النهضة الحسينية بين الديمومة والتجديد

_____________________

لماذا جرت السيرة الإلهية المقدسة في دعوتها الصادقة الرسـالية الإسلامية على إعطاء صفة الاستمرارية والديمومة والتجديد للثورة الحسينية على طول التاريخ؟!

عادةً ما تُبلى الثورات وتفقد عمقها الأيديولوجي والروحي، وقد تتحوّل إلى إرهاب فتغدو الثورة مجرمة، بينما تستمر طراوة الثورة الحسينية توحي بالكثير من المعنى والقيم والإنسانية والأمل والعدالة والسّلام ومناهضة الظّلم! 
إنَّ أقوى وأكمل الأفكار الاجتماعية هي التي تتسع للمعقول واللاّمعقول..
لقد كانت ثورة كربلاء في أصلها التّاريخي تجري على أرض الواقع وتواجه منتهى التّعسف بقدر ما تتمثّل منتهى التّحرر. فهي لوحة رومانسية على أرض الواقع التاريخي، تهاوت فيها هواجس الاستبداد إلى أسفل درك النزول وارتقت فيها مُهج التّحرر إلى منتهى مدارج الكمال.
لأوّل مرّة في تاريخ النوع وليس في تاريخ المسلمين، تقوم ثورة لأجل هدف غير السّلطة، بل لأجل حفظ الكرامة واسترجاع التحرّر وحماية مكتسبات الإنسان.
ثورة الحسين هي نزعة أكثر مما هي ثورة. نزعة دائمة لها صلة بالشعور الإنساني وطبائع النّوع، فهي لن تكون محض ذاكرة بل هي إحساس دائم ووجدان مُعاش.
فالحسين بات عنوانًا لهذا الإحساس عند محبّيه، إحساس لا تقدحه الذّاكرة بل يستدعيه المستقبل، ويمكننا مقاربة الحدث الحسيني في كربلاء في ضوء الحدث الحسني في الصّلح، في محاولة للتفريق بين من جمع بينهما الرسول -صلى الله عليه وآله- مُذ قال: “الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة” وقد كان الحسين في عهد الصّلح وصالح على الشّروط التي تحفظ الكرامة وتحقن الدماء، كما لم يكن أمام الحسن لو عاصر محنة الحسين إلاّ أنْ يكون كربلائيًا حينما تهدر الكرامة وينتهك عقد الصّلح وتستباح الدّماء.
هناك مساحات حقيقية يسمح بها الخطاب الديني العالم للممارسة الاجتماعية للدين، بوصفها مساحات تعزّز من مكانة الدّين وفاعليته، فلا يمكن أنْ يوجد دين من دون تعبير اجتماعي، كما لا يمكن أنْ يكون التعبير الاجتماعي من دون طقوس ثقافية نابعة من خبرات اجتماعية مخصوصة. لكن وظيفة الخطاب الدّيني العالم هو مراقبة حدود هذه التعبيرات ومقاومة الشَّطط، حتى لا يتمّ بذلك تعدّي حدود الله. وحدود الله هو المعقول من الدين والشريعة والعقل. 
إنَّ قصّة هابيل وقابيل ومواقف ابراهيم ومشهد أصحاب الأخدود وتضحيات موسى وسائر الأنبياء والصّالحين هي مظهر من مظاهر الحدث العاشورائي حينما ينبري الحقّ كلّه للظّلم كلّه، ولعل أفضل طرح معقول للقضية الحسنية وسر ديمومتها هو ما جاء من قولِ في بحث (الثورة الحسينية والدولة المهدوية) للسيد الأستاذ المحقق الصرخي والذي قال فيه: “جرت السيرة الإلهية المقدسة في دعوتها الصادقة الرسـالية الإسلامية على إعطاء صفة الاستمرارية والديمومة والتجديد على طول التاريخ وهذا الإجراء لا بُدّ منه مـا دام إبلـيس والهوى والنفس وشياطين الجن والإنس كلّهم أعداء الحـقّ ومسيرته، ولهذا تتالى بعث الأنبياء والمرسلين -عليهم الصلاة والسلام- وتلازم مع ذلك مـساندة ومـؤازرة الأنبيـاء والصالحين -عليهم السلام-، وعلى هذه الـسيرة كانـت الثورة الحسينية حياة وروحًا وصـيانةً للنهـضة وامتدادًا للرسالة المحمدية -صلوات الله على صاحبها الـنبي وعلـى آله-، وعلى هذا الأساس احتاجت النهضة الحسينية الـتي جعلها الشارع المقدس المحـور والقطـب إلى الاسـتمرار والديمومة والتجديد على طول التاريخ حتى تحقق الأهداف الإلهية التي من أجلها اتّقدت وانطلقت الثـورة المقدسـة”…
فالنهضة الحسينية لا تقرأ في سفر ولا تُحفظ في ذاكرة فحسب بل هي وجدان وشعور متدفّق ونزعة تسكن مشاعر الإنسان من حيث هو إنسان. فحتّى إنْ جهل المرء من يكون حُسينًا، فسيقرأ سيرته عند كلّ موقف إنساني وثورة ضدّ الظلم وإحساس عارم للحرّية والكرامة.