سقط القناع وبانت سوئتهم ويظل العراقي الاصيل سيد المواقف

لم تكتف الحكومات المتعاقبة في العراق – مع الاختلافات الشكلية في انظمتها – بتجويع وترهيب شعبها وتحويل حياته الى مسلسل يومي من الدراما المأساوية، بل تعمد الى مجابهته بالعنف والقمع كلما نفذ صبره ورفع صوته محتجاً، كما أنها لا تتورع عن رشقه بشتى النعوت المهينة واصفة اياه بالرعاع و الغوغاء والحثالة,كان صدام يداهن فقراء شعبه فيسبغ عليهم صفة الابطال والشهداء وهم يحترقون في جحيم حروب المجنونة، فما ان ثاروا على وحشية نظامه حتى انطلق زعيق اعلامه ليصمهم بالخيانة و ينعتهم بحثاله من الرعاع والغوغاء،
تتوسع انتفاضة الجنوب في العراق، وأحزاب المرجعية تستشعر الخطر على وجودها، ولذلك لا خيار لهم إلا القمع وتفريق المتظاهرين بعد فشل وعود العبادي بإطلاق المليارات؛ لقد أيقنوا أن المنتفضين لن يصدقوا كذبهم. والعبادي يعلم أنه لا يستطيع تلبية مطالب المتظاهرين، فمن أين يأتيهم بمياه صالحة للشرب وكهرباء بعد 15 عامًا من الفشل في تهيئتها وكيف سيجد عملا لعشرات الآلاف من الخريجين العاطلين عن العمل لذلك لا خيار له إلا اتهام المنتفضين بالتخريب.
انتفاضة الجنوب ليست بنت اليوم أو الأيام الفائتة بل هي استمرار لانتفاضات الشعب ضد الفاسدين والفاشلين منذ الاحتلال وحتى اليوم، ولكن أزمة الكهرباء وانعدام المياه الصالحة للشرب وتوقف الزراعة مؤخرا؛ أجج الغضب من جديد وأطلق شرارتها، ضد أحزاب المرجعية وهي تعد امتدادًا لحركة المقاطعة الكبيرة للانتخابات الأخيرة التي لم تقدرها السلطة حق قدرها، بل كابرت وأعلنت نسبة مشاركة غير حقيقية من أجل أن يستمر خداع الشعب حسب ظنها، فوقعت في شر أعمالها وعجّلت في قدح شرارة الانتفاضة.
الشباب المنتفض ضد أحزاب المرجعية والذي عمل طيلة الأسابيع الماضية على التحشيد وحض الجماهير على الانتفاضة هو عينه الذي عمل بجهد كبير طيلة الأشهر السابقة للانتخابات من أجل مقاطعتها وكشف مهزلتها وفضح المستفيدين منها فنجح في الأولى وهو مصمم حتى الرمق الأخير على كسب الثانية.
حكومة العبادي كانت تعلم بأن هناك دعوات للثورة على سلطتها الفاسدة وكذلك كان قادة مليشيات الحشد يراقبون عن كثب ولذلك تعالت أصواتهم للتحذير من عودة (داعش) وخطرها المحدق ولكن تدبيرهم باء بالفشل وبدأ حراك الانتفاضة يظهر على شكل احتجاجات هنا وهناك منذ أكثر من عشرة أيام.
مقتل الشاب أسعد المنصوري الذي شارك في تظاهرة للعاطلين عن العمل يوم 8تموز في البصرة ساهم بشكل كبير في تأجيج انتفاضة الجنوب إذ كُتب على جنازته (دماء الثوار نهاية المفسدين) ومازال سقوط الضحايا مستمرا حتى اليوم.
ناهيك عن أن ما أعلنه العبادي من تخصيص مليارات الدولارات للبصرة وتعيين الآلاف، مجرد وعود لامتصاص غضب الانتفاضة، فمن فشل في تقديم أبسط الخدمات طيلة 15 عاما مع إيرادات ناهزت الترليون دولار، لن يستطيع فعل شيء منها في يوم أو يومين؛ وليس أمام العبادي إلا قمع الانتفاضة.
