تخفيض الرواتب وزيادة المخصصات ولعبة متمرس بغور النتانة والعفن

كشفت تقارير رسمية عن التفاف الحكومة على قرارات تخفيض رواتب كبار المسؤولين بهدف الحد من الأزمة المالية، عبر زيادة المخصصات الإضافية التي رفعت أجورهم بصورة خيالية.وعلى الرغم من إقرار البرلمان العراقي حزمة إصلاحات أطلقها رئيس الوزراء حيدر العبادي مطلع سبتمبر/أيلول 2015 والتي شملت خفض رواتب المسؤولين العراقيين في الحكومة والبرلمان ورئاسة الجمهورية وما يعرف بالدرجات الخاصة في البلاد إلا أن البيانات التي حصلت عليها “العربي الجديد”، من سجلات وزارة المالية العراقية كشفت أن التخفيضات التي أعلنت عنها الحكومة شملت الراتب الاسمي المعلن (الأساسي) فقط بينما تمت زيادة المخصصات لتصل أجور الكبار إلى أكثر من 5 أضعاف قيمتها لدى بعض المسؤولين.
وفي هذا السياق، قال مسؤول رفيع في وزارة المالية العراقية خلال مشاركته مؤخراً بمباحثات بين الحكومة العراقية ونظيرتها البريطانية في لندن بحديث لـ “العربي الجديد” إن “معظم المسؤولين العراقيين ما زالوا يتقاضون مرتبات عالية من خلال الاستفادة من المخصصات الإضافية التي تصل لدى بعضهم إلى خمسة أضعاف الراتب الأساسي لأحدهم”.يأتي ذلك بالتزامن مع تقارير رسمية تشير إلى ارتفاع معدلات الفقر في البلاد إلى نحو 35% في عموم مدن البلاد احتلت محافظة المثنى وصلاح الدين وذي قار ثم بغداد مراتب متقدمة في مستويات الفقر بمعدل أقل من أربعة دولارات يوميا كدخل يومي للمواطن.
وأقرت الحكومة العراقية في الأول من سبتمبر /أيلول عام 2015 قانون تحديد مرتب رؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان بثمانية ملايين دينار (نحو 6 آلاف دولار) ونواب الرئاسات الثلاث بستة ملايين دينار والوزراء 4 ملايين دينار عراقي وأعضاء البرلمان بثمانية ملايين دينار كما حدد القانون مرتبات الدرجات الخاصة كالمدراء العامين ووكلاء الوزراء.إلا أن المسؤول، الذي يشغل منصباً استشارياً في وزارة المالية العراقية، ورفض ذكر اسمه، أكد أن المخصصات المالية التي تمنح فوق رواتبهم الشهرية جعلت من قانون تخفيض رواتب المسؤولين بمثابة “خداع للعراقيين” وفقا لقوله.
وحتى الآن تتحفظ الجهات الرسمية العراقية على الإفصاح عن المرتبات الإجمالية للمسؤولين الحكوميين وأعضاء البرلمان ورؤساء الهيئات العامة والمستقلة والحكومية على حد سواء وتكتفي بإعلان الراتب الأساسي لهم.وأثارت فاتورة لراتب أحد أعضاء البرلمان سربت مؤخرًا وتبلغ قيمتها نحو 8 ملايين دينار (6 آلاف دولار)، ضجة كبيرة بعد تصريحات لمسؤولي الدائرة الإعلامية في البرلمان قالوا فيها إن راتب البرلماني الكلي هو 4 ملايين فقط (3 آلاف دلار).وعلى الرغم من التسريبات المتكررة التي تنقلها وسائل الإعلام المحلية في العراق لرواتب المسؤولين في البلاد إلا أن اغلبها يكاد يكون تكهنات غير دقيقة بسبب إخفاء الحكومة للأرقام الحقيقية.
