ثقافة السب واللعن تحت مجهر الإسلام الوسطي

لاشك إن تعاليم الدين الإسلامي الحنيف خالي من أي تلك الثقافات التي تبث روح الحقد والبغض والعداء بين المجتمع البشري فضلا عن المجتمعات الاسلامية الأخرى وكذلك لايوجد في تطبيق شرعه و منهاجه القويم ما يروج لثقافة السب واللعن والتكفير بعوام الناس فكيف بالنبي وأهل بيته (عليهم السلام) وصحابته وزوجاته (رضوان الله عليهم) ومن يقول خلاف ذلك لاشك إن في إسلامه وايمانه وفكره وعقيدته خلل أو مشكلة بل إنه مخالفا لكلام الله حيث جاء في قوله تعالى :

( وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) سورة الأنعام ( 108) .
وهناك الكثير من النصوص القرآنية ما يشير الى هذا المورد ولكن لايسعنا ذكرها في المقام لذلك اكتفينا بهذه الايةالقرآنية الصريحة وكذلك هناك الروايات واردة في هذا الشأن ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ :
(خَرَجَ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ وَعَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ يُظْهِرَانِ الْبَرَاءَةَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا عَلِيٌّ عليه السلام أَنْ كُفَّا عَمَّا يَبْلُغُنِي عَنْكُمَا فَأَتَيَاهُ فَقَالَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَسْنَا مُحِقِّينَ ؟!
قَالَ : بَلَى
قالا : أو ليسوا مبطلين ؟
قال : بلى
قَالَا : فَلِمَ مَنَعْتَنَا مِنْ شَتْمِهِمْ ؟! .
قَالَ : كَرِهْتُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا : لَعَّانِينَ ، شَتَّامِينَ تَشْتِمُونَ ، وَتَتَبْرَءُونَ ، وَلَكِنْ لَوْ وَصَفْتُمْ مَسَاوِئَ أَعْمَالِهِمْ فَقُلْتُمْ مِنْ سِيرَتِهِمْ كَذَا وَكَذَا ، وَمِنْ أَعْمَالِهِمْ كَذَا وَكَذَا ، كَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ وَأَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ ، وَ لَوْ قُلْتُمْ مَكَانَ لَعْنِكُمْ إِيَّاهُمْ ، وَبَرَاءَتِكُمْ مِنْهُمْ :
اللَّهُمَّ احْقُنْ دِمَاءَهُمْ ،وَدِمَاءَنَا ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ وَبَيْنِنَا ، وَاهْدِهِمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ ، حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقَّ مِنْهُمْ مَنْ جَهِلَهُ ، وَيَرْعَوِيَ عَنِ الْغَيِّ وَالْعُدْوَانِ مِنْهُمْ مَنْ لَجَّ بِهِ ، لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ ، وَخَيْراً لَكُمْ .
فَقَالَا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَقْبَلُ عِظَتَكَ وَنَتَأَدَّبُ بِأَدَبِك…
وفي تفسير القمي قال: حدثني أبي عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ليلة ظلماء) فقال: كان المؤمنون يسبون ما يعبد المشركون من دون الله فكان المشركون يسبون ما يعبد المؤمنون فنهى الله المؤمنين عن سب آلهتهم لكيلا يسب الكفار إله المؤمنين فيكون المؤمنون قد أشركوا بالله من حيث لا يعلمون فقال: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم..
وفي تفسير العياشي عن عمرو الطيالسي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله: (ولا تسبوا الآية. قال فقال يا عمرو هل رأيت أحدا يسب الله؟ قال:
فقلت: جعلني الله فداك فكيف؟ قال من سب ولى الله فقد سب الله.
ولايخفى عليكم بأن هذا الكلام وهذه الثقافة الاسلامية الاخلاقية الوسطية لا تنفع مع من ينمي ويربي نفسه على ثقافات السب واللعن والتكفير الذي هو بداية للقتل ولإستباحة الدماء وزهق الأرواح وقد وضعت الوسطية في ميزانها هذه الثقافات والاخلاقيات الخارجة عن الدين وعن الإنسانية لذلك سعى الفكر الوسطي ومن يمثل الامتداد الحقيقي للاسلام بان يضع لهذه الثقافات حدود لايمكن تجاوزها ويكون معرضا لدفاعات المنظومة الفكرية الرصينة التي تعتمد على قواعد واسس الاسلام الوسطي المعتدل الذي كشف مخططات اللوبي القديم والحديث الذي يقف وراء تلك الوسائل التي تروج لثقافات السب واللعن والتكفير والطائفية حيث كان للمحققين الاسلاميين في وقتنا الحاضر دورا كبيرا وواسعا في كشف تلك المؤامرات الخبيثة التي تحاك ضد الاسلام المحمدي الصادق وقد كان للمرجع المحقق السيد الصرخي الحسني (دام ظله) دورا بارزا في طرح منظومته الفكرية الوسطية وبدء في التحقيق بتلك الموروثات وفي التاريخ الاسلامي حيث كشف أصول وجذور لتلك الثقافات التكفيرية ..
فقد كشف سماحته (دام ظله) في إحدى محاضراته العقائدية (عن وجود لوبي صھیوني تدیره مرجعیات السب الفاحش والتي تعمل بكل وسائلھا للطعن بشرف وعرض النبي وصحابة النبي (رضوان الله عليهم) ً … حیث قال :
(… إن كل إناء ینضح بما فیه فالمتعرض والطاعن بشرف وعرض النبي المصطفى وآله الأطھار (علیھم الصلاة والسلام)، یستحیل أن یكون شریفا فلیُسأل عن حسبه ونسبه وعن عرضه وعن شرفه الخاص الشخصي…) ”