ولعلنا نسأل من يقف ضد انتفاضة الجنوب في العراق؟ وللإجابة على هذا السؤال أقول:
أولا: أمريكا ومن يدور في فلكها لأن الانتفاضة تعني فشل مشروعها في العراق فلا رفاهية ولا ديمقراطية ولا ماء ولا كهرباء ولا فرص للعمل فماذا ستقول أمريكا بعد عقد ونصف من الغزو وهذا موقفها ضد كل الانتفاضات والاحتجاجات الشعبية بعد الاحتلال.
ثانيا: إيران وحلفاؤها لأنها ضد حكومتها العميلة في بغداد وضد أحزابها التي تدين بالولاء لها، ولأنها تعتبر العراق حديقتها الخلفية وبوابتها للعالم العربي، وقد سمعت بملء أذنيها هتافات المتظاهرين، وشاهدت بعينها النار تضرم في مقرات أتباعها.
ثالثا: الأحزاب الحاكمة جميعها بما فيها السنية، لأن أي حراك شعبي ضد الفساد والفشل يشملها جميعا، وهم جميعا يخشون ثورة الشعب يوما ما، بل هم مستيقنون من ذلك، ولكن طمعهم فيما بين أيديهم يغريهم بالبقاء في عملية سياسية بائسة سحقت الشعب سحقا.
رابعا: مليشيات الحشد الشعبي أو قل الحرس الثوري العراقي، وهذه المليشيات تنتظر الوصول إلى سدة الحكم رسميا عبر فوزها في مسرحية الانتخابات، والذي يحصل لا يسرها، وهي تنتظر الآن نتيجة جهود العبادي وقواته في قمع الانتفاضة فإن فشل فستنفذ واجبها.
أما لو بحثت عن إجابة لسؤال من يؤيد انتفاضة الجنوب في العراق؟ فلن تجد من المنصفين غير قولهم : الشعب العراقي كله الذي يريد الخلاص من الزمرة الفاسدة التي خربت العراق ونهبت خيراته باستثناء أعضاء الأحزاب الحاكمة والمشاركين في العملية السياسية وأولئك المستفيدين من المال الحرام الذي ينثرونه على أتباعهم.
انتفاضة الجنوب فضحت وعرّت النظام الذي أسسته أمريكا في العراق تحت غطاء الديمقراطية والرفاهية وحرية التعبير وما إلى ذلك من الأكاذيب، فها هو النظام الديمقراطي يقتل متظاهرين سلميين يطالبون بأبسط الحقوق، ولا يمكنه وصفهم بالدواعش كما فعل في اعتصامات المحافظات السنية نهاية عام 2012.
وعلى مدى الأسابيع الفائتة وتحت لهيب شمس محرقة، صمد شبابٌ بصدور عارية، أمام موجات الرصاص الحي المنهمر عليهم، ففتحوا للشعب بابا للحرية، فإما أن يهب الجميع لمساندتهم، وإلا فليعُدوا سنواتٍ عجافا أخرى تحت ظل أحزاب المرجعية الفاسدة التي تستعد مليشياتها لقمع الانتفاضة.
وقد رصدت الأخبار ووثقت أن المستهدف الرئيس بالاقتحام والحرق من قبل شباب الانتفاضة كانت مقار أحزاب المرجعية وخصوصا حزب الدعوة، ومقار مليشيات الحشد وخصوصا بدر والعصائب؛ لقد أحسنوا الاختيار وعلموا سبب الداء الذي يعانيه العراق المنكوب بهؤلاء. في حين ظهر العبادي مستنجدا بمليشيات الحشد لقمع الانتفاضة (وعزل المسيئين) مع أن قواته لم تقصر إذ قتلت حتى وقت كتابة هذه السطور 15 متظاهرا وأصابت المئات وهو يقول من حق شعبنا أن يطالب ومن واجبنا الاستجابة (فلم يستجب) ولكنه يمارس القتل اليومي للمتظاهرين السلميين تحت ذريعة “المندسين”!!
