تبني امريكا لقرار تشكيل الحكومة العراقية المقبلة ولم يظل لها الا الوسم الحراري المعتمد!؟

إن تشكيل الحكومة المقبلة في العراق أصبح أكثر يسرا وسهولة لعدة أسباب منها إنشغال دول الجوار بمشاكلهم الداخلية.أن هناك عوامل كثيرة تجعل تشكيل الحكومة العراقية أسهل بكثير مما كان يعتقد، منها “الأضحوكة التي وصلت اليها الليرة التركية حيث جعل انخفاض الليرة انشغال تركيا بليرتها وتركيتها ونست العراق وحكومته الجديدة فلديها ما يكفيها من هموم”.وبالنسبة للدور الايراني في العراق، قال الحرب إن “المأساة التي يعاني منها التومان الايراني، جعلت طهران تنسى العراق وحكومته الجديدة”.وعلى صعيد التدخلات العربية في العراق، تابع الحرب أن “قطر منشغلة بالسقوط المالي والاقتصادي للحليف تركيا بحيث تتولى البحث عما يقف امام منع سقوط تركيا، والسعودية زاد معانتها باليمن”.أن “الولايات المتحدة هي الوحيدة المسيطرة على الواقع العراقي بدون مشاركة السعودية وإيران وقطر”.لا أفضل فترة في الحكم السابق يماثل الظروف الحالية لتشكيل الحكومة العراقية بدون تأثير تركي او سعودي أو قطري أو ايراني”.فهل تنتهز الاحزاب العراقية هذه الظروف لتشكيل حكومة بناء وخدمات وطنية عراقية تعمل لصالح العباد وفالح البلاد يكون من تولى السلطة خادما وليس حاكما؟.إن “الكرة الان في ملعب الاحزاب العراقية بعد أن تلاشى التأثير التركي الايراني والسعودي والقطري وبعد ان جربنا حالات ورجالات الحكم السابق لاربع مرات الجمعية الوطنية والبرلمان”.من الواضح أنّ 90 في المئة أو أكثر من الحراك السياسي المتواصل منذ انتهاء الانتخابات البرلمانية في 12 أيّار الماضي، يدور حول مَنْ يتحالف مع مَنْ لتشكيل الكتلة الأكبر التي سيُعهد إليها بتشكيل الحكومة الجديدة ومَنْ يتولى هذا المنصب أو ذاك، وبخاصة مناصب الرئاسات الثلاث.هذا يعكس من جديد الخواء الذي تعيشه الطبقة السياسية المتنفّذة، الخواء الفكري والخواء السياسي والخواء في الوطنية. لولا هذا الخواء ما كانت القوى السياسية ستحتاج الى كل هذا الوقت لتشكّل تحالفاتها ولتتّفق على المرشحين للمناصب الرئاسية. القوى السياسية الناضجة فكراً وخبرةً تتقدّم الى بعضها البعض بالبرامج التي تريد العمل على تحقيقها، وعلى هذا الأساس تلتقي في ما بينها أو تفترق,وكلّ ما نُشر حتى الآن من تصريحات لممثلي القوى السياسية المتنافسة ومن تقارير إعلامية يتركز على الاتفاقات والاختلافات في ما بين هذه القوى على حصة كل منها من مناصب الدولة العليا، ولم تتّفق حتى اليوم أي مجموعة قوى على تشكيل تحالف عابر للطائفية والقومية على أساس برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي محدّد تتعهد بتنفيذه إذا ما عُهد إليها بتشكيل الحكومة أو بشغل المناصب الرئاسية.القوى المتنفّذة جميعاً لم تزل تلفّ وتدور في إطار الحلقة المفرغة السابقة التي قادت البلاد الى الخراب الذي ثارت القوى الحيّة في المجتمع من أجل وضع حدّ له باجتثاث الفساد الإداري والمالي على نحو خاص والإقلاع عن نظام المحاصصة المُدمّر. الآن القوى الشيعية مختلفة على مرشّحها لرئاسة الحكومة، والقوى السنيّة مختلفة على مرشّحها لرئاسة مجلس النواب والقوى الكردية مختلفة على مرشّحها لرئاسة الجمهورية، ولم نجد في المقابل من يختلف أو يتفق على البرامج التي لم يفكّر بها أحد بدليل إنها ليست مطروحة.