تفاقم هذه الظاهرة في السياسة العراقية يعيد إلى أذهان العراقيين نمط حكم البعث القرابي، الذي كان صدّام حسين، الرئيس الأسبق للعراق، قد أرساه في بلاد ما بين النهرين.

وسخرية من حالهم يردّد العراقيون بشكل مستمر “كنا بصدام وصرنا بألف”، ملمّحين إلى سلطة المسؤولين التي أخذت تتفاقم وتحوّل البلاد إلى ملكية لهم ولأقربائهم، من دون أن يحظى هذا الأمر بمحاسبة السلطة القضائية التي أخذت أصلًا تتقلّص بسبب صعود الأعراف العشائرية متجاوزة كل القوانين.

تكاد أسعار الوظائف الحكومية في العراق تكون شبه معلنة، وهي تتفاوت ما بين وزارة وأخرى، حيث تتربع وزارة النفط على رأس قائمة الأسعار

إلا أن زينة صعقت حين قابلها موظف كبير في وزارة التربية بعد أن توسط لها جارهم الإعلامي لتلك المقابلة، قالت إن الموظف طلب منها ثمانية آلاف دولار ثمنًا لتوظفيها مدرسة ثانوية، بعد أن خفض ألفي دولار من السعر السائد “لأجل عيني جارهم الصحفي”، وفقًا لحديث لـ”الترا صوت“.

وتكاد أسعار الوظائف الحكومية في العراق تكون شبه معلنة، وهي تتفاوت ما بين وزارة وأخرى، حيث تتربع وزارة النفط على رأس قائمة الأسعار، التي قد تصل إلى 15 ألف دولار نتيجة رواتب الوزارة، التي تكون عادة مرتفعة قياسًا برواتب الوزارات الأخرى، تليها وزارة الكهرباء ثم وزارة التربية وصولًا إلى ذيل القائمة، الذي تقبع فيه الوزارات الخدمية التي غالبًا ما تكون التعيينات فيها وفق نظام الأجور اليومية.

وتبلغ قوة العمل في العراق نحو عشرة ملايين موظف، يعمل ما يقارب الأربعة ملايين ونصف المليون منهم في القطاع الحكومي، حيث يبلغ مجموع مرتباتهم بحدود 41 تريليون دينار (نحو 34 مليار دولار) فيما يعمل الآخرون في القطاع الخاص دون أية ضمانات وتحت طائلة الطرد من العمل دون إنذار مسبق ودون تعويضات، ويضاف لهذا العدد قرابة 600 ألف موظف سنويًا، في ظل نسبة بطالة تصل إلى 30 في المئة، غالبيتهم من خريجي الجامعات.

الإجراءات الحكومية للحد من ظاهرة المتاجرة بالوظائف الحكومية خجولة جدًا، وتكاد أن تشكل عاملًا مساعدًا لانتشار الظاهرة. ومن تلك الإجراءات حصر التقدم للوظيفة الكترونيًا عبر استمارة يقدمها الموقع الخاص بالدوائر والمؤسسات المعنية. لكن تلك الاستمارات لا تعدو أن تكون وهمًا يضع المتقدم للوظيفة في دائرة انتظار حلم غير قابل للتحقيق ما لم يدفع مبلغًا قدره 500 ألف دينار لتحريك الاستمارة ووضعها ضمن دائرة التنافس المحسوم أصلًا لمن يدفع ثمن التعيين للمتنفذين في الوزارات أو لأحد الأحزاب الدينية المشمولة بالمحاصصة في تلك الوظائف.

الإجراءات الحكومية العراقية للحد من ظاهرة المتاجرة بالوظائف الحكومية خجولة جدًا، وتكاد أن تشكل عاملًا مساعدًا لانتشار الظاهرة

وتؤكد شروق العبايجي، النائبة عن التحالف المدني الديمقراطي في البرلمان العراقي، أن ظاهرة بيع الوظائف مستشرية في جسد الحكومة العراقية. وأوضحت أن “المواطن يدفع 10 آلاف دولار مقابل حصوله على تعيين بدوائر الدولة”، لافتة إلى وجود “شكاوى تفيد بلجوء المواطنين إلى دفع 10 آلاف دولار لقاء حصولهم على وظيفة و500 دولار لفتح موقع المؤسسة التي تحتاج إلى تعيينات”.

