ان نهضة الامام الحسن (ع) انما هو فعل اسلامي ايجابي تجاه سلبية الوعي والانحراف

قيمة نهضة الامام الحسين عليه السلام باعتبارها نهجا حضاريا مثل على الدوام احد اشكال الحفاظ على القيم الرسالية وترسيخ معاني استمرار الدين الحنيف.فالوقوف بوجه الظلم والاستبداد كان على مسار التاريخ احد المناهج الاصيله في الحفاظ على المثل العليا، ومن هنا قال الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام:” إن فينا اهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين “. انظر مجمع البحرين 5/52.
منذ البدء جاءت الرسالة الخاتم لتشكل تحديا عنيفا لوعي المجتمع القبلي، بتخليها عن علاقة الانسان بمجتمعه الضيق (القبيلة) لصالح الامة، ولاعادة منهجة تكريس الولاء الفردي ليكون في صالح العقيدة الرسالية، فالله عزوجل لم يترك الانسان يصارع الوجود وتفاعلات الحياة وحده ولكن سدده ولطف به، فكانت الرسالات منهجا وهدى ورحمة، غير ان الامة وفي مرحلة ليست بعيدة عن تاريخ وفاة الرسول الخاتم قد اصيبت بانتكاس في الوعي الجمعي لتخلي قياداتها عن المنهج الرسالي وابتعادها عن الخط الالهي مما شكل انتكاسا سمح للوعي السلبي بالظهور مرة ثانيا منطلقا من الرؤيا الجاهلية في التفكير والتي لم تغادر عقول معظم الافراد إلا ما ندر.
فالشرك في العصر الجاهلي عبر عن فوضى العقل، في حين جاءت الرسلة السماوية لتعيدي ترتيب مناهج الوعي عبر الايمان بالله الواحد، ومن هنا كان العقل احد اهم مصادر التشريع بعد الكتاب والسنة المطهرة، كما انه الدليل الى الله عزوجل.إن انهيار الوعي إنما هو في الواقع انهيار ترتيب العلاقات بين الانسان والخالق، فالشرك والمثل السلبية تؤدي الى فوضة عارمة بينما قامت عمليات الاصلاح واهمها الرسالات لتجاوز هذه الازمة ولتحرير العقل من الجمود.
يمكن القول بكل بساطة ان نهضة الامام الحسن (ع) انما هو فعل اسلامي ايجابي تجاه سلبية الوعي والانحراف، فسلوك الامام الحسين وشعاره في نهضته وكل ذلك الكم من الخطب والتوجيهات انما يمثل سلوكا ينطلق من روح الاسلام، ولكن الاشكالية تكمن ان الباحثين والاكاديميين يحاولون معايرة نهضة الامام الحسين من منظور الدراسات التاريخية والاجتماعية وفق المعايير الغربية، ولهذا فنحن نحتاج لمعايير اسلامية خالصة يمكن لنا من خلالها احاطة سلوك الائمة بشكل يقترب من المنهج الالهي، وعندها سنكتشف كيف ان الامام الحسين عليه السلام قد تجاوز بنهضته معايير العصر.منذ البد ربط الله عزوجل حركة التاريخ الاسلامي بالامة وليس بالقومية او المنظومة القبلية ومن هنا فقد قال عزوجل:
” كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون “. آل عمران/110.
فالله عزوجل يحدد هنا مفهوم الامة قبال بقية الناس، فالمعايير التي قدمتها العقيدة الاسلامية للامة هي معايير الهية تنطلق من علاقة التعبد الى الله (الجدل الصاعد) باعتبارها علاقة من الانسان باتجاه الخالق، ومن هنا يصبح الحفاظ على اتجاه العلاقة قضية من صلب مهام الحركة الاصلاحية (رسالة او نهضة ذات اصل رسالي).
كان الامام الحسين ينظر للامة باعتبارها جسدا تم طعنه وانهاكه من خلال سلبيات المناهج الوضعية، وهو (أي الامام الحسين عليه السلام) كالجراح اراد ايجاد الدواء الشافي بكل السبل المتاحة من نصح وايضاح وتبيان، حتى وجد انه لم يعد من سبيل غير (الكي) باعتباره آخر السبل، فكانت نهضته وتقديمة لنفسه وخيرة شباب أهل البيت وخيرة مشايخ وشباب عصرة لتكون دمائهم علاجا لأسقام الامة، واستنهاضا لوعيها، وإخراجا للعقل الجمعي من السكون والجمود الى الفعل.
