تجاذب وتناحر وتسقيط سياسي وفضائح تطفو على السطح لاختيار رئيس جمهورية العراق ولاوضوح لدى الكتل لذلك !!!

للمرة الاولى منذ عام 2005، يحتدم التنافس على منصب رئيس الجمهورية بين الاطراف الكوردستانية، في ظاهرة لا يمكن ابدا اعتبارها صحية لانها تكسر في آن واحد عدة قواعد من قواعد اللعبة السياسية سواء في اقليم كوردستان او العراق عموما.
بعد اسقاط نظام البعث المنحل، وبناء العملية السياسية في العراق الجديد، اتفقت مكونات العراق على تقاسم السلطة بحيث يكون النظام السياسي في البلاد برلماني، ويكون رئيس الجمهورية كورديا، ورئيس الوزراء الاتحادي شيعيا، بينما رئيس مجلس النواب يكون من السنة.
سرت عملية انتخاب الرئاسات الثلاث في اول دورة تشريعية في 2005، بسلاسة، وكذلك في الدورة التشريعية الثانية في 2010، وحتى الدورة التشريعية الثالثة في 2014، حيث فيما يخص رئاسة الجمهورية، تولى الرئيس مام جلال الرئاسة لولايتين وبعدها انتخب رئيس الجمهورية الحالي فؤاد معصوم في 2014.
انتخاب مام جلال كان وفق اتفاق بين الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني، بحيث يكون منصب رئيس الجمهورية من حصة الأول، فيما يكون منصب رئيس اقليم كوردستان من حصة الثاني، وهو ما جرى العمل به حتى نهاية الدورة التشريعية الثالثة، والتي انتهت في 30 حزيران الماضي.
المستجد هذه المرة، هو الخروج عن الاتفاق من قبل الحزب الديمقراطي، حيث يطالب الحزب بمنصب رئيس الجمهورية، بحجة انه استحقاق انتخابي له، حيث حصد اكبر عدد من المقاعد في مجلس النواب الجديد بين الكتل الكوردستانية، لكن هل مطالبة الحزب الديمقراطي حق؟، هذا ما يجب الوقوف عنده والعودة الى الاتفاق وما شهدته الساحة السياسية الكوردستانية والعراقية من مستجدات في السنوات الأخيرة.
بلا شك شهدت العلاقات بين الاقليم وبغداد الكثير من الشد والجذب خلال السنوات المنصرمة، وبقيت الكثير من الخلافات قائمة، في ظل غياب تطبيق الدستور بشكل صحيح، وهو ما ادى الى استمرار التوتر في العلاقة، والذي اعطى مبررا لاقليم كوردستان وتحديد للحزب المسيطر الى حد كبير على القرار السياسي وهو الحزب الديمقراطي، الى اجراء استفتاء على الاستقلال عن العراق في 25 أيلول 2017. اجراء الاستفتاء كان واحدا من الخطوات السياسية الخاطئة، والاحداث التي لم يحمد عقباها، فقد جاء بعد دراسة خاطئة لواقع جيوبولوتيكي ليس فقط في اقليم كوردستان والعراق فحسب، بل في المنطقة برمتها، فعرابو الاستفتاء كان همهم اجراء الاستفتاء لتحقيق مكاسب شخصية وحزبية حتى لو كانت على حساب المصلحة العامة والأمن القومي الكوردي، بل على العكس تم تحشيد الرأي العام الكوردي، ودغدغة عواطفه القومية، وايهامه ان نجاح الاستفتاء يعني تحقيق الحلم الكوردي الأزلي وهو بناء الدولة الكوردية، في واحدة من الحالات النادرة التي يقوم فيها حزب سياسي كوردي باستغلال حلم الدولة لتحقيق مصالح حزبية.
بعد اجراء الاستفتاء، وخسارة الاقليم لاكثر من 51% من مساحته لصالح الحكومة الاتحادية، وغياب الكورد سياسيا وامنيا عن المناطق المتنازع عليها وبما فيها كركوك، بل حتى انعكس ذلك على الحضور الكوردي في بغداد، حيث لم يعد الكورد بذاك الثقل السياسي لحين ما قبل اعلان نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في 12 ايار 2018، حيث بدأت الاطراف السياسية تبحث عن تشكيل التحالفات لتشكيل الكتلة الأكبر، ليبرز من جديد دور للكورد وهو حالة طبيعية بما ان الكورد جزء من العملية السياسية في البلاد.
لكن يبدو ان من اجروا الاستفتاء قبل عام من الآن، عادوا مجددا ليقرأوا الخارطة الجيوبولوتيكية بشكل خاطئ مرة أخرى، وتم التجرد بقدرة قادر، من شعارات الاستفتاء وحلم الدولة، ليكون البحث عن الكراسي والمناصب في بغداد هو عنوان الحراك السياسي لبعض القوى الكوردستانية، وهذا ما ادى الى احتدام التنافس الكوردي الكوردي على رئاسة الجمهورية. مطالبة الحزب الديمقراطي بمنصب رئاسة الجمهورية، لا يعدو كونه ممارسة ضغط سياسي على شريكه في حكم الاقليم وهو الاتحاد الوطني، وذلك للحصول على مناصب وامتيازات اكثر في بغداد التي كان من المفترض ان تكون بعد اجراء الاستفتاء “جارة جيدة” للاقليم. ان الانقلاب في الموقف السياسي منذ عام والى الآن، من رفع راية الدولة الكوردية والاستقلال عن العراق “الذي لم يعد اتحاديا ويضطهد الكورد”، الى القتال المستميت للظفر بكرسي رئاسة جمهورية العراق، لهو يمثل حالة من الانفصام في الشخصية (شيزوفرينيا)، وهي واحدة من الحالات النادرة التي يصاب بها كيان او طرف سياسي سواء على مستوى اقليم كوردستان او العراق او حتى المنطقة برمتها، فحين تقوم بتبديل مطالبك وتغيير المواقف السياسية بزواية قدرها 180 درجة، فإن هذا الطرف يعاني من شيزوفرينيا سياسية، تنعكس آثارها السلبية والكارثية ليس فقط على هذا الطرف، انما على اقليم كوردستان بمجمله والعملية السياسية فيه بالذات، وحسبنا ان نلخص المشهد في الاقليم بتجميد مؤسسة مهمة مثل رئاسة الاقليم، واضعاف برلمان كوردستان لدرجة لم يعد قادرا على اداء دوره الحقيقي، وتم تأجيل الانتخابات عن موعدها المقرر، فضلا عن بروز ازمة اقتصادية ومالية في الاقليم، انعكست على حركة الاعمار وتنفيذ المشاريع، وطالت حتى رواتب موظفي الاقليم حيث لم تعد الحكومة قادرة على صرفها كاملة، ولا في موعدها.
ان استمرار الشيزوفرينيا السياسية هذه كحالة مرضية، سينخر الجسد السياسي لاقليم كوردستان، بل وسينعكس على الواقع السياسي في العراق ايضا، ويعرض حقوق الكورد في العراق الاتحادي للخطر، بل قد يعيد الاقليم والعراق لحقبة ظلامية يفترض انها انتهت في 2003.