وتبقى زيارة العبادي لقادة مليشيا الحشد لأجل مساعدته في (عزل المسيئين) وتصريحه بأحقية المواطن المطالبة بحقوقه، خدعة لم تعد تنطلي على العراقيين، ولرب نظرة سريعة على تعليقاتهم على المنشور نفسه تؤكد أن لا أحد يصدقهم، وأن العراقيين يؤازرون الانتفاضة.
ومثل ما فعل العبادي تفعل أحزاب المرجعية ومليشياتها التي أبدت استعدادها على (حماية التظاهرات) من (المندسين) ولكن الوجه الحقيقي للحماية التي تريد تنفيذها هذه الأحزاب والميليشيات هي حمايتها بالدهس والقنص والرصاص الحي في صدور المتظاهرين.
انتفاضة الجنوب فضحت هذه الأحزاب التي ظلت تُدجّل على أهل الجنوب باسم نهج الحسين وباسم آل البيت بينما ينهبون المليارات ويسقون الشعب كأس المذلة.
ويشاء الله أن يحترق الخميني مرتين، في ثمانينات القرن الماضي حيا وفي انتفاضة الجنوب بعد ثلاثين عاما ميتا؛ وحرقه هنا ليس كأي مكان آخر، فهنا المكر الكبار الذي مارسته أحزاب المرجعية على مدى خمس عشرة سنة، وسيحصدون قبيح ما زرعوا طال الزمان أو قصر.
أصبح المشهد السياسي العراقي أكثر وضوحا وأعمق حضورا في تداعياته التي نراها ونلمسها من خلال الإنتفاضة الشعبية العارمة التي إجتاحت جميع محافظات الوسط والجنوب العراقي وكانت تحمل معها دلالات عميقة ورسائل واضحة تحاكي الوضع المأساوي الذي يعيشه أبناء الشعب العراقي في جميع الميادين الإجتماعبة والإقتصادية والسياسية ،فانعدام الخدمات وسوع الأوضاع الصحية والتعليمية والمعاشية كلها علامات بارزة تؤطر حالة الوضع العام في عموم العراق .
جاءت إنتفاضة أبناء الوسط والجنوب لتشكل صوتا موحدا للعراقيين بوجه جميع الإخفاقات التي رافقت العملية السياسية المقيتة بعد احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الامريكية وتشكيل (5) حكومات في ظل الاحتلال والنفوذ الايراني لم تستطع جميعها الارتقاء الى معاناة الشعب العراقي بل أصبحت تشكل عبئا ثقيلا عليه وكبلته بأزمات إقتصادية وإجتماعية طيلة (15) سنة لم يشهد خلالها المواطن العراقي بجميع إنتماءاته أي تطور أو تقدم في مسارات حياته ولم يلمس أي بناء أو انجاز اقتصادي في جميع المجالات الزراعية والصتاعية والتجارية وكانت السمة الاساسية هي الاستمرار بهدر المال العام وسرقة ثروة الشعب والتحكم بمصيره الذي يريده ويسعى اليه المنتفعين والسياسين والانتهازين مصيرا مجهولا يحافظ فيه على مصالحهم وغاياتهم في الكسب الحرام وسرقة ممتلكات العراق وهدر مكتسبات شعبه .
من هنا انطلقت طلائع الانتفاضة الشعبية لتعبر عن حقيقة هذه المعاناة ولترسم صورة واضحة للمشهد السياسي العراقي ولترفع شعارات التغيير والمطالبة بالحقوق ومحاسبة الفاسدين وتحقيق العدالة الاجتماعية المنشودة ،وبقراءة واضحة للواقع الذي نشهده الان وبعد ثلاث أسابيع يمكن لنا أن نسجل الأتي :
1.إتسمت الإنتفاضة الشعبية بوضوح أهدافها ومنطلقاتها وتوجهاتها فكانت تحاكي المطالب الشعبية التي تنبع من معاناة يومية في غياب الخدمات الأساسية للمواطن من كهرباء ومياه صالحة للشرب ودعوة لمعالجة ظاهرة البطالة بين عموم الشباب .