لقد جسدت نهضة الحسين (ع) العلاقة بين الرسالة وصيرورة تاريخ الامة، كما ان الامام الحسين قد مثل ارادة الامة في النهوض، فتصدي مجموعة من الافراد للظلم والقهر استنادا لمعايير الهية يعني تحول جذري في البناء الاجتماعي والانساني من السلبي الى الايجابي، فكيف اذا كانت هذه المجموعة بقيادة شخصية مثل الامام الحسين بن علي سبط الرسول الخاتم (ص)؟فالتضحية تتناسب طرديا وحجم الانحراف كما ذكرنا في بحوث سابقة، فكلما كان الانحراف شديدا كلما وجب ان تكون التضحية اعلى مقاما واشد ايقاعا في نفسية الامة وضميرها واشد تاثيرا في حركة التاريخ.فعندما ظهرت الرسالة السماوية الخاتم، كان المجتمع القبلي في الجزيرة العربية في اشد حالات الانحطاط الفكري وكانت الانسانية جمعاء تعاني من الظلم والقهر في مختلف الاتجاهات، مما اوجب فكرة ظهور حركة اصلاحية سماوية فكانت الرسالة الخاتم تلك النهضة ذات البعد الالهي، ونفس الشيء يمكن قوله في نهضة الامام الحسين (ع) بعد ان تم سلخ الامة عن الواقع الرسالي والانحراف بها بعيدا عن كونها تمثل امة الرسالة الخاتم. أرادت الامة الاسلامية في استذكارها لاحياة شهادة الامام الحسين واهل بيته وانصاره ان تستعيد القيم الايجابية التي دعت اليها تلك النهضة الانسانية، فالطبيعة البشرية والنفس الانسانية تحتفل بالخير وتنصاع لمعاني القيم العليا في تصديها للظلم، واذا اختلفت اساليب التعبير من الكتابة الى الخطابة الى الشعر الى محاولة تجسيد الحدث عبر التمثيل والتماهي مع معانيه، كل تلك الاساليب انما هي نتاج لوعي الامة بقيمة هذا الحدث وحجم النتائج المترتبة عليه.إن الانتماء للامة هو انتماء لقيمها الرسالية التي نادى بها الامام الحسين ودافع عنها حد الشهادة، فاستمرار الامة الاسلامية في صيرورتها عبر التاريخ يمثل احد اشكال حفظ الرسالة، وما كان هذا الاستمرار ان يتم لولا قيام حركة الحسين (ع) الاصلاحية.من هنا يتضح ان محاولات البعض في سلخ الامة عن تاريخها الرسالي انما يمثل دعوة مباشرة لعودة الفكر الجاهلي بكل اشكاله، وما حدث عبر العصور من محاولات لابعاد عقل الامة عن نهضة الامام الحسين (ع) كان يسير باتجاه شل الوعي الجمعي عن حقيقة وجوب ظهور حركات الاصلاح، وهذا ما شاهادناه عبر حركة التاريخ منذ وفاة الرسول الخاتم (ص)، وبعد ذلك في العصور الاموية والعباسية من محاولات لتخلي الوعي عن مفهوم القيادة النهضوية، فتم محاربة كل الحركات الاصلاحية مثل (ثورة التوابين، وثورة زيد بن علي بن الحسين وثورة الحسين بن علي الخير في واقعة فخ) وغيرها من النهضات الانسانية الداعية لاصلاح واقع الامة المنحرف.
ان يقين الامة بضرورة الحاجة الى الاحتفاظ بحجم ومساحة الوعي الذي اثارته نهضة الامام الحسين (ع) إنما جاء لاستعادة الرؤية الحسينية للحدث، فنكوص ضمير الامة سيعني التخلي عن تاريخها ونهضتها، فالحسين كان ولا يزال مشروعا حضاريا للخروج من ضحالة الانتماء السلبي الى ايجابية الرؤيا المستقبلية، وعلى الامة ان تعي قيمة هذه النهضة عبر استذكار صاحبها ووقائعها بشكل مستمر وبمختلف الاساليب.

