عجاز القرآن الكريم في الحذف والتقطيع في الحروف ..الجزء الرابع

 

 

 

 

 

اعجاز القرآن الكريم في الحذف والتقطيع في الحروف ..الجزء الرابع

بقلم\ خالد الجبوري

ألمحنا بداية إلى أن الحذف لا يكون عبثا  وإنما يكون لغرض وغاية  ومن ثم ذكر اللغويون بعض الشروط ليستقيم أسلوب الحذف في الكلام  ومن أهم الشروط التي ذكروها لصحة الحذف: أن يكون في الكلام دلالة على المحذوف  اما من لفظه أو من سياقه  وإلا لم يتمكن من معرفته  فيصير اللفظ مخلا بالفهم  والا يصير الكلام لغزا فيبعد عن الفصاحة  وهو معنى قولهم: لا بد أن يكون فيما أبقى دليل على ما ألقى. ومن الأمثلة على هذا الشرط قوله سبحانه: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} (النساء:1)، والتقدير: ارحموا الأرحام. وهذا مستفاد من اللفظ. وذكروا شروطا أخرى  للحذف  ليس هذا مقام تفصيلها.

ويأتي الحذف في كلام العرب – وكذلك في القرآن الكريم – على أقسام، نذكر منها:

أولا: الاقتطاع: وهو ذكر حرف من الكلمة وإسقاط الباقي ومن هذا القبيل قوله سبحانه: {وامسحوا برءوسكم} (المائدة:6)، قيل: إن (الباء) هنا أول كلمة (بعض) ثم حذف الباقي والتقدير: فامسحوا بعض رؤوسكم. وجعل بعضهم من هذا القسم حروف فواتح السور. مثل : الم , ص , ن . كهيعص , يس . وغيرها

ثانيا: الاكتفاء: وهو أن يقتضي المقام ذكر شيئين بينهما تلازم وارتباط  فيكتفى بأحدهما عن الآخر. وأمثله هذا القسم كثيرة  أبرزها قوله تعالى: {وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر} (النحل:81)، أي: والبرد. ومن هذا القبيل قوله سبحانه: {وله ما سكن في الليل والنهار} (الأنعام:13)، والمراد: وما تحرك في النهار، وإنما آثر ذكر (السكون)؛ لأنه أغلب الحالين على المخلوق من الحيوان والجماد.

ثالثا: الإضمار: وهو أن يضمر من القول المجاور لبيان أحد جزأيه  كقوله تعالى: {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} (آل عمران:159)، وقد شهد الحس والعيان أنهم ما انفضوا من حوله، وانتفى عنه صلى الله عليه وسلم أنه فظ غليظ القلب.

رابعا: أن يستدل بالفعل لشيئين وهو في الحقيقة لأحدهما فيضمر للآخر فعلا يناسبه كقوله سبحانه: {والذين تبوءوا الدار والإيمان} (الحشر:9)، والتقدير: واعتقدوا الإيمان. ونحو هذا قوله عز وجل: {لهدمت صوامع وبيع وصلوات} (الحج:40)، و(الصلوات) لا تهدم، فالتقدير: ولتُركت صلوات.

خامسا: أن يقتضى الكلام شيئين  فيقتصر على أحدهما  لأنه المقصود كقوله سبحانه: {قال فمن ربكما يا موسى} (طه:49)، قال ابن عطية: ولم يقل: (وهارون) لأن موسى المقصود المتحمل أعباء الرسالة.

سادسا: أن يذكر شيئان، ثم يعود الضمير إلى أحدهما دون الآخر كقوله سبحانه: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها} (الجمعة:11)، لم يقل: إليهما، وتقدير الكلام: إذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهواً انفضوا إليه، فحذف أحدهما  لدلالة المذكور عليه. ونحو هذا قوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها} (التوبة:34)، فإنه سبحانه ذكر الذهب والفضة  وأعاد الضمير على الفضة وحدها  لأنها أقرب المذكورين  ولأن الفضة أكثر وجودا في أيدي الناس. وهذا القسم من الحذف كثير في القرآن.

سابعا: الحذف المقابلي  وهو أن يجتمع في الكلام متقابلان  فيحدف من واحد منهما مقابله  لدلالة الآخر عليه كقوله سبحانه: {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا} (التوبة:102)  تقدير الكلام: خلطوا عملا صالحا بسيئ  وآخر سيئا بصالح  لأن الخلط يستدعي مخلوطا ومخلوطا به  والمعنى: تارة أطاعوا وخلطوا الطاعة بكبيرة  وتارة عصوا  وتداركوا المعصية بالتوبة. ونحو هذا قوله تعالى: {ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم} (الأحزاب:24)، قال المفسرون: تقديره: يعذب المنافقين إن شاء  فلا يتوب عليهم  أو يتوب عليهم فلا يعذبهم. وهذا القسم كثير في القرآن أيضا.

ومن هنا فان حذف حرف من كلمات مثل ( حسين )  لتلفظ ( سين ) و ( علي ) لتلفظ (  لي ) و ( فاطمة  ) لتلفظ  ( طمة ) و( مهدي ) لتلفظ ( دي ) فان ذلك ينطبق على قولهم (لا بد أن يكون فيما أبقى دليل على ما ألقى.) فان المراد من تلفظ بكلمة ( سين )  هو الحسين و( لي )  هو علي وهكذا .. وقد اجاب سماحة المرجع الديني الاعلى السيد الاستاذ الصرخي الحسني في استفتاء حسم فيه النزاع في جواز او عدم جواز تقطيع او حذف بعض الحروف من الاسماء المذكورة بقوله ادام الله ظله المبارك  (- في ضوء ما تقدم يتضح أنه :-

إذا كان يقصد بالتسبيح والتقطيع (مورد السؤال) تسبيح كتسبيح الزهراء(عليها السلام) المتضمّن لأسماء الله وصفاته فإنّ هذا تشريع محرّم وغير جائز.

وإن كان ما يصدر مجردَ حرف أو كلمة ترجع إلى عنوان موسيقى أو غناء، فيشملها حكمها، فإذا كان مثلًا في الأناشيد الحربية وأناشيد الذكر الشرعية والأدعية والأذكار ورثاء المعصومين والأولياء (عليهم السلام)، جاز ذلك إذا لم يستلزم الحرام.

أمّا إذا كان ذلك من باب الحذف مع وجود ما يدلّ على المعنى المقصود وهو ما يُفهم من السؤال، حيث يعلم السائل والمستشكل أن الحرف يقصد به الإمام الحسين أو الحسن أو أمير المؤمنين أو الزهراء أو المهدي أو باقي الأئمّة أو جدّهم النبي الأمين(عليهم الصلاة والتسليم)، وبحسب ما هو ظاهر حال المجالس المنعقدة عادة، وهذا جائز ولا إشكال فيه لا شرعًا ولا لغة ولا بلاغة ولا أدبًا ولا أخلاقًا، وهو أسلوب لغويّ بلاغي متّبع ومعروف وتتميز به اللغة العربية ومن إبداعات البلاغة فيها، بل ومن إبداعات القرآن الكريم، وكما ذكرنا سابقًا بأن أسلوب البلاغة والبلاغة القرآنية قائمة على حذف الحرف الواحد والأحرف المتعددة؛ بل وحتى حذف الكلمة والجمل مع وجود ما يدلّ عليها من قرائن حالية أو مقالية، وكما في قوله تعالى: { وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا } والكلّ يفسّرها بأنّ المقصود منها: واسألوا أهل القرية، فتمّ حذف كلمة كاملة وهي (أهل) .

 

https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=1909762152428593&id=135351269869699

خالد الجبوري