2.رفضت الجماهير المنتفضة عمليات إحتواء تظاهراتها وبدأت بالإعلان عن نفسها بأنها تشكل صيحة بوجه الفساد والفاسدين ودعوة للإصلاح والبناء والتغيير ومنعت جميع الأحزاب والكتل السياسية من إجتثاثها أو الإساءة لها .
3.أرسلت رسائل عديدة وبخطابات فعلية عندما هاجمت مقرات الأحزاب والمليشيات المسلحة والتي حملتها نتيجة الأوضاع السائدة في العراق وما ألت اليه أحوالهم المعاشية والإقتصادية وغياب الرؤى الحقيقية والرامج الأساسية في وضع سياسة إقتصادية وإجتماعية واضحة لبناء البلد .
4.حققت الإنتفاضة الشعبية رأيا سياسيا يسعى لرفض التواجد الإيراني في العراق من خلال الشعارات والهتافات التي نادت بخروج الإيرانيين ورفض تدخلاتهم في القرار العراقي والوضع السياسي الذي يمر العراق وأتضح هذا المطلب بحرق مقرات المليشيات المسلحة المرتبطة بأجهزة الإستخبارات الإيرانية وتمزيق وحرق صور العديد من الشخصيات الدينية الإيرانية التي رفعت في العديد من شوارع البصرة وباقي المحافظات ومنها صور الخميني وخامنئي .
5.السعي الى تنسيق واضح ودقيق للتظاهرات وتحديد مواعيدها ورسم ملامحها وإيجاد لجان تنسيقية لها تؤكد استمرارها حتى تحقيق أهدافها والغايات التي خرجت من أجلها بعدما يأس أبناء الشعب العراقي من الوعود الكاذبة التي يطلقها العديد من السياسين ورؤساء الأحزاب السياسية .
6.إتسمت المعالجات الحكومية بإجراءات غير فعالة ولا يمكن تحقيقها في الزمن القريب وكانت تحمل في طياتها أساليب سريعة تحاول إمتصاص النقمة الشعبية التي واجهتها الحكومة العراقية وإن جميع المراقبين للمشهد السياسي العراقي يقولون أين كانت رئاسة الوزارة من هذه الإجراءات ولماذا أتخذت الأن ؟
7.إستخدام العنف والإجراءات الأمنية التعسفية في مواجهة المنتفضين بإستخدام الرصاص الحي والغاز المسل للدموع والخراطيم المياه والهراوات مما أدى الى إستشهاد (17) مواطنين وجرح (729) أخرين وإعتقال أكثر من (500) متظاهرأطلق سراح (336) منهم بفعل الإحتجاجات التي نادت بها منظمات حقوق الإنسان والمرصد العراقي للحريات
8.تصاعدت حدة المطالب الشعبية وهتف المنتفضون بشعار (الشعب يريد إسقاط الأحزاب السياسية) وهو شعار مشابه للأحداث التي جرت في العديد من العواصم العربية في ربيع عام 2011 وطالبت بإسقاط الأنظمة الحاكمة .
9.إن الوعود التي تحدثت بها الحكومة العراقية وأعلنتها للمنتفضين بعد عدة لقاءات مع رؤساء العشائر والشخصيات الإجتماعية المؤثرة في المحافظات المنتفضة ستكون وبالا عليها إذا لم تستطع تحقيقها والإيفاء بها وهذا ما عبر عنه المنتفضون بمنحهم الحكومة فترة زمنية مدتها عشرة أيام ومن ثم معاودة الإنتفاضة والمطالبة بإنتهاء عمر الطبقة السياسية العراقية المتهمة بالفساد والمحسوبية وإن هذه النهاية قد لا تتحق بسرعة ولكن المنتفضين وضعوا مقدماتها بوضوح.