إنَّ المسؤولية الأساسية في عدم إزالة الحكم الأموي تعود لتقصير الأمة وتهاونها في ذلك، لعدم وجود قصور أو تقصير من جانب الإمام الحسين “ع” تجاه مسؤوليته خصوصاً وقد عرفنا أنه هيّأ الأسباب الموضوعية لنجاح نهضته المباركة هذا ويمكن تلخيص مسؤولية الأمة في جانبين رئيسين:::الأول: مسؤولية الأمّة عند موت الضميروالثاني: مسؤولية الأمة عند فقدان الإرادة.وقد سعى الإمام أبو عبد الله الحسين “ع” بنهضته الخالدة إلى علاج هذين العاملين لتحسيس الأمة بمسؤوليتها ووظيفتها التي قد أنيطت بها ومن أجل إلقاء الضوء على ذلك نحتاج أن نتعرف أولاً على أسباب موت الضمير، وفقدان الإرادة، ثم نحاول معرفة كيفية علاج الإمام الحسين “ع” لذلك، وعلى هذا يقع البحث ضمن  نقطتين*النقطة الأولى: أسباب موت الضمير وفقدان الإرادة.و لقد أشار القرآن الكريم إلى أمور كثيرة تعتبر أسباباً في موت الضمير وفقد الإرادة فلنشر إلى ذلك، ببيان كلٍّ منهما الأول: انهيار القاعدة الأخلاقيةواختلال موازينها وفي مقدمة مؤشرات هذا الانهيار التمرّد على الله سبحانه فيُعدُّهذا الفعل من الأسباب الرئيسية المؤدية إلى قسوة القلب وموت الضمير، لكونه نقضاً للعهود والمواثيق المأخوذة على الإنسان عند خلقه كما أنه كفران للنعمة مقابل المنعم المطلق، مضافاً لكونه تخلياً عن المسؤولية الناجمة من استخلاف الإنسان في الأرض.وخير شاهد ومثال مراجعة قصة بني إسرائيل في سورة البقرة حيث نجد القرآن قد ذكر عدة مخالفات ومظاهر عديدة للتمرد على الباري عز وجل، انتهت بهم إلى قسوة القلب. وفي الجانب الآخر تعتبر سورة الحديد من أروع السور التي قامت بمعالجة هذا المرض وهذه الظاهرة في المجتمع الإسلامي.الثاني: حب الدنيا والانغماس في شهواتها وملذاتها والحرص على زخارفها واللهو بالمال والأولاد عن ذكر الله سبحانه.وقد أشار إلى هذا السبب وتأثيره في موت الضمير القرآن الكريم، وكذا النصوص الواردة عن أهل البيت “ع”، ولذا يعتبر من أهم مقاصد الدين معالجة هذا المرض من خلال أساليب الوعظ والتحذير و بيان الدور الحقيقي للحياة وموازنتها بالحياة الآخرة.وقد أشار إلى هذا الأسلوب العلاجي القرآن الكريم أيضاً في عدة آيات من خلال إثارة عامل الورع والتقوى مقابل هذا الأمر الغريزي في النفس الإنسانية ومن خلال ما يحصله من ثواب في الآخرة ورضى من الله عوضاً له عما في هذه الدنيا,وأسباب فقدان الإرادة-وهو ما قد يحصل لأصحاب الضمائر الحية التي يتحسسون بها آلام الناس ومآسيهم ويحسون حرارة الظلم والمأساة، ويدركون بتلك الضمائر الحية الحقَّ ويعون لكن مع ذلك لا يملكون إرادة حرة. ولذا نحتاج إلى معرفة أسباب فقد الإرادة بحيث يكون الإنسان مسلوب الإرادة وهي

ـ الشعور بالخوف والضعف أمام الطغاة1

، وهذا العامل يلجأ إليه الطغاة دائماً لسلب إرادة الأمة والتسلط عليها وقد أشار الكتاب العزيز إلى ذلك في قصة فرعون قال تعالى: ” قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إنَّ هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين ” سورة الأعراف ونفس هذا الأسلوب أستخدمه مشركو مكة مع المسلمين في أوائل البعثة النبوية حتى قال رسول الله “ص”: ما أوذي نبي كما أوذيت واستخدم الأمويون عموماً وابن زياد بشكل خاص هذا المنهج في الوقوف أمام ثورة الإمام الحسين “ع” فاعتقل الصحابي الجليل هاني بن عروة وقتله وقتل مسلم ابن عقيل، وقام باعتقال الكثير من وجهاء الشيعة وزعمائها، وأغلق أبواب الكوفة ومسالكها، وهدّد أهلها بجيش يأتي من الشام.

