الوقوف على مسافة واحدة ..مزلقة خطيرة

ليس غريبا بأن نسمع مثل تلك التصريحات من مؤسسات دنيوية أو حتى من رجال ساسة نفعيين إنتهازيين ، ولكن نحتاج أن نقف طويلا ونرى أن من يتزعم هذا الموقف الغريب والشاذ فكريا وعقائديا مؤسسة تدعي الزعامة الروحية والأخلاقية والدينية على الناس ، لذا فأن مقولة الوقوف على مسافة واحدة مع القوائم والكتل دون تمييزها أوتخصيصها هي لاشك نفاق و سكوت شيطاني وتنصل من المسؤولية ولا يخفى هذا على عامة الناس إذن من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر هذا مايميزه ويقرره ويفرضه سلطة العقل ..

#ولعل”
من المضحك والمبكي أن تجد أبواق لهذه المؤسسة يعللون تلك المقولة على أنها لا تعني الوقوف على مسافة واحدة من الصالح والطالح، بل هي تفرق بينهما وتدعو عامة الشعب إلى ضرورة المشاركة بالانتخابات، وأن ينتخبوا الأصلح ويسدوا الطريق بوجه الفاسد الذي لمسوا فساده وجربوه!!!
وهنا يجب أن تكون للقارئ وقفة يتأمل فيها مدى الإمعان بالشذوذ الفكري والنفسي وبالمقابل مدى الاستخفاف بعقول الناس وكأن من يسمعهم لا يفكر بما يقولون!! وأدرج هنا بعض الأمور على سبيل المثال لا الحصر تاركا للقارئ الكريم تلمس ما هو أعمق منها وأخطر على دينه ودنياه وآخرته…
#إن”
معظم المرشحين هم من الدورات السابقة إن لم يكونوا جميعهم موجودون لا يبارحون أي ممارسة انتخابية،فكيف يتسنى للشعب أن يختار الأصلح والكفؤء؟؟ والقرار ما يزال بيد من جرب الناس فسادهم وانتهاكهم لكل المحرمات، وبالمقابل هو يعلم تمام العلم أن الصور الجديدة التي أضيفت للصور القديمة ما هي إلا لعبة من ألعاب التمويه تقتضيها تطورات مراحل لعبة الديمقراطية في البلد، فهذه الصور الجديدة التي علقت ما هي إلا قناع تتخفى وراءه كبار الكتل الفاسدة ، لتعود إلى موقع القرار عندما ينخدع الناس مرة أخرى ويذهبوا للتصويت ليجدوا كل الذين سرقوهم بالأمس هم على سدة القرار اليوم، والمعلن أنهم جاؤوا بصناديق الاقتراع!! وبعد جمعة أو جمعتين سيأتيهم الصوت القديم نفسه ، نوصيكم بالصبر لأربع سنوات أخرى على أمل التغيير نحو الأحسن، ورحم الله القائل : (موت يا حمار لما يجيك الربيع)!!!…….
#حيث”
هناك ملاحظة فنية خطيرة مفادها تقول إن مدة الدعاية الانتخابية ثلاثون يوما لا تزيد ولا تنقص، وعدد المرشحون يقارب العشرة آلاف مرشح ومطلوب من الناس أن ينتخبوا منهم ثلاثمائة وثمانية وعشرين نائبا!! وهنا من حقنا أن نطالب خبراء الإحصاء أن يوضحوا لنا هذه المعادلة العويصة التي لا حل لها سوى في أوهام من صنعوها ،كيف سيسمع الناس البرنامج الانتخابي لكل مرشح في هذه الفترة الزمنية القصيرة مع وجود هذا الانتفاخ السرطاني الهائل بعدد المرشحين؟؟!!
وكيف سيتسنى للناس أن يعرفوا من خلال برامج إنشائية مضحكة من هو الصالح ومن الطالح؟؟!!
#فإذا”
كان موسى(عليه السلام) وهو كليم الله ونبي من أنبياء أولي العزم خليفة لله وقائد الهي للناس لم يستطع أن ينتخب من قومه السبعين ألفا سبعين رجلا مؤمنا يرافقونه للميقات ليكشف الله سبحانه حقيقة ما انطوت عليه نفوسهم من النفاق والخبث، فكيف يستطيع البسطاء وعامة الناس أن ينتخبوا ما عجز موسى كليم الله سبحانه(عليه السلام) وهو نبي ورسول من أولي العزم عن انتخابه؟؟!!
ألا يكفيكم هذا دليلا ساطعا ناصعا على أنكم ستلدغون هذه المرة من نفس الأفعى ومن نفس الجحر الذي كثرت لدغاتكم منه؟؟!!