هذا مؤشر على أن هذه القوى راغبة بإعادة إنتاج العملية السياسية الفاشلة شكلاً ومضموناً والإبقاء على نظام المحاصصة، ما يعني أن كل المشاكل والأزمات والكوارث التي شهدناها على مدى الخمس عشرة سنة الماضية مرشّحة للاستمرار والتفاقم؟حتى الآن لم نلمس أي تغيير حقيقي في تفكير هذه القوى وزعاماتها، كما لو أنّ كارثة داعش لم تكن، وكما لو أنّ نظام الخدمات العامة غير منهار، وكما لو أنّ مؤشرات الفقر والبطالة لا تنذر بالخطر، وكما لو أنّ الاقتصاد الوطني (غير النفطي) ليس في حال الموات، وكما لو أنّ الحركات الاحتجاجية الشعبية المطالبة بإلحاح بالإصلاح لم تحصل ولم تكن أشدّ وأوسع نطاقاً من سابقاتها وسياسة القوى المتنفّذة هذه لن تكون عواقبها وخيمة على الناس وحدهم وإنما عليها هي أيضاً، فالناس لم تعد لديهم القدرة على التحمّل والصبر وضبط النفس أكثر. حال العراقيين لايسر عدو ولا صديق، يعيشون في ازمة دائمة ومشاكل لا اول لها ولا آخر ، ازمة تجر ورائها ازمة اتعس منها وألعن حتى تحول العراق الى بلد الازمات ، والازمة هي الصناعة الوحيدة التي يبرع فيها العراقي ويجيدها ، ومن يقترب منه يأخذ حصته كاملة من البؤس والتعاسة ، كثيرون اكتووا بناره وعانوا منه الامرين وابرزهم الكرد ، فمنذ ان الحقهم الاستعمار البريطاني بالعراق ، وهم يلاقون منه العنت والعذاب ، فمن الانفال والابادة الجماعية والقصف بالقنابل الكيمياوية الى التهجير والتعريب و..الحصار والتجويع الجماعي والتشيًع الطائفي للحكام الجدد الذين لم يمض وقت طويل على بسط سيطرتهم على الحكم حتى ادخلوا البلاد في حرب طائفية شعواء ذهب ضحيتها مئات الالاف ، ومازالت وتيرة الشحن الطائفي تتصاعد حتى ظهر تنظيم”داعش”الارهابي بابشع صوره في الموصل والمناطق السنية الاخرى ، وما كادت مدينة الموصل تتحرر وازمة داعش تخف حتى ظهرت ازمة الاستفتاءالكردي والتهيئة لحرب اخرى لاستعادة الاراضي المتنازع عليها ومن ضمنها كركوك من يد الاكراد وطردهم منها بالقوة العسكرية وبدعم مباشر من قوات ميليشيات الحشد الشعبي ..ولم تهنأ القوات الحكومية والميليشيات بالنصر كثيرا حيث استغلت قوات”داعش” غياب قوات البيشمركة الكردية من تلك المناطق وعاودت نشاطها من جديد وصعدت من عملياتها الارهابية اليومية.ثمة حقيقة لابد من ذكرها وهي ان العراق بتركيبته السكانية المختلفة وطبيعته الفسيفسائية المتناقضة ، من الصعب بل من المستحيل بناء اتفاق جماعي موحد على ثوابت وطنية واحدة ، لان كل مكون او مجتمع من مجتمعاته الثلاث الرئيسة السنةوالشيعة والكرد لديهم نظرتهم الخاصة لتلك الثوابت ، فالوطنية عند الكرد هي غير الوطنية عند السنة والشيعة، ولائهم للوطن الذي ينتمون اليه وهو كردستان وليس للعراق بالتأكيد ، فهم بشكل عام لم يشعروا يوما بانهم عراقيون ينتمون الى الاسرة العراقية ويتبعون النظام السياسي في بغداد! ، وهذا الشعور التنافري الرافض للانصياع للامر الواقع جلب عليهم ويلات ومصائب لاحصر لها ودخلوا في صراعات طويلة ودامية مع الحكومات العراقية المتعاقبة.