حكومة عبد المهدي وتحدي المليشيات

   شهدنا كيف تحول العراق الى ساحة حرب ملتهبة، إبان سقوط النظام الصدامي، فتشكلت مجاميع مسلحة في المناطق الشيعية والسنية على حد سواء، حملت تسميات متعددة، بحجة الجهاد ضد قوات الإحتلال، فذهب كثير من الضحايا الأبرياء نتيجة الأعمال العسكرية بين الطرفين، لكن هذه المجاميع؛ سرعان ما تحولت الى عصابات خطف وتسليب وقتل وترويع للمواطنين، رغم حملها لأسماء مقدسة.

   إستخدمت المليشيات المسلحة لأغراض متعددة، فهي تارة تستخدم لفرض سطوة بعض الأحزاب السياسية، على بعض الأحياء وربما مدن كاملة، وأخرى لتحصيل الأموال غير المشروعة والتجاوز على أملاك الدولة، ومنفذا رئيسيا للتدخلات الخارجية في سياسة الدولة، حيث إن أغلب هذه المليشيات مدعوم من الخارج، وينفذ أجندات هذه الدول، فأصبحت بعض المليشيات تمارس العمل السياسي في النهار، والقتل والترويع في الليل، وكلاهما يحمي الآخر.

  بعد توغل داعش في المدن العراقية وصدور فتوى الجهاد الكفائي، لمحاربة فلول الإرهاب والقضاء عليه، جاءت المناشدات الكثيرة من المرجعيات الدينية والفعاليات المجتمعية، بحصر السلاح بيد الدولة، وأن تكون جميع الفصائل المسلحة خاضعة لسلطتها، تعمل ضمن المؤسسة العسكرية الرسمية، فتم إقرار قانون الحشد الشعبي، الذي نضم عمل هذه الفصائل، وصار للحشد مؤسسة رسمية، تحت إشراف القائد العام للقوات المسلحة.

    على الرغم من إستنفاذ الوسائل القانونية لاحتواء بعض المليشيات، إلا أنها بقيت بعيدة عن سيطرة الحكومة لأسباب يعرفها الشارع العراقي، فبعضها ما زال يسيطر على بعض آبار النفط التي تقوم بإستخراجه وتهريبه! وبعضها يسيطر على أرصفة الموانئ العراقية حيث إستخدمتها لفرض الإتاوات والضرائب، بينما ذهب البعض الآخر للسيطرة على المنافذ الحدودية! بل وحتى السيطرات التي تشرف على مداخل المدن، ناهيك عن عمليات السطو والإبتزاز، وفتح البارات والملاهي المخالفة للقانون التي أصبحت مرتعا للفساد والجريمة المنظمة.

    كل هذا يحصل على مرأى ومسمع من الحكومة الإتحادية، التي تحاول أن تغطي النار المستعرة بذر الرماد في العيون، وإن فعلت شيئا إنما تفعله على إستحياء، فحتى السياسيون أصبحوا يخشون من نفوذ هذه المليشيات، أو هم داعمين لها، والضحية هيبة الدولة وشوكتها التي كسرت، فأصبحنا نشاهد دويلات داخل دولة، والمواطن البسيط بات يخشى من رصاصة تأتيه في رأسه دون سبب، أو سيارة مسلحة تداهم بيته، فتسلب أمواله وحياته.

   معركة مؤجلة؛ تنتظر الحكومة القادمة، إذا ما أرادت فرض هيبة الدولة، والقضاء على الفساد المستشري فيها، وإشعار المواطن بالأمان الذي فقده، في شارع مدجج بالسلاح، بعضه يحمل إجازة رسمية! فلكي يكون العراق دولة قوية، لابد من وجود حكومة قوية، تواجه من يحاول إضعافها وضربها من الداخل، وتلك مهمة لن تكون يسيرة بالمرة، فهي تحتاج الى رئيس وزراء، حازم، شجاع، وقوي.