جَعْجَعَةٌ بِلَا طَحِينِ وَبَرْلَمَانٍ بِلَا تَمْكِينِ

جَعْجَعَةٌ بِلَا طَحِينِ وَبَرْلَمَانٍ بِلَا تَمْكِينِ
حــازم الشـــهابي:
بعيدا عن البروجاندا , وتجنبا للوقوع في مطباتها ومنزلقاتها الخطيرة , ومسالكها المتعرجة , أجد من المناسب عدم شخصنة الأحداث وتأطيرها بإطار الميول والتوجهات , لتفادي السقوط في هاوية الصراعات الحزبية المتنافسة في ميدان السباق الانتخابي , وما يسبقها ويلحقها من تحالفات وتكتلات حزبية , تكاد لا تعدو عن كونها حلقة جديدة من مسلسل يومي , لم أجد له تصنيف ابلغ من وصفه “بالميلودراما “… . فما هي إلا تتمة لأحداث متوالية بدأت أحداثها تتسارع وبوتيرة متناقضة بين تصاعد وتسافل , كبندول ساعة عتيقة يتأرجح بين الأمل والانتظار.
دعونا نتكلم عن تجربة الانتخابات البرلمانية العراقية . لقد مر العراق في ثلاث تجارب انتخابية ورابعة مازالت تتمخض في غرف مظلمة من دهاليز الأجندة والمصالح الفئوية والإرادة الحزبية , لتلد لنا كالعادة من أخواتها السابقات برلمان معاق بملازمة “جيلن باري” وهو ( مرض عصبي حاد يصيب الأطراف من جذورها ) لتتعالى من بعده الأصوات بالعويل والنائحات .
لا يختلف اثنان من الجانب النظري ؛ على إن التجربة الديمقراطية في العراق تجربة حضارية بامتياز قل نظيرها بالمنطقة , أو أنها تكاد إن تكون هي الوحيدة من نوعها , لما لها من شفافية في الممارسة والآليات والإجراءات , فهي من حيث المبدأ (الانتخابات) تعد الوسيلة الأنجع والأكثر قبولا إن لم تكن هي الوحيدة الإضفاء الشرعية لتشكيل الحكومات والأنظمة , وذلك من خلال شمولية حق الانتخاب وعدم حرمان أي عنصر من حق المساهمة في العملية السياسية وإبداء الرأي وحرية الاختيار , الأمر الذي ساهم كثيرا في قطع الطريق أمام الإقصاء والتفرد, إما من الجانب العملي والنتاج الفعلي , فأنها ما زالت تحبوا , أو أنها مازالت في طور مراحلها الأولية للبناء, فهي لم ترتقي بعد وحتى هذه اللحظة وعلى الرغم من مرورها بثلاث تجارب سابقة من لعب دورها المفترض, في تحقيق وتلبية متطلبات المواطن العراقي وطموحاته في حياة كريمة تعمها الرفاهية والاطمئنان , الأمر الذي انعكس سلباً على ثقة المواطن العراقي بعموم الطبقة الحاكمة , وبالتالي أدى إلى ظهور نزعة التمرد على العملية السياسية برمتها , وكان ذلك جليا من خلال تعالي أصوات المستاءين والمنادين لمقاطعين للانتخابات القادمة .
إن جل ما يحدث اليوم في العملية السياسية وضعف قدرتها على بناء جسور الثقة مع المواطن, يعود لسببين
الأول: هشاشة المنظومة القيمة للمتصدين للعملية السياسية وغياب الروح الوطنية , وتغليب المصالح الشخصية حتى قبل الحزبية منها , مما ترك انطباعا سيئ لدى المواطن اتجاه الطبقة السياسية المتصدية , كما انه انعكس بطبيعة الحال أيضا على سلوكيات الساسة داخل قبة البرلمان نفسه , لتكن المناكفات السياسية والمزايدات الحزبية قبال المصلحة العامة هي الصفة السائدة , والشغل الشاغل لمعظم البرلمانيين , فهي ليست في حقيقتها اختلافا على منهاج أو ايدولوجيا معينة بقدر ما هي اختلاف من اجل الحصول على مكاسب ,أو لقطع الطريق أمام الطرف الأخر من اجل عدم حصوله على مكاسب سواء أكانت سياسية أو جماهيرية , فمن خلال متابعتانا الأعضاء البرلمان وواجباتهم البرلمانية , لن نجد أحزاب فاعلة بما للكلمة من معنى , بسبب تعدد الأحزاب وتنوعها , وهذا سيؤدي بطبيعة الحال إلى تشتت القرار البرلماني وضعفه , تبعا للأجندة والمتبنيات ناهيك عن المزايدات والصراعات الفئوية .
الأمر الأخر يتعلق بالإلية والبنية البرلمانية نفسها , فمن اجل الخروج من هذه الهاوية , هاوية النزاعات والمصالح الشخصية , ليس أمامنا إلا خيار واحد فقط , وهو الاتجاه نحو حكومة الاغليبة , حكومة منبثقة من كتل منسجمة برؤية موحدة , فلا يمكن إن يكون البرلمان فاعلا بقراراته قويا بإجراءاته دون وجود أحزاب قوية منسجمة , في إطار الشعور العالي بالمواطنة وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية , من خلال طرح المشاريع والبرامج التنموية التي هي على تماس مباشر مع المواطن وطموحاته التي طالما كان يحلم بتحقيقها ………

Shihabi33@yahoo.com