الإمام زين العابدين يقدم النصح

بقلم: احمد الركابي

تنطلق النصيحة أساساً من حُب الناصح لمن حوله وشفقته عليهم ورغبته في إيصال الخير إليهم ودفع الشر والمكروه عنهم، والمهارات المهمة التي يجب أن يتمتع بها كل شخص يحب أن تُقدم النصح والإرشاد وأن يتمتع بأسلوب يتسم بالقوة والإقناع وجذب انتباه الآخرين.
لا يمكن لأي إنسان أن يستغني عن النصيحة في جميع مواقعه ومواقفه، فيحتاج إليها الحاكم في سياسته وإدارة شؤون أمته، ويحتاج إليها رب الأسرة في إدارة أسرته، ويحتاج إليها المعلم والمربي في تعليمه وتربيته، ويحتاج إليها الداعية في تبليغ دعوته، ويحتاج الفرد في كل زمان ومكان إلى نصيحة أخيه الإنسان.
والنّصحُ مِن صفاتِ الأنبيَاء والمرسَلين والمؤمنِين، والغشُّ والخِداع والمَكر وفسادُ النوايا من صفات الكفّار والمنافقين، قال الله -تعالى- عن نوحٍ عليه الصلاة والسلام: أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف:62].
نعم النصيحة من أهم مقومات المودَّة وأعظم لوازم المحبة، ولم تتم الأخوّة ما لم تكن النصيحة رائدها وباعثها، ومن لم يكن ناصحاً لأخيه فليس بأخ، وهي الدرع الحصين من وقوع المؤمن في الوقائع التي لا يرغب بها، أو التي حذَّر الشارع منها.
فإنَّ مَن نَصَحَ أخاه سِرّاً فقد زانه، ومن نصحه جهراً فقد فضحه وشانه، وإن كان لا بد من الجهر بالتوجيه والنصيحة، فليكن ذلك بالإيماء والإشارة التي تكشف عن النصيحة المطلوبة محفوفةً بالستر، بعيداً عن الفضائح، وهو أسلوب حكيم اتَّبَعَهُ النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث كان من هديه -صلى الله عليه واله وسلم- أنه إذا رأى شيئاً من أصحابه أو بَلَغَهُ عنهم شيء، وأراد أن يدلَّهم وسائرَ أصحابِه على الحق فيه؛ فإنه لا يُصرِّحُ بأسمائهم ولكنه يُلَمِّحُ؛ فيسترُهم، ويحصلُ مقصودُه -صلى الله عليه وسلم- من النصح، فيقولُ صلى الله عليه وسلم: ((مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا؟!))[6]..
وأوضح سيد الساجدين الإمام علي بن الحسين -عليه السلام- في صحيفة الحقوق حق الناصح: (ان تلين له جناحك وتصغي إليه بسمعك، فإن أتى بالصواب حمدت الله عز وجل، وان لم يوفق رحمته ولم تتهمه وتؤاخذه بذلك)([37].
ومن هنا نفهم الدور الذي قام به أئمة الهدى -عليهم السلام- في النصح والإرشاد. هذا ما أشار إليه المعلم الأستاذ الصرخي في بحثه الموسوم (الدولة .. المارقة .. في عصر الظهور … منذ عهد الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-) ضمن سلسلة بحوث: تحليل موضوعي في العقائد والتأريخ الإسلامي -26 محرم 1438 هـ – 28 /10 / 2016م) جاء فيه :
))لنطلع ونفهم الموقف الشرعي الأخلاقي للإمام علي بن الحسين – عليهما السلام – وهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقدم النصح للعالم الشيخ الزهري بعد قبوله للعمل في البلاط الأموي كمرشد ديني ومرجع أعلى ومفتي الخلافة أو رئيس ديوان الوقف أو وزير أوقاف أو …أو…، وقد صدر ذلك الموقف من الإمام زين العابدين -عليه السلام- بالرغم من تسلط الحكم الأموي وقساوته على المسلمين وعلى أهل البيت -عليهم السلام- بصورة خاصة، وليست مجزرة العاشر من محرم ببعيدة زمانًا، فمخالفة الإمام للتقية الشديدة جدًا دليل على أهمية وضرورة الرسالة وما جاء فيها من معاني شرعية وأخلاقية ومجتمعية عامة شاملة)).
goo.gl/tFRQye