أليس من واجب المؤسسة الدينية بما أنها نصبت من نفسها راعيا أبويا للانتخابات ولها مواقف نشطة عند حلول موسمها بدرجة لا يقارن بها نشاطها حيال واجباتها الأخرى العقائدية والاجتماعية والاقتصادية، وأولو الألباب يعلمون ،أليس من واجبها أن تقول هذا صالح وهذا طالح تماما كما تفعل مع من يفضح ما خفي منها عند الناس او مايكشفه الساسة انفسهم من أسماء متورطة بالسرقة والفساد فهل هؤلاء هم ازكى وانقى وأشجع من المؤسسة الدينية في كشف الفاسدين أو يكشف لهم الحقائق، بحيث ما إن يصرح أحد الناس بانحراف هذه المؤسسة عن جادة الطريق إلا وانبرت الالسن والأقلام بالتشهير والتسقيط والتفسيق..
#ليت_شعري”
كيف تتحرج المؤسسة الدينية من فضح الفاسدين مع أنها مطلعة على سرائر الأمور، ولا أقل من حق الناس عليها بوصفها الراعي الأساسي للعملية السياسية أن تنصفهم في الخطاب فكما توجب عليهم الذهاب للانتخابات، فكان عليها أن ترشدهم إلى من ينتخبون ممن تراه صالحا ـ بزعمها ـ ولكن تعلمون لماذا في هذا المكان تركت الحبل على القارب ونأت بنفسها عنه؟؟!!
الجواب واضح جدا لما تورطت في الانتخابات الأولى ودعمت قائمة الائتلاف وذاقت الناس من ويلات الائتلاف ما ذاقت، وتوجه نقد الناس لها مباشرة بوصفها هي من جيرت كل الخطاب الديني العاشورائي للترويج للانتخابات ولتلك القائمة، ولكن عندما جد الجد وجدت الناس نفسها قد مكنت يزيد(لع) مرة أخرى، ومرة أخرى كمثل كل المرات السابقة واللاحقة تخذل الحسين(عليه السلام )!!!
#ولذا_علينا أن ننتبه جيداً أن المسافة الواحدة هي مزلقة خطيرة حالها حال المثل القائل (ألقاه في اليم مكتوفا وقال له: إياك إياك أن تبتل بالماء)!! فالمؤسسة الدينية تلقي بكم في مستنقع الفساد مرة أخرى وتقول لكم إياكم إياكم أن تنتخبوا الفاسدين ،هل هذا موقف سليم؟؟!! نعم تعلم المؤسسة الدينية أنها بديمومة الانتخابات كممارسة موسمية فيها إطالة لعمرها وبقائها، وانتهاء هذه الممارسة وانكشاف زيفها هو إعلان لغلق تلك المؤسسة وإشهار إفلاسها، فهي بانخراطها في هذا المسلك تركت مهمتها الرئيسية في إعداد الناس وتعليمهم بما يرضي الله سبحانه وتعالى دون أن تدخل إلى ساحة فيها رضا الساسة وسدنة العملية الديمقراطية الأمريكية والإيرانية!! وشتان بين هذا وذاك ..
#إذن”
المؤسسة الدينية بهذا الموقف تجعل حال الناس ضبابيا، وتتركهم نهبة للذئاب، والراعي الصالح لا يترك غنمه نهبة للذئاب!! بل لأنه راع صالح فهو ينشد الصلاح لأبنائه ورعيته وواجبه أن يرشدهم إلى الصلاح، ولكن مع موقف المسافة الواحدة لا سبيل للصلاح ابداً، ولا مجال للتبرير فالتبرير سيكون حتما أقبح من الموقف بكثير، ومن يتابع خطابات المؤسسة الدينية يصل إلى يقين أن هذه المؤسسة لم يبق لها من الدين غير ما تحتله من الأمكنة، وتتلون كالحرباء من موقف الى آخر ..
#ولعل”ما يتوجه لهذه المؤسسة من انتقادات واضحة وبعضها جريء جدا من الناس عامة يكشف عن أن الوقت قد أزف لإماطة اللثام عن حقيقة تلك المؤسسة للأسف الشديد،وكون وصفها بالدينية لا يعدو الوصف الارتجالي، فهذه المؤسسة اليوم هي مؤسسة سياحة دينية ونذورات وحقوق شرعية تجبيها لها وكلاؤها من هنا وهناك، ولعلها اليوم هي أكبر مؤسسة مالية في العالم تعتاش ببرود على عرق المغفلين، وأموال الجشعين الذين يبحثون عن مخرج شرعي لجشعهم ونهبهم لقوت الفقراء والمهمشين الذين لا يسمع لهم أحد من الخلق صوتا، ولكن صوتهم وأنينهم يسمعه الله سبحانه وأولياءه(عليه السلام)، ولذلك قالوا “يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم” ، فهل هناك من سامع ينظر ويتدبر وينأى بنفسه عن الهاوية؟؟!!

حبيب غضيب العتابي