الهدف الأوسع والأسمى .. اقتراب الإنسان نحو الصلاح والتكامل

الهدف الأوسع والأسمى .. اقتراب الإنسان نحو الصلاح والتكامل
فلاح الخالدي
إن الله عندما خلق الإنسان وكرمه بالعقل وجعل المخلوقات في الأرض تحت تصرفه وفي خدمته, لم يكن عبثًا ولكن لعلة أوجده على الأرض لأجلها, وكانت شاخصة وحاضرة في كتابه الذي أنزله على عبده وحبيبه المصطفى- صلى الله عليه وآله وسلم-بقوله-تعالى-((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، وقال ربنا الكريم في آية أخرى بتفضيل الإنسان على سائر المخلوقات ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا), وهنا الكريم العزيز يبين تفضيل الإنسان بالعقل حيث جعله القائد والمدبر لشؤون حياته.
وبعد المقدمة أعلاه تبين أن الإنسان لم يُخلق عبثًا, وعليه يجب أن يتدبر جيدًا في حياته, ويضع أهداف وطرق ومسير يوصله لهدفه الأسمى والأكبر والذي لأجله كانت علة خلقه, وهو الإيمان بالله ومعرفته وعبادته حق عبادة, ولا يأتي هذا الهدف إلا بمقدمات.
ومنها مثلا أن أجعل كل أعمالي وخدمتي للإنسانية وغيرها, وحتى الأكل والشرب, وراحة الجسم والنوم,ومواصلة الناس وغيرها من الأعمال قربة إلى الله وعبادة, خالصة من الماديات والمصالح الشخصية الضيقة, وهنا تسمو الروح لتكون دائمًا حاضرة في قرب المولى الخالق المصور الرحيم.
ففي كلام روحاني عرفاني للمرجع الأستاذ الصرخي من بحثه الأخلاقي (“السير في طريق التكامل”) يبين ويوجه فيه الإنسان للرقي بروحه لتكون في مصافي الصالحين العارفين المؤمنين بالله حقًا, قال الأستاذ..
((ينبغي على الإنسان المسلم اختيار الهدف المهمّ والأوسع والأسمى لأنه كلما كان الهدف ضيقًا وخفيفًا كان أقرب إلى التلاشي في ذهن صاحبه، مما يؤدي إلى فتح باب واسع للتكالب والتزاحم للأمور التافهة وبالتالي الدخول في المحرّمات الأخلاقية الشرعية، وكلما كان الهدف أهمّ وأسمى، قلّت فيه الأخطاء والقبائح بسبب ما يحصل في ذهنه من المقارنة بين هدفه المهمّ المنشود وبين الشهوات التافهة الرديئة، فيلتفت إلى تفاهتها بالقياس إلى ذلك الهدف مما يؤدي إلى نظافة وسعة روحية الإنسان، فكيف إذا كان هدفه رضا الله -سبحانه و تعالى الذي لا تتناهى عظمته ولا تنقطع قدرته ولا تنتهي نعمه؟!، وكلما اقترب الإنسان من هذا الهدف اشتدّت رغبته إليه وأحسّ بعمق أغواره وبُعد منتهاه، وكان ذلك منعشًا لآماله ومؤثرًا في اقتراب الإنسان نحو الصلاح والتكامل، ويكون مثله الأشخاص الذين قال فيهم أمير المؤمنين -عليه السلام- في وصف المتقين: ((كبر الخالق في أنفسهم، فصغر ما دونه في أعينهم)). انتهى كلام الأستاذ.
وعليه نقول أن فقدان محور الحياة، ومن دون المحور يكون وضع الإنسان مضطربًا في داخل نفسه، فيكون في تيه وفقدان للإرادة تتلقفه شياطين الإنس والجن يميناً وشملاً, ويفقد العقل ويصبح همه بطنه وشهواته, وينطبق عليه قول سيد الموحدين علي أمير المؤمنين حيث قال (من كانت الدنيا همه، طال يوم القيامة شقاؤه وغمه)( غرر الحكم: 7542، 9110.).