وفقاً للمسؤول، فقد بلغ مجموع رواتب شهر يناير/كانون الثاني الماضي لمسؤولين عراقيين في جهات حكومية وطواقمهم 30 مليارا و113 مليون دينار عراقي نحو (26 مليون دولار) خلال شهر واحد شملت كلا من رئيس الجمهورية ونوابه الثلاثة ورئيس البرلمان ونائبيه ورئيس الوزراء ووزراءه وأعضاء مكتبه المدني والعسكري 48 وكيل وزير ومن هم بدرجتهم ورؤساء 11 هيئة مستقلة و5 آلاف مدير عام فضلا عن 325 عضوا في البرلمان العراقي و18 محافظا و18 رئيس مجلس محافظة و419 عضو مجلس محافظة وهم بالعادة من الأحزاب السياسية التي تسيطر على حكم البلاد منذ الإطاحة بنظام الرئيس السابق صدام حسين عقب الغزو الأميركي للبلاد عام 2003.ويضاف لهم رواتب أفراد الحماية الشخصية البالغ عددهم نحو 6 آلاف جندي وعنصر أمن مثبتين على ملاك وزارة الداخلية والدفاع ومفرغين لحماية تلك الشخصيات.وحسب المسؤول فقد تسلم مكتب رئيس الجمهورية فؤاد معصوم ما مقداره 50 ألف دولار منها نحو 30 ألف دولار إجمالي أجر معصوم بعد إضافة المخصصات أي 5 أضعاف الراتب الأساسي، كما تسلمت مكاتب نوابه الثلاثة نحو 35 ألف دولار لكل مكتب منهم بينما تلقى مكتب رئيس الوزراء 40 ألف دولار والوزراء 21 ألف دولار وجاء أعضاء البرلمان بواقع ستة آلاف دولار (تتفاوت بين نائب وآخر) فيما حصل وكلاء الوزراء على نحو 7 آلاف دولار ومثلهم رؤساء الهيئات الحكومية والمستقلة بينما تسلم محافظو 18 محافظة عراقية نحو 6 آلاف دولار وأعضاء مجالس المحافظات بواقع ألفي دولار. وتشمل تلك المبالغ الشهرية مخصصات السكن والنقل الداخلي والبعثات الخارجية والحماية والضيافة والتشريفات للضيوف والوفود ومخصصات خطورة فضلا عن صيانة عجلات مواكبهم الخاصة.
وتتحمل الموازنة المالية العراقية التي تعتمد على واردات النفط بنحو 95% أكثر من 360 مليار دينار سنويا كرواتب ومخصصات مختلفة للمسؤولين العراقيين وعوائلهم ما يعادل نحو 312 مليون دولار ما يعني أن إيرادات تسعة آبار نفط في حقل مجنون أو الرميلة في محافظة البصرة توازي رواتب المسؤولين والسياسيين العراقيين ونفقاتهم الجانبية.كما أن المبلغ الإجمالي لرواتبهم خلال عام واحد يعادل واردات العراق المالية عن بيع التمور منذ عام 2009 وحتى عام 2020 المقبل، حسب تقديرات محللي اقتصاد لـ “العربي الجديد”.ورفض مسؤولون بأمانة مجلس الوزراء التعليق حول تلك الأرقام الفلكية، إلا أن مصادر أخرى بوزارة المالية قالت إنها مقاربة لكن غير دقيقة وهي متفاوتة بين شهر وآخر. ووفقاً للمصادر ذاتها فإن النفقات الإضافية تشمل زوجات وأبناء المسؤولين أيضا وغالبيتهم يقيمون خارج العراق وليس داخله.
وفي هذا الإطار، يقول الخبير الاقتصادي العراقي محمد الصوّاف لـ”العربي الجديد” إن “رواتب المسؤولين العراقيين وضعت من قبلهم ولم تخفض مطلقا منذ سنوات والإصلاحات الأخيرة التي أعلنوا فيها عن تخفيض الرواتب تم تعويضها بطرق أخرى مثل المخصصات الشهرية التي تم رفعها”.
وأوضح الخبير الاقتصادي أن “المبلغ الإجمالي لما يتقاضاه المسؤولون والسياسيون في العراق يكفي شهرياً لبناء 10 آلاف وحدة سكنية منخفضة الكلفة أو تكفي لبناء 200 مدرسة تحتوي كل مدرسة منها على 12 صفا دراسيا كما أنها تكفي لبناء محطتي كهرباء أو إعالة أكثر من نصف مليون عائلة عراقية تعيش تحت خط الفقر” وفقاً لقوله.ولفت الصوّاف إلى أن المبلغ الإضافي للرواتب يشمل ما يعرف اصطلاحاً بالعراق بـ “النثريات” وهي مخصصات تمنح لمكتب كل مسؤول يقوم بصرفها دون حساب أو مطالبته بكشوفات”.