أن “أكبر مشكلة في مؤسسات الدولة والتي لا يمكن السكوت عليها هي التعيينات ضمن الواسطة”. وتبين أنه وفق قرار مجلس الوزراء رقم 1 تكون التعيينات معلنًا عنها في المواقع الرسمية للمؤسسات، وهذا يتعارض مع مضمون الموازنة المصوت عليها داخل البرلمان، التي تنص على أن تكون الأولوية في التعيين لأصحاب العقود والأجور اليومية، الذين تجاوزت عقودهم الثلاث سنوات، مشددة على ضرورة أن يكون القرار لتثبيت العقود. وتوضح بالقول: “هناك من يستغل علاقاته بالأحزاب المتنفذة ويأخذ مبالغ طائلة من أجل التعيينات وهذا يمثل خطرًا على أداء الدولة“.

هكذا فإن الوظائف الحكومية تدار من المتنفذين في المؤسسات الحكومية وأحزاب السلطة في العراق، ويكون الضحية الشباب الذين أصبحت شهاداتهم الجامعية محض ورقة معلقة على الجدران. وهذه الظاهرة تتفاقم يومًا بعد آخر نتيجة الفساد الذي ينخر في جسد الدولة العراقية، وليس ثمة أمل بالقضاء على تلك المافيات سوى بالقضاء على ظاهرة الفساد التي يبدو أنها ترافق السياسيين والأحزاب الممسكة بالسلطة، ما يعني أن القضاء على الفساد يستوجب القضاء أو تحييد تلك الأحزاب وأولئك السياسيين، وهذا الأمر يبدو بعيد المنال بالنسبة للعراقيين، على الأقل في المستقبل المنظور.

