عمّار تَظلِمَهُ الفئَةُ الباغية

عمّار تَظلِمَهُ الفئَةُ الباغية

رضوان العسكري

الارهاق والتعب كانا حصيلة يومي، فبعد عودتي الى البيت، جلست مع عائلتي ملاطفاً وممازحاً أطفالي، لأروح عن نفسي مما لاقيته من عناء يومي الذي انقضى بحلول الليل، فأخذت اتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، كعادتي وعادة اغلب الناس الآخرين، فشاهدت الكثير من المنشورات والبوستات, والحوادث المجتمعية, والاحداث السياسية، فمنها الكثير ما يثير الاستغراب والهجون، من خلال طريقة طرح المواضيع والتعاطي معها.

حقيقةٌ أكثر ما يثير استغرابي هي الطريقة والآلية التي يهاجم بها شخص السيد (عمار الحَكِيم)، فلم اشاهد هناك اَية شخصية سياسيّة دينية كانت أو اجتماعية، تهاجم كما يهاجم الحَكِيم وأتباعه، فبمجرد خروج بعضهم من تحت قيادته، أخذوا يصفون بالقادة وشيوخ المجاهدين والوطنيين، حتى اعدائهم أصبحوا من اقرب الناس إليهم.

كثيراً ما يشكل على السيد (عمَّار الحَكِيم)، عندما يدعوه أنصاره بإبن المرجعية! وإنها دعوى باطلة! كما أخذ الناس يحملونه كل شيء يحدث في البلد، وكأنه الحاكم الأعلى له، السؤال هل هو فعلاً ابن المرجعية؟ أم تلك الدعوى لا أساس لها من الصحة؟، هل هو فعلاً يتحمل كل ما جرى ويجري في البلاد؟.

ما يثير الاعجاب بهذا الرجل، انه كلما كثر فيه الكلام والجدل بالتسقيط والسباب، زاد التصاقاً بمظلومية (علي ابن ابي طالب)، وكيف كان علي يسب ويلعن على المنابر ثمانيين عاماً، وما بين الحاضر والماضي نستطيع ان نقول بأن (عمار الحكيم) ضحية السياسة التي جمعت علي ومعاوية تحت سقف واحد، فيسب علي ومعاوية بنفس الشتيمة او يسب علي زهدا به, ويمتدح معاوية خوفا منه وطمعاً به.

لمن يجهل السيد(عمَّار الحكيم) هو “عمار عبد العزيز مُحْسن الحكيم” لقب بالحكيم كنايةً عن جده لأبيه، السيد (محسن الطبطبائي الحكيم)، وهو ذلك المرجع الكبير الذي عمّة ومرجعيته أقطار العالم في زمانه، حيث كان يلقب بـ (زعيم الطائفة)، اَي الطائفة الشيعية، وهو المرجع الذي عاصر نهاية الاحتلال العثماني والبريطاني والملكية وحكومة (عبد الكريم قاسم) والنظام العارفي ثم ختم حياته بالصراع مع النظام العفلقي الظّالم، النظام الأكثر دمويةً مع عائلة السيد (محسن الحكيم) بالخصوص وآل الحكيم بالعموم.

كان حينها لا يوجد اَي نظير له في العالم، إذ امتدت مرجعيته من إيران الى لبنان، وصولاً الى أفغانستان والهند وحتى جنوب شرق آسيا، ناهيك عن العالم العربي بأجمعه، فأينما كان للشيعة موطئ قدم، كان للحكيم ذكر وعنوان، فهو امتداد لتلك السلالة الطاهرة، ولَم يدعي بما ليس له، فتاريخ آل الحكيم زاخر بالعلم والعلماء والمجاهدين والشهداء.

اما من يُحَمِل السيد الحكيم فشل الحكم، وتدهور الوضع السياسي في العراق فهو ظالم له، والسبب معلوم لا يحتاج للشرح والتبرير، فمن حكم العراق على مدى أربعة عشر عاماً هم حزب الدعوة، فتلاقفوها فيما بينهم تلاقف الكرة للصبيان، فمن الجعفري الى المالكي ثم العبادي، ففي كل دورة انتخابية هم الأكثر في البرلمان والأكثر وزراء ومدراء عامين، والأكثر تمثيلاً في الحكومات المتتالية ما بعد ٢٠٠٣، فلماذا يحمل الحكيم دون غيره من السياسيين المتصدين للمشهد السياسي؟.

المتابع للوضع السياسي العراقي يمكنه ان يعرف الأسباب، فالحكيم هو فعلاً الاقوى والأكثر مقبولية داخلياً وخارجياً، لذلك ترى الجميع يزوره ويتحدث معه من داخل العراق كان أو من خارجه، وهو الاول في طرح الحلول والمبادرات، التي لطالما تواجه بالرفض والتسقيط، وهو الأكثر وضوحاً في طرح مشاريعه الإصلاحية، لكنه لا يستطيع تمريرها لعدم امتلاكه العدد الكافي من أعضاء البرلمان، وخوف الآخرين من ان يحسب له الامر نجاحاً، لذلك هو الأكثر من بين الجميع استهدافاً.
فمشروع الكتلة العابرة للطائفية هي الأنجح في المرحلة القادمة، لأنها ستضمن مشاركة جميع الطوائف والقوميات لا جميع السياسيين في حكومة قويّة، كما تأسس قِبالها معارضة قويّة متنوعة، يمكنها ان تُقَوِم عمل الحكومة المقبلة، فالأغلبية السياسية حق كفله الدستور، لكن سلبياتها اكثر من إيجابياتها، لأنها سوف تشعر بعض اللذين لم يكن لهم نصيباً بالمشاركة في الحكومة بالغبن والإبعاد، وهذا الامر بحد ذاته سوف يدخل البلاد في صراعات جديدة، لا يمكن ان يتحملها الشعب العراقي من جديد.

فخوف الكثير من قوة الحكيم المؤثرة بالغالبية، هي من تدفعهم الى استهدافه مباشرةً، كما تفتح النار على اَي شخص مؤثر, أو اَي جهة ذات نفوذ داخل المجتمع العراقي، اذا ما ارادت ان تدعم الحَكِيم، فالوطنية التي ينادي بها، لم تكن مجرد دعاية أو دعوى خالية من المضمون، فما شاهدناه خلال الأشهر القليلة الماضية، والجهة التي سار الحكيم بإتجاهها، والجهة الأخرى التي اتجه اليها الآخرين، دليل على صدق أقواله وافعاله، فما يتحدث به الحكيم هو ذاته الذي يُؤْمِن به.

نهاية المطاف: نحن العراقيون لا نعرف الشخص الا بعد ان نفقده، أو يتركنا هو بذاته، فما لاقاه الحكيم من حملات استهداف لم يلاقه احد على مدى الأربعة عشر عاماً الجارية.