ـ الجهل والتضليل الإعلامي2:

بحيث تكون الحقائق مشوشة الرؤية أو تكون مفقودة؛ لوجود الإعلام المضاد من قبل الأعداء مما يؤدي إلى تفرق الأمة واختلافها تجاه ظاهرة الظلم والطغيان مما يستدعي فقدان الإرادة للموقف الصحيح، أو تتشتَّت الإرادات وتتضارب وتختلف فتضعف وتذهب قوتها,هذا والمصدر لتحقيق الجهل بالحقائق عند الطغاة هو اتهام الطرف الآخر بتهم يأباها العقلاء كالرمي بالسحروالجنون، أو الطعن في أهدافه ومقاصده، بأن يقال إنه يسعى لتحقيق رغباته وميوله الشخصية.كما إنه قد يُتَّهم بالخروج عن الطاعة وشقِّ عصا المسلمين، والتمرّد على الجماعة ووحدتها، ومن ثَمَّ الفساد والإفساد في الأرض.وقد يتهم بالظلم والطغيان والعدوان وتجاوز الحقوق الإنسانية والحدود الاجتماعية.ويعتبر ما ذكرنا من أبرز الأسباب المؤدية للحروب والانهيارات الاجتماعية؛ ولذا يلجأ لمثل ذلك دائماً الظلمة والطغاة بإثارتها في وجوه المصلحين والأنبياء والمرسلين.فيحصل الاختلاف في صفوف الأمة، فتضعف إرادتها وقدرتها على الحركة في مواجهة الطغيان والظلم والفساد، فتفقد الأمة إرادتها.وهذا في زمن نهضة الإمام الحسين “ع” يعتبر مرحلة قد تجاوزتها الأمة فلا تأثير له في النهضة، نعم أثير في تلك الفترة حقيقة الحكم الشرعي مقابل هذه الظاهرة، وهي حكم يزيد بن معاوية. فهل هو الهروب من المواجهة كما صنع عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير، أو المواجهة بالاستجابة للوظيفة الشرعية الأهلية وللرأي العام في الأمة بالتفاعل معه.وقد كان لهذا الاختلاف تأثيره السلبي على إرادة الأمة وإجماعها عملياً في الموقف، فالثلاثة الآخرون الذين كانوا مطلوبين بالبيعة الخاصة مع الحسين (ع) ليزيد كانت آراؤهم مختلفة بحيث كان لكل واحد موقف خاص يختلف عن الآخر، وإن اتفقوا على رفض بيعة يزيد. وكذلك الاختلاف الذي كان في البصرة بين يزيد بن مسعود التميمي الذي استجاب للحسين (ع) وبين الأحنف بن قيس الذي صدَّق الإمام الحسين (ع) لكنه طلب منه التريّث قليلاً والصبر.إذاً لا يخفى ما لقضية الاختلاف من دور مهم في سلب إرادة الأمة، وكما أن دور الإعلام المضلل لا يُنكر وأهميته لا تكاد تخفى.

3 اليأس والقنوط

والإحساس بعدم القدرة على الوصول للغايات والأهداف المطلوبة ومن ثَمَّ عدم جدوى الحركة والتصدي للطغاة.وهذا ما يحاول الطغاة في الغالب زرعه في نفوس الأمة بالتظاهر بالقوة والمنعة وإدعاء البقاء والاستمرار. وقد يشككون بتظافر جهود الأمة ووحدة موقفها العملي، أو التشكيك بنيّات الآخرين وعزمهم على التعاون والتناصر، أو تشجيع روح الإتكالية والانتظار للآخرين لزعزعة الإرادة الواحدة للأمة.