من المفهوم أن يحيط بعمليّة الانتخابات الكثير من السلوكيات غير المألوفة سياسياً، والأفعال العدوانيّة، ومحاولات التسقيط المتبادل، والسعي إلى نشر الفضائح وتداولها، واستمالة الناخبين عبر وعود والتزامات لا يتمّ تنفيذها في الغالب,لكن من غير المفهوم أن تتحوّل الانتخابات بورصة للوظائف الحكوميّة، وأن يتحكّم المرشّحون من هذا الطرف أو ذاك بالآلاف من الدرجات الوظيفيّة في الدولة، التي يتمّ استحداثها قبيل الانتخابات فتتحوّل بطاقات انتخابيّة بالطبع، ثمّة هامش من الكذب والادّعاء حول قدرة المرشّح على توفير وظائف في الدولة لمن يدلون بأصواتهم لصالحه أو يشاركون في دعم حملته الانتخابيّة. لكن إلى جانب هذا الهامش، ثمّة ما يحدث بالفعل على الأرض. فبعض السياسيّين النافذين أو شيوخ عشائر أو رجال دين في هذه المنطقة أو تلك، يوزّعون عشرات من الوظائف على أبناء عشائرهم أو أتباعهم في مقابل انتخاب الجهة المانحة ويعتبر العديد من الشباب العاطلين عن العمل أن موسم الانتخابات هو فرصة ملائمة للحصول على وظيفة رسميّة. وهم ينتظرون هذه الفرصة في كل موسم انتخابي، فيجولون على المرشّحين الذين يفتحون أبوابهم ومكاتبهم أمام الأهالي في مثل هذه الأيام ليعودوا فيغلقونها بعد انتهاء الانتخابات واللافت أن معظم الوظائف التي تُستخدم كورقة انتخابيّة، تأتي في مجال القوى الأمنيّة والجيش، ما يشير إلى أن هاتَين المؤسّستَين ما زالتا بطريقة أو بأخرى تُستخدمان في نطاق عمليّة الاستقطاب الحزبيّة والانتخابيّة والمشكلة الأساسيّة في هذه الظاهرة هي أنها تكشف حجم الإرباك في صميم أداء الدولة الإداري، وتؤشّر إلى استمرار النفوذ الحزبي في هيكليّة الدولة ومؤسساتها. كذلك فإنها تؤكد على أن عقليّة “المحاصصة الحزبيّة” ما زالت تسيطر على الطيف السياسي العراقي الذي تحفل شعاراته الانتخابيّة بالحرب على المحاصصة والمحسوبيّة والفساد,تحويل الوظيفة الحكوميّة إلى بطاقة انتخابيّة نوع من أنواع الفساد البيّن والواضح، لكنه في الوقت نفسه فساد منظّم يستثمر خللاً أساسياً ومستمراً في الدولة العراقيّة.
ومن خلال شيوع هذه الظاهرة، من الممكن ربما تلمّس الأسباب التي تمنع القوى السياسيّة العراقيّة من تفعيل عمل “مجلس الخدمة الاتحادي” المعطّل منذ سنوات، على الرغم من إقراره بشكل قانوني في العام 2009 وإجراء تعديلات عليه في العام 2011.
ولعلّ قيمة هذا المجلس هي في أنه يحصر وينظّم آليات التوظيف في مؤسسات الدولة ضمن نطاق معايير قانونيّة، أي إنه من المفترض أن لا تكون خاضعة لإرادة الأشخاص أو الأحزاب,وبصرف النظر عن أن القوى العراقيّة ما زالت تتبادل الاتهامات حول أسباب عدم تفعيل القانون، فإن المحصلة الموضوعيّة هي أن المجلس لم يمارس اختصاصاته ولم يتم تأسيسه فعلياً وما زالت الوظائف تتحوّل في موسم الانتخابات أصواتاً انتخابيّة.عندما يتحدّث المواطن العراقي البسيط عن فقدان ثقته في الوسط السياسي، وعندما يتلمّس أي مراقب للأوضاع في العراق حالة الإحباط العامة لجهة إمكانيّة مساهمة الانتخابات في إحداث إصلاحات حقيقيّة في البلد أم عدمها، فإن السياسيّين يدافعون بضراوة عن مواقفهم ويحمّلون الناخب مسؤوليّة سياسيّة ودينيّة لمقاطعته الانتخابات ويتّهمون في السرّ المجتمع العراقي بأنه لايمتلك الثقافة الديمقراطيّة المطلوبة. لكن في الواقع، للإحباط الاجتماعي مبرّراته في ضوء العجز عن المضي إلى الأمام في بناء أسس الدولة والانشغال بدلاً عن ذلك بشعارات ومعارك وأزمات سياسيّة، عندما يتمّ تحليلها لا نجد أنها تتعلق بعصب الدولة وإنما بمتغيّرات.
ويبقى أن “مجلس الخدمة الاتحادي” مثال على إهمال الوسط السياسي العراقي لعصب الدولة، وهو مثال أيضاً على استمرار محاولات “استغفال” الناخب العراقي، عبر وظائف يتمّ توزيعها في زمن الانتخابات…بعد تأجيل التصويت عليها لأكثر من مرة، ووسط صخب الخلافات السياسية حول حقوق إقليم كردستان العراق والمحافظات النفطية وموازنة الحشد الشعبي، أقر البرلمان العراقي الموازنة العامة لسنة 2017 باحتساب سعر برميل النفط بـ42 دولارًا، وصادرات النفط بمعدل 3.75 ملايين برميل يوميًا، منها 250 ألف برميل من حقول النفط في المناطق الكردية شمالي العراق..

موازنة العراق الجديدة تقشفية، تستقطع نسبة 3.8% من مخصصات القطاع العام لسد احتياجات نفقات الحشد الشعبي ودعم النازحين ونفقات أخرى

وحضر جلسة البرلمان 186 نائبًا من أصل 328 نائبًا، وبلغت قيمة الموازنة أكثر من 79 ترليون دينار (68 مليار دولار) وقيمة عجز إجمالية بلغت 21 مليار دولار.

وجرى إقرار الموازنة في ظل احتجاج نواب محافظة البصرة، أكبر المحافظات المنتجة للنفط جنوبي العراق، المطالبين بتفعيل قانون البترودولار، الذي يمنح المحافظات المنتجة للنفط مبلغ خمسة دولارات مقابل كل برميل نفط يستخرج من حقولها، وأيضًا غاب عن الجلسة الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي قال محسن السعدون، رئيس كتلته في البرلمان، إن “تمرير الموازنة لم يحل القضايا العالقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، بما في ذلك صادرات النفط، وأن الموازنة لم تخصص ما يكفي من الأموال لرواتب موظفي الحكومة ومقاتلي البيشمركة في كردستان“.

