in

عَلِيُّ شَهِيدُ الوَسَطِيَّةِ والإعْتِدالِ.. والصَرْخِيُّ مَرْجِعُها المُعاصِر.

عَلِيُّ شَهِيدُ الوَسَطِيَّةِ والإعْتِدالِ.. والصَرْخِيُّ مَرْجِعُها المُعاصِر
الوَسَطِيَّةُ والإعْتِدالُ منهجٌ يميلُ إليه الإنسانُ بطْبيعتهِ وفِطْرتهِ، وتُؤمِنُ به جميعُ مكوناته مِنْ عقلٍ ومنطقٍ وعاطفةٍ، إذا لمْ تُشوًّه وتُلَوَّث بثقافاتٍ ظلاميةٍ مُتَطرِّفةٍ، ولَمّا نزَلَت رسالاتُ السماءِ، إعتَمَدتْ الوَسَطِيَّةَ والإعْتِدالَ مَنهجاً في الدَّعوةِ والإرشادِ، وأمَرَتْ بها، وجَعلتها المِعيارَ والمائزَ الذي يُؤَهِّل الأممَ لتكونَ شاهِداً على غيرِها ومُرشِداً له، ومَصدرا لقوَّتِها وتكاملِها وتحضُّرِها وسعادتِها، (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)، وهذا ما سارَ عليهِ الأنبياءُ والرسلُ والأئمةُ والمُصلحون، وبذَلوا وجُودَهم مِنْ أجلِ تَعْميقِه وتَرْسِيخه…
مَن يقفُ على سِيرةِ الإمامِ عليٍ -عليه السلام- يَجدُ أنَّها تتلألأ بنورِ الوَسَطِيَّةِ والإعْتِدالِ، بَلْ كانَ -عليه السلام- إعْتِدالاً وَوَسَطِيَّةً تمشي على الأرضِ، ومِنْ مَظاهرِ ذلكَ، أنَّهُ عِنْدَما رَأى نَصْرانيّاً هرِماً يتكفَّفُ، قال مُستَهْجِناً ومُوبِّخا هذه الحالةِ:« إستعملتموه حتَّى إذا كبُر وعَجز مَنعتموه، أنفقوا عليه مِنْ بَيْتِ المالِ»، أمّا في حُكمهِ وسياستِه وتعامُلِه مع الرعية، كانتْ مِنْ جُمْلَةِ وصاياهُ لمالك الأشتر:« ولْيَكُنْ أَحَبَّ الأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ، وأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ ، وأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ… وأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ ، والْمَحَبَّةَ لَهُمْ، واللُّطْفَ بِهِمْ . ولا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً ، تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ ؛ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ : إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ ، وإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ ».
إلّا أنَّ المَسيرةَ البَشَرِيَّةَ إبْتَعَدَتْ عَنْ هذا الخَطِّ، وبَلغَ الإبتعادُ ذروتَهُ في زماننا هذا، فصارَ التطرُفُ والعنفُ هوَ الصفةُ الغالبةُ في كثيرٍ من الأحيانِ، والمُهيمنُ على الفِكرِ، والصانعُ للقرارِ، والمُوَجِّه للسلوكِ، والمُحَدِّدُ للموقف، أمّا الاعتدالُ والوُسَطِيَّةُ، فأمسى شحيحًا ،مُنحَسِرًا، شاذّاً، غريبًا، مُحارَباً،إنْ لَمْ يكُنْ مَعدوماً،
لكنْ تَبقى الأسوةُ الحَسَنَةُ والقدوَةُ الصالحةُ وإنْ غيَّبَتها المؤامراتُ وعَتَّمَتْ عليها ظُلْمَةُ الجهلِ وأئِمَّتِه، مُتَجَسِّدَةً في مَنْهَجِ العُلماءِ الرِّساليينَ، والمُصلِحين الصادقين، وفي طَليعتهم الأستاذُ المُعَلِمُ الصَرْخَيُّ، الذي لَمْ يَكنْ الإعتدالُ والوُسَطِيَّةُ في فكرهِ ومنهجهِ وسلوكِه حالةً إستثنائيةً، أو ضرورةً إنتهازيةً، أو مرحلةً آنيةً، أو تكتيكيةً، وإنَّما منهجاً قرآنياًّ فِطْريّاً علميّاً أخلاقيّاً إنسانيّاً، وعقيدةً راسخةً ومُلازمةً لمسيرتِه، فباتَ كالمُعرَّف الذي لا يُعرَّف، ترجمه إلى سلوكٍ ومواقفٍ مُثَبَّتةً وموثَّقةً،
ومِنْ مَظاهرِ الإعتدالُ والوُسَطِيَّةُ قَوْلُه:« لا تُبنى الأممُ بقوةِ السيَّفِ والبَطْشِ والقمعِ والإرهابِ والرَشا والإعلامِ الزائفِ والمكرِ والخداعِ….بَلْ بالفِكرِ والمُجادلةِ بالحُسنى وبالإنسانيَّةِ والرَّحمةِ والأخلاقِ»، مُؤكداً على ضَرورةَ أنْ لا يكونَ للاختلافِ في العقيدةِ والفِكرِ انعكاساتُ سلبِيَّةُ على السلوكِ والمواقفِ، حيث يقول: « الإعتقادُ في القلب بينه وبين الله، نحنُ نرفضُ إنعكاسات ما يعتقدُ به الإنسانُ على الخارجِ، تكفير الآخر بالرأي، سَواءً كانِ على أساسِ الدينِ أو القوميةِ أو العرقِ أو المذهبِ أو أي عنوانٍ مِنَ العناوين، هذا الشيءُ مرفوضٌ وهو أنْ ينعكسِ إلى الخارجِ كسلوكِ عمليٍ إجراميٍ تكفيريِ، والمفروض أنْ نرفضه سواء كانَ على أنفسنا أو على الآخرين…».
خِتاماً نقولُ: مِنَ الواجبِ الشرعيِّ العلميِّ الأخلاقيِّ الإنسانيِّ الحضاريِّ أنْ يكونَ الإنسانُ مُعتدلاً وسطيّاً، لكنْ الأجملَ والأندرَ والأسمى، أنْ يكونَ معتدلاً وسطيّاً، في زمنٍ، إنْحَسَرَ فيهِ الاعتدالُ والوُسَطِيَّةُ ، وسادَ وسَيْطَرَ فيه التطرفُ والعُنفُ، وتَلبَّس بلباسِ الدْينِ ، فأضحى الماشي على خطِّ الإعتدالِ والوُسَطِيَّةِ، كالماشي عَكْسِ التيّارِ الماردِ، مَصيرُهُ التهميشُ والتغييبُ والقمع.
محمد جابر

What do you think?

0 points
Upvote Downvote

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0

Comments

0 comments

حبُّ عليٍ هو السيْرُعلى نَهْجهِ القويم.. نَهجُ النُّبوَّةِ، المُحقّقُ الصرخيّ مصداقًا..

من لليتامى بعدك يا علي، السيستاني آكل مال اليتيم !!.