4 شراء الضمائر والإغراء

بالأموال والمناصب لاحتواء يقظة الضمير وممارسة الضغط عليها بتحريك نوازع النفس الإنسانية وشهواتها وميولها للتغلب على اتجاهات الفطرة ومقتضياتها.ومن ثَمَّ إيجاد عامل مضادٍّ لحياة الضمير يؤدي إلى القضاء عليه، أو تخديره، أو تعطيله مما يؤدي إلى فقدان الإرادة والاختيار.و لا يكاد ينكر متتبِّع التأريخ وضوح هذا المنهج في صفحة بني أمية فلاحظ ما صنعه يزيد عند استلام الخلافة، وكذا ما عمله عبيد الله بن زياد مع عمر بن سعد.

النقطة الثانية: منهجية الإمام الحسين “ع” في علاج هذه الأسباب-إنَّ لنهضة الإمام الحسين “ع” تأثيراً بالغاً في حياة ضمير الأمة وامتلاكها لإرادتها؛ لتتحرك بالاتجاه الصحيح، فنلاحظ أنه بعد ثورة الإمام الحسين “ع” بعام ثارت المدينة المنورة على يزيد وطرد جميع الأمويين منها مع أن المدينة لم يكن لها استعداد لاحتضان ثورة الإمام الحسين “ع”.

وبعد ذلك بعام ثارت مكة أيضاً على يزيد. وتتوالى بعد ذلك الثورات، بظهور ثورة التوابين التي تعتبر أثراً مباشراً لثورة الإمام الحسين “ع ولذا نحتاج إلى معرفة الوسائل التي استخدمها الإمام الحسين “ع” في هذه الحركة الإصلاحية والنهضة المباركة بحيث تمكن من خلالها إيقاظ ضمير الأمة وجعلها تمتلك إرادتها فنقول أما أسباب موت الضمير فقد ركز أبو عبد الله “ع” في نهضته على الجانب الأخلاقي وما للالتزامات والعهود والمواثيق من أهمية لابدَّ من مراعاتها ومن الشواهد على ذلك أنه لم يستخدم المناورة مقابل بيعة يزيد كما لم يتهرب منها، وفي مكة تحرك إلى العراق بعد أخذ العهود والمواثيق والبيعة بمعنى أن تحركه كان استجابة للمسؤولية المترتبة على نداء الأمة لطلبها إياه عندما عاهدته وبايعته ومن ذلك أيضاً صراحته مع أصحابه بعدما تدهورت الأوضاع بنقض الكوفة وأهلها بيعته ولو استلزم من ذلك تفرقهم جميعاً أو أكثرهم عنه وكذا في منهجيته في التعامل مع جيش العدو، حينما سقى جيش الحر بأكمله وعدم بدأه بقتالهم، وهذا المنهج الأخلاقي نجده في ممثلي هذه النهضة أيضاً فهذا سيدنا مسلم بن عقيل (ع) يمتنع عن الفتك بعبيد الله بن زياد واغتياله مع وجود الفرصة لذلك والحقّ إن دراسة أحداث يوم عاشوراء بدءاً بخطبتيه روحي فداه إلى شهادته تعطينا دروساً في القيم والأخلاق العالية.كما إنه لجأ إلى علاج السبب الثاني من خلال التأكيد على أن الموت أمر حتمي لا فكاك ولا خلاص منه، وتأكيده على أنَّ الدنيا ذات وجوه فهي تتقلّب وتتغير فلا تبقى على حال ووجه واحد.ومن خلال إشارته أيضاً إلى أن الله لينتقم من كل منغمس في الدنيا وشهواتها وناقض لعهد الله سبحانه وقد عهد له بذلك أبوه عن جده وهذا سنة من السنن التاريخية.واستخدم أسلوباً آخر في العلاج من خلال التزهيد في الدنيا فأطلق الشعارات وأعطى المفاهيم التي تشير إلى ذلك فقال: الموت أولى من ركوب العار، وقال أيضاً: لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا بَرَما.وقد جسّد هو وأصحابه ذلك عملياً وواقعياً مع وجود المقدرة عندهم على الوصول إلى نعيم الدنيا الزائل، والحصول عليه إلا أنهم تنازلوا عن كلِّ ذلك الجاه عملياً وواقعياً.