وكذلك الامر بالنسبة للسنة والشيعة ، فالوطنية تتحقق عند السنة عندما تهيمن العروبة على الحكم وتقود البلاد ، فهم مع العراق العربي التابع للامة العربية الكبيرة من المحيط الى الخليج وليس مع العراق الطائفي الذي يوالي ايران ويوظف موارد البلاد الاقتصادية لنشر التشيع وتصدير الطائفية وتشكيل الميليشيات المسلحة كما تسعىالشيعة للوصول اليه .. واذا ظنت الولايات المتحدة الامريكية او ايران انها تستطيع ان تمنع العراق من التفكك والتقسيم على المدى البعيد على الاقل او ان تضغط على الاحزاب العراقية بتشكيل حكومة”توافق”وطنية تجمع المتناقضات الثلاث في بوتقة واحدة موحدة وتستمر بدون مشاكل وازمات عميقة ، فانها خاطئة ونظرتها الاستراتيجية للعراق ناقصة وفهمها لطبيعة المكونات العراقية المتنافرة غير ناضج,وانعكست التجاذبات السياسية الكبيرة والاختلافات العميقة في الفهم والرؤية والمصالح وطريقة ادارة الحكم بين المكونات الثلاث الرئيسة واحزابها وزعمائها ، وكذلك بين الاحزاب والكتل داخل كل مكون واصرار كل طرف على تكريس برامجه السياسية وفرض مصالحه ، على تشكيل الحكومة الجديدة في الوقت الذي حددته الدستور وكل المباحثات والاجتماعات قد فشلت في تشكيل الكتلة الاكبر المكلف بتشكيل الحكومة رغم مرور اكثر من ثلاثة اشهر على اجراء الانتخابات التشريعية في البلاد.وثمة عوائق ومشاكل اخرى تعترض تشكيل الحكومة الجديدة وحتى وان تشكلت فانها لاتستمر طويلا وتنتهي بها المطاف الى الفشل والسقوط ! ومن هذه العوائق ؛ ان كتلة “دولة القانون”التي يتزعمها رئيس وزراء السابق”نوري المالكي” ومعها كتل اخرى كبيرة ومتنفذة مثل كتلة “الفتح”التي يترأسها زعيم منظمة بدر وكتائب ميليشيا الحشد الشعبي”هادي العامري”لديها اجندة سياسية خطيرة لقيادة البلاد وهي تشكيل الحكومة على اساس”الاغلبية السياسية”وهي العودة الى المربع الدكتاتوري السابق بحسب بعض المحللين واعادة المركزية القوية”القبضة الحديدية”للبلاد ولكن بقيادة شيعية متطرفة!..واذا ما وافق الكرد والسنة بتمرير هذه السياسة الاقصائية او اجبروا على قبولها ،فان المزاجية الطائفية هي التي ستتحكم في البلاد ولن يبقى للدستور اي قيمة جوهرية في ارض الواقع ويعمل على تجميده وينسف مواده كما نسف “المالكي” المادة 119 التي تقضي باقامة الاقاليم في المحافظات وجابه المتظاهرين في المناطق السنية الذين طالبوا بتطبيق هذه المادة الدستورية المهمة بالرصاص عام 2012 ، باعتبارها دعوات انفصالية.منذ سقوط النظام السابق والعراق يواجه الازمات تِلو الازمات, ما أن أُفرجت أزمة الا وبدأت أخرى اشد من تلك التي قبلها, بدءً بتواجد قوات المتعددة الجنسيات الذي تقوده الولايات المتحدة الاميركية, وما رافق هذا الاحتلال من تدمير وحل للعديد من مؤسسات الدولة العراقية, العسكرية والمدنية, وانتقالاً الى أزمة الطائفية وما صاحبها من انقسامات مذهبية وعرقية احدثت شرخاً واسعاً بين اغلب مكوناته المجتمعية وصولاً الى احداث 10 حزيران 2014م, وسيطرة جماعات ما تسمى بالدولة السلامية “داعش” على مدينة الموصل العراقية, هذه الجماعات سيطرة ولأول مرة على دولتين ذات سيادة منذ قيام الحرب العالمية الثانية (العراق وسوريا) من خلال مشروع فوضوية متطرف مدعوم من قوى إقليمية ودولية، لكن بسواعد رجال العراق الابطال ممن لبوا نداء أعظم فتوى دينية صدرت بتاريخ العراق الحديث, وبمساعدة ودعم كبير لجارته إيران, استطاع أن يحقق الانتصار على تلك الجماعات, الا ان ما تَبعَ هذا الانتصار من هزائم شنيعة مُنيت بها السياسة الاميركية في سوريا ولبنان اثارت حفيظة التوجس الاميركي من ان يُستكمل بهزيمة اكبر من سابقاتها, ان حصلت في العراق لصالح محور المقاومة الذي تدعمه ايران، وهو ما اضطرها لوضع خيارات استراتيجية متوجة سلفاً في سياستها الامبريالية الرسمالية امام الحكومة العراقية المقبلة حتى قبل تشكيلها.