كما قال ایضا : ( یوجد لوبي یوجد كتلة یوجد مافیا یوجد عصابة یوجد ملیشیات كانت متسلطة كانت متآمرة عندھا القدرة المالیة عندھا القدرة والبعد الاجتماعي، عندھا القدرة العسكریة والأمنیة، وعندھا القدرة الإعلامیة ، فھذه المافیا التي كانت في داخل المجتمع الإسلامي وطبعا للیھود الدور الرئیس والید المؤسسة والكبرى في وجودھا، … ھي التي اغتالت الخلیفة الأول واغتالت الخلیفة الثاني واغتالت الخلیفة الثالث واغتالت علي (سلام الله علیه)” وفي بحثه الموسوم (نزیل السجون )والذي طرح فیه وكجواب دقيق عن احد الاسباب الرئيسة التي دعتھم الى ارتكاب جریمة قتل الأئمة ومنھم الامام الكاظم (علیه السلام ) فیقول سماحته :
[…. والأطروحة المقترحة والتي نعتبرھا السبب الرئیس والمحرض المباشر والمؤثر الفاعل لاتخاذ القرار من قبل السلطة الظالمة ورموزھا ورؤسائھا الطغاة ، أن الأطروحة تشیر وبالمصطلح الحدیث الى اللوبي الصھیوني العنصري ، الذي ارتبط بالدنیا وعشق وعجن بطول الأمل ، انه لوبي أئمة الضلالة المشار الیھم في كلام المعصومین علیھم السلام بیھود الامة الدجالین والأخوف والأشد على الامة من الدجال ، ….. ویكفي الاشارة الى ان السبب فیما حصل للإمام الكاظم (علیه السلام) من أئمة الضلالة وتآمرھم علیه وتحریضھم المتكرر والمستمر لرؤوس السلطة الحاكمة ضد الامام (علیه السلام)ادى الى تلك النتیجة من السجن ثم السم والقتل ].
وقد يأتي البعض ويقول أن اللعن المقصود هنا هو الذي يكون أمام الناس وهذا غير صحيح فالحديث عام وليس فيه تخصيص بمعنى أن الإمام علي (عليه السلام) يريد لنا أن نتخذ عدم السب واللعن كمنهج فلا نسب ونلعن أمام الناس ولا نسب ونلعن في حواراتنا الخاصة ولا نسب ونلعن حتى بيننا وبين أنفسنا!
لكن المصيبة اليوم هي أن اللعن أصبح أفضل من الصلاة على محمد وآله وأنك إذا لم تلعن فلان وفلان وفلانة فأنت خارج المذهب وربما خارج عن الدين أو إنك تنكر ضرورة من ضروريات الدين فبئس الدين هذا وحاشا رسول الله (صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ) الذي بعث رحمة للعالمين وليتمم مكارم الأخلاق أن يكون اللعن جزءاً من دينه أو ضرورة من ضرورات الإيمان به .

حبيب غضيب العتابي