السجاد يقيم العزاء على مصيبة الحسين

بقلم: احمد الركابي

إن ثورة الأمام الحسين -عليه السلام- ثورة إنسانية كبرى بكل أبعادها وتفاصيلها. رغم أنها حدثت في عصر تأريخي معيّن إلّا أن شعاع مبادئها وأبعادها الإنسانية والروحية والقيميّة الكبيرة باتت قبسًا يُهتدى به ونبراسًا مضيئًا على طول المدى لكل الأمم على الأرض وعبر تأريخها الطويل مع استمرار ظاهرة الظلم والإضطهاد والإستعباد في العالم.
وقفتُ طويلاً وأنا أقرأ هذا السفر العظيم من التضحية والفداء والبطولة والإيثار، لأقارن بينه وبين ما نعيشه الآن جراء ابتعادنا عن هذه القيم ورضوخنا للتسلّط والتجبّر والظلم وخنق الحريات والإستغلال والإستعباد، وميلنا إلى الشعارات الجوفاء والمبادئ المنحرفة المستوردة، فتساءلت: هل يكفي لنا أن نردد قولنا للحسين: (يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً) ونحن أبعد ما نكون عنه وعن قيم التي ضحّى من أجلها؟.
حيث يتجلّى الهدف السامي من ثورة الحسين واستشهاده في قوله: (أيها الناس: إن رسول الله صلى‌ الله ‌عليه ‌وآله قال: (من رأى منكم سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير ما عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله، ألا وإن هولاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله، وحرّموا حلاله).
وعليه فقد جسّد الإمام –عليه السلام- أرفع معنى وأقدس غاية للإنسان والإنسانية في تحقيق المبدأ والعقيدة والخير ومقارعة الفساد والظلم والطغيان حتى نال بذلك الشهادة فكان أعظم ثائر وأعظم ما يكون عليه شهيد فهو سيد الشهداء وأبو الشهداء وأبو الأحرار جميعا.
ومن هذا المنطلق العاشورائي الإنساني التربوي الذي من خلاله نعرف معاني العزة والشموخ، فقد أوضح الأستاذ المحقق الصرخي وأشار الى دور الأئمة -عليهم السلام- حول تربية الأجيال على إحياء ثورة الحسين -عليه السلام- وهذا مقتبس من كلامه الشريف جاء فيه :
))لترسيخ الثورة الحسينية وأهدافها في أذهان الناس وقلوبهم ولشحذ المخلـصين وتأسـيس الاسـتعدادات الروحيـة والجسدية وتحقيق التكاملات الفكرية والعاطفية والسلوكية، ولتهيئة القواعد والشرائح الإجتماعية التي تحتضن أطروحة الأخذ بالثأر والمحقق للعدل -عليه السلام- والإنتصار له -عليه الـسلام- والثبـات علـى ذلـك، تــصدّى الأئمـة المعصومون -عليهم السلام- لتربية الأجيال وتحقيق الأهداف، وقد جعلوا المنبر الحسيني الوسيلة الرئيسية في تلك التربيـة الرسالية الإلهية، فقد عقدوا المجالس وأرشدوا الناس إلى ما يترتب عليها من آثار في الدنيا والآخرة، وإليك بعض مـا يشير إلى سيرة المعصومين -عليهم السلام- في إحيـاء ثـورة الحسين -عليه السلام- وواقعة الطفّ:١ -الإمام السجاد -عليه السلام- يأمر برثاء الحسين -عليـه السلام- ورد أنّ الإمام السجاد -عليه السلام- أمر بشرًا (بشر بـن حذام) برثاء الحسين -عليه السلام- إذ قال -عليه الـسلام-: (يا بشر، رحم الله أباك لقد كان شاعرًا، فهل تقدر على شيء منه؟) قال بشر: نعم يا بن رسول الله قال -عليه السلام-: (ادخل المدينة، وانعَ أبا عبد الله) قال بشر: فركبت فرسي، وركضت حتى دخلت المدينـة فلما بلغت مسجد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم– رفعت صوتي بالبكاء وأنشدت: يا أهل يثرب لا مقام لكم بها
قُتل الحسين فأدمعي مدرارُ
الجسم منه بكربلاء مضرّج
والرأس منه على القناة يدارُ.
مقتبس من بحث: ” الثورة الحسينية والدولة المهدوية ” للمرجع المعلم االسيد الصرخي الحسني –دام ظله- مستدلًا خلاله على ‎مشروعية الحزن والبكاء وعقد المجالس وبمصادر شيعية وسنّية.
goo.gl/y3G1pq
والحسين –عليه السلام- في ثورته العظيمة يعلمنا كيف يكون الإنسان شجاعاً في الحق لا ترهبه صولة الباطل ولا تخدعه زهرة الحياة عن أداء رسالة الحق والخير والإيمان ولا يداهن على حساب دينه وكرامته، حتى إذا عاش عاش عزيزاً، وإذا قضى قضى مع الأبرار.