حديث نبوي شريف:” آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ : إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ , وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ , وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ” .

دولة السراق

دولة السراق والعابثين وطويلي اللسان وكبيري اللجام والحنديري حين يعهد إنسان إلى آخر بسرٍ ويأتمنه عليه ، ثم يقوم الأخير بإفشائه فقد خان الأمانة . وإذا أودع إنسانٌ آخر وديعة على سبيل الأمانة فأهلمها ، أو لم يحفظها فقد خان الأمانة . وإذا عاهد إنسان آخر عهدًا فنقضه فقد خان الأمانة ، وإذا عصى الإنسانُ ربه فقد خان الأمانة . هذه كلها صور من صور الخيانة ، وذلك الخلق الرذيل ، الذي يدل على ضعف الإيمان ، ووضاعة النفس . والخيانة من كبائر الذنوب ، بل هي من النفاق العملي : ((آية المنافق ثلاث ، إذا حدَّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان)) . والخائن بغيض إلى الله بغيض إلى الناس ، قال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ) ( الحج: 38 ) . الخائن يعرض نفسه لهتك ستره وافتضاح أمره ، فهو لا يستحق أن يدافع عنه أحد أو يجادل عنه ، قال تعالى : ( وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً ) ( النساء: 105 ) . ما موقف الخائن في الآخرة؟ وإذا أخفى الخائن عن الناس خيانته وغدره ، ووجد في الدنيا من يجادل عنه ، فكيف يكون حاله وموقفه يوم تبلى السرائر ، قال تعالى : ( هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ) ( النساء:109 ) . ولو علم الخائن أن سعيه وكيده إلى بوار لارتدع ، قال تعالى : ( وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ) ( يوسف: 52 ) . وحين يؤتمن الخائن ، ويخوَّن الأمين ، فقد أتى على الناس السنون الخداعة التي حذر منها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله : ((سيأتي على الناس سنون يُصدق فيها الكاذب ، ويُكذَّب فيها الصادق ، ويخوَّن الأمين ، ويؤتمن الخائن ، وينطق فيها الرويبضة )) قيل : يا رسول الله ، وما الرويبضة ؟ قال : ((السفيه يتكلم في أمر العامة)) . ولأن الخيانة داء عضال ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله منه : ((… وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئس البطانة)) . وما من عبد يخون إلا أوقف يوم القيامة ورفعت راية على إسته فيقال : هذه غدرة فلان ، فأي فضيحة أعظم من هذه ؟‍ ومن صور الخيانة من أعظم صور الخيانة أن تنشغل الأمة بجهاد أعدائها ، ويخرج المجاهدون لإعلاء كلمة الله في أرضه ، تاركين أهليهم وأولادهم ، ثم يأتي خائن حقير فيخون المجاهد في أهله ؛ إذ لو كان رجلاً لاستشعر مسؤوليته تجاه أبناء المجاهدين ونسائهم ، وأنه بالنسبة لهم الأخ المواسي ، خاصة حال غياب المجاهد الذي يدفع الله به الشر عن البلاد والعباد ، ومنهم ذلك الذي انتهز فرصة الغياب ليخون ، فكيف به إذا أوقفه الله يوم القيامة فجاء المجاهد فأخذ من عمله حتى لا يُبقي له شيئـًا . ومن صور الخيانة أن يستشير الرجل أخاه فيشير عليه بغير الصواب ، قال صلى الله عليه وسلم – : ((… ومن استشاره أخوه المسلم فأشار عليه بغير رشدٍ فقد خانه)) ، فالمستشار مؤتمن ، فإن أشار بخلاف ما يرى أنه الأصلح فقد خان . ومن صور الخيانة أن يوسَّد الأمر إلى غير أهله ، فلا يكون المعيار كفاءة الرجال ، وإنما القرابة أو المحبة أو غيرها . وإذا سادت المجتمعات الإسلامية هذه الآفة فقد ضُيعت الأمانة ، وعندها تقترب الساعة ، قال صلى الله عليه وسلم – : (( فإذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة)) قيل : كيف إضاعتها ؟ قال صلى الله عليه وسلم – : ((إذا وسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)) (رواه البخاري) . ومن صور الخيانة أن يسير الوالي في رعيته بغير هديً من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وألا يحرص على مصالحهم في دينهم ودنياهم ، ومثل هذا يحرم الله عليه الجنة ، قال صلى الله عليه وسلم – : ((ما من عبد يستر عليه الله رعيته ، يموت يوم يموت وهو غاشٌ لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة)) . ولو نظرنا إلى الشرع المطهر لوجدنا أنه زجر عن هذا الخلق ، ولو من باب رد الفعل : ((أدِ الأمانة لمن ائتمنك ، ولا تخن من خانك )). (رواه أبو داود وغيره وصححه الألباني) . التزام الأمانة يؤدِّي إلى الإيمان والخيانة أقبح الأخلاق الأمانة قيمة إسلامية إنسانية يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد وهو يتحدث عن عناصر فلاح المؤمنين: {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} [المؤمنون:8]، ويقول تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها} [النساء:58]. الأمانة هي قيمة إسلامية إنسانية أخلاقية، تنطلق من عهدٍ بين صاحب المال الذي يتركه على نحو الأمانة، وبين الذي يحتفظ بالأمانة، فصاحب المال يعطي الإنسان المؤتمَن الثقة به بأنه سيحفظ له أمانته، والمؤتمَن يعطيه العهد بأنه سوف يحفظ أمانته ويرعاها ولا يخونها. والأمانة لا تقتصر على المال فحسب، بل إنها تمثل كل أمر يتكفّل الإنسان بحفظه ويتحمّل مسؤوليته، في ما يحمّله الآخرون من مسؤولية، فالزوجة أمانة الله عند زوجها، والعكس صحيح، من خلال العقد الذي يربط بينهما، حيث يلتزم كل منهما بحقوق الآخر، فحق كل منهما عند الآخر هو أمانة لا بد من أن يرعاها ويحفظها ويؤدّيها إليه. وهكذا تمتد الأمانة لتشمل المسؤوليات التي يتحمّلها العامِل عند صاحب العمل، من خلال العقد الذي يلتزم فيه العامل بأن يقوم بكل ما تفرضه عليه وظيفته تجاه صاحب العمل، وصاحب العمل يمثل الأمانة من خلال تقديم ما يجب أن يقدِّمه للعامل جزاء عمله. وتمتد المسألة في الأمانة إلى الأمانة على المجتمع، فالمجتمع يمثل المسؤولية الكبيرة التي يتحمّلها كل أفراده، وهو أمانة الله عندهم جميعاً، وعليهم أن يحفظوه من السقوط والتمزّق والانهيار والفتنة، ومن كل ما يُسقط قضاياه وأوضاعه في جميع المجالات، فكل إنسان في المجتمع مؤتمن بأن يؤدي للحياة الاجتماعية التي ترتبط بها قضايا الناس ومصالحهم، كل ما يحفظ هذه الحياة وينمّيها ويرعاها. وتمتد المسألة إلى الوطن كله، فالوطن هو أمانة الله عند المواطنين، بأن يحفظوه من كل من يريد إسقاطه، أو يفرض الاستكبار عليه، أو يعمل على إثارة الفتن بين أفراده. وتنطلق المسألة إلى كل حكومة تقود الناس وتحكمهم؛ فالحاكم مسؤول عن أداء الأمانة التي حمّله إياها الشعب عندما ارتضوه حاكماً، وعليه أن يؤدي إليهم حقوقهم في رعاية أمورهم وتدبيرها، وقضاء حاجاتهم، وتأكيد حرياتهم وأصالتهم. وعندما ينتخب الناس أشخاصاً ليمثلوهم في تقرير ما