الابتعاد عن الفتنة منهجٌ وسلوك.

الابتعاد عن الفتنة منهجٌ وسلوك.

بقلم: محمد جابر

 

ثمة اعتقاد غير صحيح في كيفية التعاطي مع الفتن قائمٌ على الابتعاد السلبي الملازم للهروب من المسؤولية والوقوف على التل الانتهازي المصلحي الشخصي أو العزلة السلبية الصامتة من أجل السلامة الدنيوية أو الشخصية- التي ليس بالضرورة أن تتحقق- كما يعتقد واهمًا صاحب هذا المنهج…بدليل قوله تعالى: « وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ»،(الانفال: 25)…

بَيْدَ أنَّ المنهج الإلهي القرآني النبوي حدَّد لنا خارطة متكاملة للتعاطي مع الفتن بكل أنواعها، وهذا المنهج قائم على ركيزتين أساسيتين البصيرة والتقوى، وهذا هو المستفاد من القرآن الكريم والسنة المُطهرة، فقد ورد عن الإمام علي- عليه السلام- ما يؤكد هذه الحقيقة ويتجلى ذلك في طريقة تعاطيه مع الفتن التي واجهته داعيًا في الوقت ذاته المسلمين إلى التمسك بهذا المنهج القرآني ففي نهج البلاغة، يقول-عليه السلام-،: « وَإِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي مَا لَبَّسْتُ عَلَى نَفْسِي وَلَا لُبِّسَ عَلَيَّ »،

وأيضا في نهج البلاغة يشير- عليه السلام- إلى الركيزة الثانية في مواجهة الفتن والتي هي ركيزة التقوى حيث يقول: « وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً مِنَ الْفِتَنِ وَنُوراً مِنَ الظُّلَمِ »، والتقوى هنا هي التقوى القرآنية الرسالية التي تبعث وتحرك صاحبها نحو الخير وتمنعه من الشر.

يقول الأستاذ الصرخي: «لا يكفي الابتعاد وعدم الوقوع في الفتنة أو في الفتن الكبيرة، بل يجب ترويض النفس وأنْ يكون الابتعاد عن جميع الفتن الصغيرة والكبيرة, وأنْ يكون الابتعاد ليس للسلامة الدنيوية أو الشخصية أو الجزئية، بل يجب أنْ يكون الابتعاد منهجًا وسلوكًا ورسالة وأمرًا ونهيًا وجهادًا واعتقادًا ويقينًا».

يتضح مما سبق وغيره مما لم نذكره دفعًا للإطالة أنَّ الموقف الرسالي من الفتن هو أن يكون الإنسان في طريق وخندق الحق وكهف الحق وسفينة الحق التي يأمن من ركبها ويغرق من تخلف عنها، وليس أن يكون على التل المصلحي الانتهازي الشخصي ولا في نفق العزلة السلبية الصامتة التي تجعل الإنسان في خانة الباطل بتركه نصرة الحق، فقد جاء في حديث أبي أيّوب الأنصاري أنّ رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- قال لعمّار: «سيكون بعدي هنات حتّى يختلف السيف فيما بينهم، وحتّى يقتل بعضهم بعضًا وحتّى يتبرّأ بعضهم من بعض، فإذا رأيت ذلك فعليك بهذا الأصلع عن يميني، عليّ بن أبي طالب-عليه السلام- فإن سلك الناس كلّهم واديًا (وسلك عليّ واديًا) فاسلك وادي عليّ»، فالملاحظ أن النبي لم يأمره بالوقوف على التل الانتهازي ولا في نفق العزلة السلبية ولا غيرها، وإنما أمره أن يكون في طريق وجبهة وكهف وسفينة الحق والخير بالقول والعمل.