وأعلنت حكومة إقليم كردستان، صراحة، أنها لن تكون ملزمة بقانون الموازنة الاتحادية إذا لم تؤخذ ملاحظاتها وتحفظاتها بنظر الاعتبار قبل تشريعه. وتقول حكومة الإقليم إنها بحاجة شهريًا إلى 880 مليار دينار عراقي (نحو 733 مليون دولار) لدفع رواتب الموظفين، وليس 317 مليار دينار (نحو 264 مليون دولار) التي تم تحديدها بمشروع الموازنة.

وبما أن الموازنة تقشفيّة بامتياز، إذ تستقطع نسبة 3.8% من مجموع الرواتب والمخصصات لجميع موظفي الدولة والقطاع العام والمتقاعدين لسد احتياجات الدولة من نفقات الحشد الشعبي ودعم النازحين ونفقات أخرى، فإن الخوف سرى في الشارع العراقي من قدرة الحكومة أساسًا على الإيفاء بوعودها بتسديد الرواتب، وتجدر الإشارة إلى أن عدد الموظفين في القطاع العام يشكّل أكثر من 6 ملايين نسمة، من أصل 36 هم عدد سكّان العراق، وهو ما يجعل الدولة “المعيل الأساسي” لعدد كبير من العائلات العراقيّة.

وقالت عضو اللجنة المالية في البرلمان العراقي نجيبة نجيب، إن “الاستقطاعات التي شهدتها موازنة العام الجاري برواتب الموظفين جاءت بسبب الظرف الاقتصادي الذي مر به البلد نتيجة انخفاض أسعار النفط وخوض القوات الأمنية معارك شرسة ضد الإرهاب مما استنزف أموالًا كبيرة، وجعل البلد بحاجة إلى السيولة النقدية“.

وبدا أن الموظفين يشكّلون عبئًا حقيقيًا على الحكومة، إذ تضمّن بند في الموازنة منح الموظفين إجازة لمدّة خمسة أعوام مقابل تلقيّهم الراتب الرسمي كاملًا، وهو عادة لا يتضمن مخصصات الخطورة والزوجيّة، وبالتالي سيكون قليلًا جدًّا، وسرى خوف في بعض الوزارات التي تشهد تضخمًا في عدد الموظفين من أن تصبح هذه الإجازة “فرضًا” عليهم.

موازنة العراق لعام 2017 تستمر في استنزاف الثروة العراقية من النفط، إذ لا تزال تعتمد بنحو 97% على إيرادات النفط

ومنعت موازنة عام 2017 التوظيف في الدوائر الحكومية، إضافة إلى منع التوظيف “في الدرجات الخاصة” وهي وظائف قيادية بدرجة مدير عام فما فوق، وحددتها بالحاجة الماسة إلى ذلك، وفرضت الموازنة ضريبة مطار بمبلغ مقطوع مقداره 20 دولارًا للتذكرة الواحدة في جميع المطارات العراقية للسفر الخارجي وتُقيد إيرادًا للخزينة العامة، علاوة على الاستمرار بفرض ضريبة على الاتصالات تبلغ 20%.

إلا أن الأكثر خطورة في قانون الموازنة هو لجوء الحكومة إلى سدّ عجر 20 مليار دولار من الاقتراض الداخلي والخارجي، إذ سيتم سدّ العجز من أرصدة حسابات الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة لدى المصارف الحكومية والسندات الوطنية للجمهور وسندات وحوالات خزينة إلى المصارف الحكومية، فضلًا عن إصدار حوالات خزينة وسندات وطنية للجمهور وسندات وحوالات للمصارف الحكومية تخصم لدى البنك المركزي العراقي وقروض من المصارف التجارية، إضافة إلى الاقتراض من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والوكالة اليابانية للتعاون الدولي لدعم الموازنة وإصدار سندات وقروض خارجية.

واعتبر محللون اقتصاديون أن موازنة عام 2017، والموازنات التي سبقتها هي استمرار في استنزاف الثروة الوطنية العراقية من النفط، إذ لا تزال الموازنة تعتمد بنحو 97% على إيرادات النفط. وقال حامد الجبوري، الخبير الاقتصادي، إن “ما يدلل على اعتماد العراق على النفط هو نسبة الإيرادات النفطية من الإيرادات العامة التي لم تنخفض عن 97% كمعدل للمدة 2005-2013 لكنها سرعان ما انخفضت إلى 83.62% وإلى 85.40% من إجمالي الإيرادات العامة في عاميّ 2015 و2016، والسبب هو انخفاض أسعار النفط العالمية”، وأشار إلى أن “هذا ما تسبب في حساب موازنة هذين العامين على أساس 56 دولار للبرميل الواحد وبطاقة تصديرية قدرها 3300 ألف برميل يوميًا في عام 2015، و45 دولار للبرميل الواحد وتصدير 3600 ألف برميل يوميًا في عام 2016“.