يصلحهم وتأمين ما يحتاجونه في المجلس النيابي أو الشورى أو في الجمعيات والمؤسسات المختلفة، فإن هذا الصوت الذي يحصلون عليه، هو أمانة، وهو يحمّلهم مسؤولية أن لا يخونوا هذا الصوت الذي أعطاهم هذه الثقة، فلا ينطلقوا في أيّ مشروع يسقط الواقع، ويؤثّر تأثيراً سلبياً على الأمة والوطن. مسؤولية الأمانة وآثارها وقد جاء في القرآن الكريم: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون} [الأنفال:27]، فخيانة الأمانة لا تتصل بالشخص نفسه، بل بالشعب كله، والوطن كله، والحياة كلها، ولذلك علينا أن نرعى الأمانة. وقد ورد عن رسول الله(ص) وهو يريد أن يعرّفنا معيار القيمة الكبرى للإنسان، قوله(ص): “لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم، وكثرة الحج والمعروف، وطنطنتهم بالليل والنهار، ولكن انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة، فإذا صدقوا في أحاديثهم ولم يأخذوا بأسباب الكذب، وأدوا الأمانات إلى أهلها، يمكن أن تحكموا عليهم بالإيمان، ويكونون ممن يحبّهم الله ويرضاهم. وفي حديث للإمام عليّ(ع): “أفضل الإيمان الأمانة، وأقبح الأخلاق الخيانة، لأن الأمانة تدل على أنّ هذا الإنسان يتحمّل مسؤولية ما ائتمن عليه، بينما الخيانة تدل على عكس ذلك، وأنّ هذا الإنسان لا يتحمّل مسؤولية ما يؤتمن عليه. وورد أيضاً عن الإمام الباقر(ع): “ثلاث لم يجعل الله عزّ وجلّ لأحد فيهن رخصة: أداء الأمانة إلى البرّ والفاجر ـ لا فرق بين أن يكون الذي ائتمنك إنساناً طيباً صالحاً أو فاجراً فاسقاً ـ والوفاء بالعهد للبرّ والفاجر، وبرّ الوالدين برّين كانا أو فاجرين“. ويقول الإمام الصادق(ع): “اتقوا الله، وعليكم بأداء الأمانة إلى من ائتمنكم، فلو أن قاتل أمير المؤمنين ائتمنني على أمانة لأدّيتها إليه“. فكم هي جريمة ابن ملجم الذي قتل أمير المؤمنين(ع)، ومع ذلك، فإن الصادق(ع) يقول إنّه يلتزم بتأدية الأمانة إليه إذا قَبِل منه ذلك. وهذا ما نقوله لكل من يستحلّ أموال غير المسلمين، كأولئك الذين يختلسون المال من البنوك في المغتربات أو ما إلى ذلك، فإن ذلك حرام في حرام في حرام. حفظ الأمانة وفي كلام للإمام عليّ(ع): “لا تخن من ائتمنك وإن خانك، فلو خانك شخص وعاد وائتمنك على شيء وقبلت أمانته، فعليك أن تحفظ له أمانته. وعن رسول الله(ص): “لا إيمان لمن لا أمانة له، فالله تعالى لا يعتبر الإنسان مؤمناً وإن نطق بالشهادتين ما لم يؤدِّ الأمانة، لأنّه بذلك يكون مؤمن اللفظ ولكنه كافر العمل. وعنه(ص): “من خان أمانةً في الدنيا ولم يردّها إلى أهلها، ثم أدركه الموت، مات على غير ملّتي، ويلقى الله وهو عليه غضبان“. وجاء في قوله تعالى: {إنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً} [الأحزاب:72]. ويعلّق الإمام عليّ(ع) على هذه الآية الكريمة، فيقول: “ثم أداء الأمانة، فقد خاب من ليس من أهلها، إنها عُرضت على السموات المبنية، والأرضين المدحوّة، والجبال ذات الطول المنصوبة، فلا أطول ولا أعرض ولا أعلى ولا أعظم منها، ولو امتنع شيء من طول أو عرض أو قوة أو عزّ لامتنعن، ولكن أشفقن من العقوبة، وعقلن ما جهل من هو أضعف منهن، وهو الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولاً“. وقد فُسِّرت الأمانة في هذه الآية بأمانة التكليف والمسؤوليات التي حمّلها الله تعالى للإنسان في ما أمره به ونهاه عنه.