وهنا البعض قد يسأل ما لنا وايران حتى نكون طرف في صدام نحن في غنى عنه؟ اقول: ان الامر ليس بهذه البساطة التي يتصورها البعض, فالاستراتيجية الاميركية هي استراتيجية لا تعرف المحدود في نظرتها للعالم، وبالتالي لا تقف عند معاداة العراق لجارته ايران أو بقطع العلاقة معها, فالتاريخ لم يذكر يوماً ان من كان محتلاً لبلد ما, وقد خرج منه دون ان يُعيد ترتيب اجنداته في هذا البلد, وبما يتطابق مع مصالحه ومعطيات الحالة التي جرى في ظلها الاحتلال, وقطعاً لا تعد حالة العراق خارجاً عن هذا لسياق, خصوصاً وان ما يشكله العراق من أهمية كبيرة بالنسبة للإدارة الاميركية، فلا يصح لدولة عظمى كالولايات المتحدة ان تكون ذات سلوك في السياسة الدولية دون هادٍ لها.بالتالي فأن اميركا لها استراتيجية تهتدي بها تجاه العراق سابقاً ومستقبلاً, وإن حصل هنا بعض الفتور والتراجع في سلوك هذه الاستراتيجية أحياناً, الا ان هذا التراجع في السلوك ليس من جانب المحدد الداخلي للإدارة الاميركية فقط والمتمثل بالحزبين “الديمقراطي والجمهوري” اللذان يتباينان في نظرتهم لإدارة وتأثير هذه الاستراتيجية تجاه العراق، الا ان كلاهُما لا يجحدان هذه الاستراتيجية اطلاقاً, وإنما المحدد الخارجي هو الذي يكون مؤثراً وفاعلاً في نشاط هذه الاستراتيجية, وأحد هذه المحددات ولعل ابرزها؛ هو وجود حركات المقاومة الاسلامية المدعومة ايرانياً في الشرق الاوسط.على مستوى العراق اصبح لهذه الحركات قوة عسكرية سياسية خصوصاً بعدما ستُشكِل الحكومة القادمة, التي تكون هذه الحركات احد مكوناته الاساسية وقطعاً هذه الحركات ستصبح من المتضادات مع هذه الاستراتيجية الاميركية, التي ستجد ان القضاء على هذه المتضادات لا يمكن الا بارتهان الحكومة العراقية المقبلة للاستراتيجية الاميركية التي تُفرض عليها كمغنمه اميركية تحصل عليها بعد الانتصار الذي تحقق على تنظيم داعش وبدوافع متعددة, لعل أبرزها هو الحماية التي لا تقدمها اميركا مجاناً مثلما هو حاصل مع المحمية النفطية السعودية, التي وفرت لها في صفقة واحدة اكثر من 650 ألف وظيفة داخل الولايات المتحدة في وقت يعاني كثير من الشباب السعودي المسلم من البطالة,وادراكاً لهذه المصلحة وأهميتها في الاستراتيجية الاميركية “ترامبيا” ذهبت الادارة الاميركية الى فرض مزيد من العقوبات على ايران لتحجيم دور المقاومة الذي تدعمه, بل الى ما هو أبعد من ذلك كتقديم الكونجرس الاميركي بعض هذه الحركات التي ستشارك في تشكيل الحكومة العراقية المقبلة لمجلس الشيوخ من اجل ادراجها على قائمة الجماعات الارهابية ومن ثم استصدار العقوبات بحقها, وبهذا الاقدام فإن الاستراتيجية الاميركية تضع امام الحكومة المقبلة خياران لا ثالث لهُما, وهذان الخياران هُما:الاول: الانضمام للدور العربي في مواجهة المحور الايراني, ومن ثم التسليم بما تمليه توجهات الادارة الاميركية دون قيد او شرط, كما هو الحال مع المملكة السعودية، اما الخيار الثاني: العقوبة والمجابهة التي ستفرض عليها إقليمياً ودولياً, كما هو حاصل مع حزب الله في لبنان.على هذا فإن ايجاد قراءة واقعية دقيقة لطبيعة التجاذبات الاقليمية والدولية بات ضرورة من ضروريات الحكومة المقبلة, التي ستكون هي المسؤولة عن ادارة الدولة وبالتالي فإن أي سوء في التقدير أو خطأ في الحسابات سيتركها رهينة لاستراتيجيات خارجية, ولذا سيكون لزاماً عليها البحث عن مساحة جديدة لحركتها الخارجية بما يضفي لها مزيداً من النفوذ ويحقق تعدد في البدائل.