امتحان النفس ومحاسبتها

امتحان النفس ومحاسبتها
أحمد الركابــــــي

إن تربية النفس ذلك الجهد الشاقّ والعمل المضني؛ فإنّه يتطلّب التعرّف على النفس ومراقبة أفعالها وردود أفعالها ورصد ذلك بدقّة، وربما يقتضي الإستعانةً بالآخرين سعيًا للوصول إلى الأعماق والدواخل الغامضة، ويقتضي المعالجةً المستمرّةً لهذه النفس، وتصفيتها من الشوائب كل يومٍ وليلة لاكتساب العادةٍ الحميدة ، والتخلّص من العادةٍ الذميمةٍ ، والتكيّف مع بيئة أو ظرفٍ مّا أو غير ذلك، إلا أنّ تربية النفس في خاتمة المطاف تصبو إلى التغيير، والانتقال بالنفس ظاهرًا وباطنًا إلى مكانٍ يختلف عن الذي هي فيه..
وبتركِ محاسبة النفس سوف يتسلط الشيطانُ الذي دعا إلى المعصية ، وحذّر من الطاعة ، وزينَ الباطل ، وثبطّ عن العَملِ الصالح وصدّ عنه وبتركِ محاسبة النفس تمكنت الغفلةُ من الناسِ ، فأصبحَ لهم قلوبٌ لا يفقهونَ بها ولهم أعينٌ لا يبصرونَ بها ، ولهم آذانٌ لا يسمعونَ بها ، أولئكَ كالأنعامِ بل هم أضل ، أولئكَ هم الغافلون .
ومحاسبة النفس تقود الإنسان إلى الكمال والرقي وتبعد عنه الغرور والكبرياء.. إنما يتعجرف الإنسان الذي لا يدرى حقيقة ذاته، ولا يعرف نقائصه وعيوبه. أما الذي يحاسب نفسه، وتنكشف أمامه خطاياه وسقطاته وضعفاته، حينئذ يدرك أنه أقل بكثير مما كان يظن في نفسه، وان حاولتْ هذه النفس الأمارة أن ترتفع يذكرها بما اكتشفه فيها من عيوب,فالإنسان فطره الله قابلا للنماء والزيادة وقابلا للانحطاط والتسافل
ومن هذه الرؤية الواقعية فقد نبه الأستاذ المحقق الصرخي في كتاب الصلاة الى محاسبة النفس والارتقاء في طريق الرقي الحقيقي الإيماني قائلاَ :
((الواجب على كل إنسان امتحان نفسه دائمًا ومحاسبتها ومراقبتها ومعرفة مدى التحسن والارتقاء في المستوى العبادي والأخلاقي والفكري عمّا كان عليه سابقًا؛ فإذا وجد أنه قد حصل على الرقيّ والتصاعد في طريق التكامل الحقيقي فليشكر ربّه دائمًا لأنه تعالى الخالق والموفق والمنعم والمسدد في هذا الطريق القويم، وليعاهد الله بأنه سيبقى يثبت في هذا الخطّ التصاعدي نحو الكمال وسيصعّد مستواه الإيماني ويعمّقه فيكون مّمن يذكر الله سبحانه وتعالى في جميع الأحوال والأوقات، ومما يوصلنا إلى هذا المستوى الإيماني ترسيخ الحقيقة الربانية الكبرى في النفس وهي حقيقة ( لا إله إلّا الله ) وأنه تعالى قد بدأ الخلق و خلق الإنسان و کونه في رحم أمه وغذّاه ونمّاه، حتى خرج إلى الدنيا طفلًا لا يقدر على شيء فرزقه، وغذّاه وربّاه وقدّره حتى صار رجلًا، فالحياة والنطق والفكر والقدرة والعيش وغيرها كلّها من نعم الله تعالى وفضله .))
انتهى كلام السيد الأستاذ
نعم هذه وقفات إيمانية وخواطر تربوية ونظرة دقيقة حقيقية؛ لتزكية النفس وتهذيبها، وتطهير القلب وطمأنينته، وانشراح الصدر وراحته، من خلال تصويب البوصلة وتعديل الاتجاه ووضوح الهدف، والارتقاء في تفكير المسلم من النظرة المادية المحضة والتركيز على عوائد مؤقتة زائلة، إلى نظرة شرعية تأصيلية تؤثر الباقية على الفانية، والعائد الأخروي الدائم على الدنيوي المنقطع.
مقتبس من كتاب الصلاة -القسم الثالث للمحقق الأستاذ الصرخي
http://cutt.us/whbLG