عيد الغدير في الفكر الوسطي والمنهج العقلائي

مامن شك يوجد بعض ممن تلوثت عقولهم وأفكارهم بالفكر الداعشي التكفيري الضال، حيث يتصورون أننا بمجرد ما نتحدث في مناسبة “عيد الغدير” ينعتنا بالطائفيين، دون أن يعرف أو يفهم حقيقة التبيلغ لرسالة النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- للناس على إن الإمام علي بن أبي طالب -عليه السلام- هو أخوه ووصيه وخليفته والإمام المفترض الطاعة من بعده، ولكون إن الرسالة النبوية لا تكتمل إلا بالتبليغ لمن هو بعده حتى لا يتشتت المسلمين ويضعف الإسلام من دون إكمال الدين وإتمام النعمة بأعلان وصيه الأجدر والأعلم والأكفأ والأصلح والأقدر على قيادة الأمة والحفاظ على تعاليم الدين ورسالة السماء بعد رحيل النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه- الى ربه -جل وعلا-، لذلك فإن عقلائية عيد الغدير كانت في زمن قلّ المتقين وكثُرَ فيه المنافقين وإدغال الآثمين وختل المستهزئين وبرز فيه المتشددين والتكفيريين الذي شوهوا صورة الإسلام المحمدي دين الإعتدال والوسطية.
ولكن من الغريب والشاذ أن أتباع خط التكفير ينفون وينكرون حديث الولاية والبيعة للإمام أمير المؤمنين علي -عليه السلام- في غدير خم على الرغم من أن الشيخين أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- قد هنئا عليًا -عليه السلام- بمناسبة تنصيبه خليفة بعد رسول الله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- وهذا ما نقلته المصادر من صحاح وكتب المذاهب الإسلامية الأربعة فضلا عن المصادر الشيعية. حيث إن حادثة بيعة الغدير والتهنئة رواها جل أئمة الحديث والتفسير والتأريخ من رجال السنة عدد لا يُستهان به فبين راوٍ مرسلًا له إرسالًا وبين راوٍ إياه بأسانيد صحاح ورواة ثقات تنتهي إلى غير واحد من الصحابة كأبن عباس وأبي هريرة والبراء بن عازب وزيد بن أرقم -رضي الله عنهم- فممن رواه:
ونكتفي بهذه الرواية للإشارة فقط، فعن الحافظ أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المتوفى 235 (المترجم ص 89) ،أخرج بإسناده في (المصنف)(11) عن البراء بن عازب قال: [كنا مع رسول الله (ص) في سفر فنزلنا بغدير خم فنودي الصلاة جامعة، وكُسح لرسول الله (ص) تحت شجرة فصلى الظهر، فأخذ بيد علي (عليه السلام ) فقال: ألستم تعلمون إني أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى. فأخذ بيد علي فقال: اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. فلقيه عمر بعد ذلك فقال: هنيئا لك يا بن أبي طالب؟ أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة] وهذه التهنئة لاشك هي دعوة وسطية ليس فيها شيء مما يدعو الى الحقد والكره والبغض لعلي -عليه السلام- بل هي رسالة سلام للأمة على إن الحق في علي -عليه السلام- وليس هذا إقصاءًا وتهميشًا وتكفيرًا للآخرين كما يفهمه بعض المتشددين.
فيوم الغدير بمشهده المعظم وأمر الله تعالى النافذ لنبيه الأمين، ليخبره جبرائيل أنْ يعلم كلّ أبيض وأحمر وأسود، أنّ الإمام عليَّ بن أبي طالب -عليه السلام- أخوه ووصيه وخليفته والإمام من بعده، الذي محله محل هارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعده، ووليهم بعد الله ورسوله (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) في زمن قلّ فيه المتقون وكثر المنافقون وأدغال الآثمين وختل المستهزئين، الذين عصوا الله في أمره وآذوا الرسول (يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ )، وخالفوه ونكروا الولاية في قوله (ما من علم إلّا علمته عليًا وهو الإمام المبين، معاشر الناس لا تضلوا عنه ولا تفرقوا ولا تستنكفوا من ولايته فهو الذي يهدي إلى الحق) فأستنكر الخوارج المارقة البغاة هذا الشرف السامي لعـليّ -عليه السلام- وهذه المنزلة الرفيعة، فراحوا ينسجون الأباطيل والمفتريات والأكاذيب حول الغدير وثوابه.
حيث أكمل الله تعالى فيه دينه، وأكثر من حجته، وقد روى حديثه الأصحاب والتابعون وتابعوا التابعين، وكفاه فخرًا بلغ من الشرف والشهرة ما بلغ، ترجمه رجال الحديث متواترًا (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِنْ لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) نزلت في علي -عليه السلام-، أكمل الله تعالى فيه دينه وأكثر من حجته، وبلغ بها نبيه الأكرم -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- الناس فريضة الولاية والخليفة من بعده، ليعهد بعهده ويقدم وصيته ويعمد إلى ما عنده من العلم وميراث علوم الأنبياء وآياتهم، ليسلمها إلى وصيه وخليفته من بعده حجة الله البالغة على خلقه علي بن أبي طالب -عليه السلام- مولى كل مؤمن ومؤمنة وهم الفائزون، إلّا من لاقى الله بعداوته من أهل النفاق والشقاق، وكانوا من الخاسرين الذين عادوا من جديد، بنهجهم المارق وفكرهم الداعشي ليعيثوا في الأرض فسادًا، ليقطع رجائهم وأملهم حفيده الإستاذ المحقق الصرخي، بضعف وهوان وفرقة وتشرذم الأمة ورجوعها للجاهلية، بنتاجه الفكري السامق ألا وهو محاضراته العقائدية وبحوثه الموسومة (بحث الدولة المارقة… وبحث التوحيد التيمي الجسمي الأسطوري).

حبيب غضيب العتابي