وفي الواقع، فإن واقع الاقتصاد والخدمات المترديّة لن يتطوّر في الموازنة العراقية المُقّرة حديثًا إذ إنها في غالبها تسعى إلى سد المرتبات، وتمويل الحرب المستمرة على تنظيم “داعش”، وهو ما يعني المراوحة في المكان ذاته على صعيد خفض مستويات الفقر والبطالة والسكن.

وفي تشرين الأول/أكتوبر الماضي، قام حازم حمود بنشر مقطع فيديو، على مواقع التواصل الاجتماعي وعبر صفحات تابعة له، لغرض الترويج لشقيقته وزيرة الصحة وإظهار الموظفين، لاسيما البسطاء منهم، وهم يشكرون الوزيرة لقبولها تعيينهم في الوزارة بصفة منظفين.

يردّد العراقيون ساخرين “كنا بصدام وصرنا بألف”، ملمّحين إلى سلطة المسؤولين التي أخذت تتفاقم وتحوّل البلاد إلى ملكية لهم ولأقربائهم

وفي سياق السياسة العراقيّة، لا يبدو أن أشقاء الوزيرة المتنفّذة وحدهم من يتجاوزون القانون مستغلين سلطة أقربائهم، إذ ثمّة من يشجّع أساسًا المقربين منه على هذا الأمر، كما حصل في عام 2013، مع نجل رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي شغل الشارع بالصفقات التي أبرمها بمشاركة رجال أعمال، فضلًا عن السلطة التي يملكها في القوات الأمنية والتي جعلت عددًا من النواب البرلمان يشتكون منها.

وفي لقاء تلفزيوني، بدا المالكي سعيدًا وهو يتحدّث عن نجله الذي قام بما سماه “عمل بطولي” بالقبض على أحد رجال الأعمال، بعدما أن نفد هذا الأخير من قرارات القضاء ومن مذكرات إلقاء القبض بالرشى التي ترتّبت عليه بسبب عدم تسديده للديون المستحقّة عليه من قبل المؤسسات الحكوميّة.وبطبيعة الحال، لم يكن أحمد، نجل المالكي، يملك أيّ منصب رسمي، وفي تنفيذ عمليّة الدهم ذاتها، وعلى العكس مما روج المالكي بأن ولده كان يريد فرض القانون، اتضح لاحقًا أن رجل الأعمال شريك أحمد في عدد من صفقات الفساد، و”العمل البطولي” لم يكن سوى تهديد من نجله لرجل الأعمال لأنّه حاول التملص من دفع حصّته من الصفقات الفاسدة، بحسب ما تداول الإعلام,وبعد نجل المالكي، جاء ابن هادي العامري، وزير النقل السابق، والقيادي في ميليشيات “الحشد الشعبي”، إذ أجبر هذا طائرة قادمة من بيروت على عدم الهبوط في مطار بغداد عام 2014، وأعادها إلى العاصمة اللبنانية مجددًا لأنّ الطيّار لم ينتظره رغم تأخره على الرحلة أكثر من ساعة.

وفي آب/أغسطس العام الماضي، كشفت جلسة استجواب وزير الدفاع خالد العبيدي في البرلمان عن نفوذ الأبناء والأقارب بشكل علني، وفي الوقت الذي قرّر فيه العبيدي فضح أعضاء كتلته الذين طلبوا منه إحالة عقود إلى أقارب وتجّار يخصوّنهم، سارع النواب المتهمون إلى فضح الوزير، والحديث عن ابنه الذي يسيطر بشكل كامل على الصفقات في الوزارة,وإذا ما كانت كل هذه الأحداث جرت في العلن وعلى شاشات التلفزة وبلسان المسؤولين أنفسهم، فإن سكّان العراق يتحدثون عن حكايات مضاعفة عن تجاوز في الشوارع من قبل حمايات المسؤولين على المواطنين، أو اغتصاب منازل من الأقليات