وأما علاجه لفقد الأمة إرادتها-فقد عالج الإمام الحسين “ع” السبب الأول بما هو حقيق بعلاجه من خلال الصبر والصمود في مواجهة ذلك من خلال تحطيم جدران الخوف والتوكل على الله واللجوء إليه دون تردد منه أو زعزعة في إرادته، فكلما سقط شهيد من أصحابه وأهل بيته ازداد صبراً وجلادة، وكلما سمع صراخ الأطفال وأحس بظمئهم ازداد توكلاً على الله ولجوءاً إليه فلاحظ خطبته يوم عاشوراء، أو الكلمات التي أَبَّنَ بها شهداء الفضيلة، وكذا دعاءه لما سقط صريعاً، مضافاً إلى الآيات القرآنية التي كان يستشهد بها “ع” منذ خروجه من المدينة حتّى شهادته وعالج التضليل الإعلامي والجهل بأسلوب متميز تعرضنا إليه مفَصَّلاً في الحديث عن الإعلام في ثورة الإمام الحسين (ع) فراجع وعالج السبب الثالث منها أولاً بإثارة ما يوجد في نفس الإنسان من الفطرة من حبِّ الحرية والكرامة والعزة والإرادة والإباء والوفاء، وحبِّ الخير والعدل ورفض الظلم والعدوان وثانياً من خلال استدرار العواطف والمشاعر الإنسانية العامة في قضايا النساء والأطفال والجوع والعطش والألم والمعاناة وثالثاً بتذكيرهم بكونه ابن بنت رسول الله “ص” بتحريك عواطفهم ولما في قلوبهم من حب وارتباط للنبي “ص” وهو “ع” تربطه به”ص” علاقة عاطفية وروحية كما انتهج في علاجه لهذا السبب أيضاً أسلوب التحذير من الانتقام الإلهي بهم، بسبب ظلمهم له وقتلهم إياه، إما لما رأوا منه يوم عاشوراء من كرامات كما في قضية ابن حوزة أو من خلال الأحاديث الواردة عن النبي “ص” وعهده إليه بأن ذلك من سنن التأريخ، مضافاً لأدعيته بنزول هذا الانتقام واستخدم في علاج رابع أسباب فقدان الإرادة أموراً عديدة:

منها: بيان المعنى الحقيقي للنصر وللفتح الذي لا يعني مجرد الغلبة المادية والعسكرية في الميدان، أو بلوغ الحكم والسلطة وإنما معناه الحقيقي هو انتصار القيم والمثل وتحقق الأهداف السامية في حياة ووجود الأمة. وقد عبر عنه الإمام الحسين “ع” بشكل مختصر يقوله: ومن لم يلحق بنا لم يبلغ الفتح,ومنها: التأكيد على الأجر والثواب والدرجات العالية عند الله سبحانه وما يحصل عليه الشهداء ويلقاه السائرون في طريقهم من جنات عدن ومساكن طيبة ورضوان من الله.

ولما كان مصير الإنسان الحقيقي وحياته الأبدية رهينة ذلك فلا يأس من روح الله.

ومنها: الاستجابة لنداء الموقف الشرعي، ونداء الواجب، والوقوف إلى جانب الحق والعدل من زاوية الصراع الواسع بين الحق والباطل في التأريخ ومنها: تركيزه على أن هذه النهضة ليست متمثلة في الحسين (ع) كشخص، بل هي حركة أمة فسوف تثور الأمة في وجه الطغاة والظلمة فينتقمون للحسين “ع” من قتلته ولذا نجد أن التأريخ يحدثنا عن الثورات التي قامت من بعد الإمام الحسين “ع” وما كان لها من آثار إيجابية على الأمة في تغيير واقعها الفكري والروحي والثقافي، وقد كان شعار هذه الثورات والحركات هو شعار: الرضا من آل محمد “ص” بمعنى الدعوة للشخصية المرضية والمختارة من قبل الله سبحانه وتعالى والمقبولة لدى الناس وهو من آل الرسول “ص”.

إذاً نجحت نهضة الإمام الحسين “ع” في أن تحقق هدفها الرئيسي والأساسي وهو إيقاظ ضمير الأمة وتحرير إراداتها بما قام به “ع” من أمور علاجية لأسباب موت الضمير وفقدان الإرادة