فلسفة الألوان وتأثيرها في النفوس ..اللون الأحمر في مجالس الشور إنموذجا

الألوان حقيقة ثابتة أوجدها الله –تعالى- في الطبيعة لتكون لغة تجمع الناس بمختلف شعوبها لترتبط ارتباطاً وثيقاً بتقاليدها المتعددة التراث الشعبي والإجتماعي والحضاري، واستخدمها الإنسان القديم والحديث في طقوسه الدينية وفي عباداته ولا تخلو الأديان السماويّة من هذه الطقوس فقد ظهر اهتمام الإنسان بالألوان مع نشوء أولى الحضارات الإنسانية المُبكرّة في العالم، بدءاً من حضارة وادي الرافدين في العراق، وحضارة وادي النيل في مصر وصولاً إلى العصر الحديث، لأن الألوان استُخدِمَت في كلتا الحضارتين لكي تعطي الصور والمنحوتات الدينية في المعابد والقصور جَمَالاً وقُدسيّة وهيبة في نفس مَن يراها، فـ فلسفــــة الألوان تؤثر في حالاتنا النفسية فبعضها تبعث فينا النشاط أو الهدوء وتدفعنا إلى الإسترخاء والطمأنينة أو العمل الجاد أو الإنفعال والهيجان والحركة وووالخ، فالإهتمام بالألوان ظاهرة صحية، والشخص الذي يحب ويتابع تنسيق الألوان في منزله ومكتبه ومجلسه ومحيطه العملي أو الحياتي بشكل عام، هو إنسان بلا شك يحمل الكثير من الحيوية والمعرفة والثقافة والتنظيم وهو إنعكاس طبيعي لثقافة عالية تتجلى بالذوق الذي يعكس طبيعة الإنسان ونفسيته ،لذلك ترى الكثير من الناس يتعامل مع الألوان، ولكن بعضهم يتعامل معها بانطباع نفسي دون التمرس في القراءة أو المعرفة بماهية الألوان ومدلولاتها وتأثيراتها النفسية حيث بعضهم لا يدرك ما هي الألوان الأساسية أو الألوان الثانوية، أو الألوان المتعاكسة أو المتضادة وما هي الألوان المتكاملة والمتضامنة، وغير ذلك.
فمثلًا اللون الأحمر هو من الألوان النارية في علم الألوان ويعبر عن القوة والحب والجرأة والإنجذاب، وله تأثير قوي على أعصاب الإنسان، والذين يعانون من الوحدة ومشاكل نفسانية نراهم يحتاجون للون الأحمر، وللون الأحمر دلالة على انتماء الأشخاص إلى شيء ما، لذا نرى أنه يتم استقبال الزعماء والرؤساء أثناء زياراتهم للبلدان المختلفة على سجاد أحمر كي يشعروا بأنهم ينتمون لتلك البلاد، لذلك نجد اللون الأحمر هو اللون الأشد تأثيراً وهيجاناً وقوة وإن لهذا اللون خاصية عجيبة تتعلق بالحياة والسرور من طرف وبالموت والحرب والخطر من الطرف الآخر، وهو لون الدم على الإطلاق، وقد أطلقه العرب وصفاً للماء، وكما ورد في الحديث الشريف: “بعثت إلى الأحمر والأسود”..؟!
أما قول الشاعر بشار بن برد:
هجان عليها حُمرة في بياضها
تروق به العينان والحُسن أحمر
فإنّه عنى به الحُسن في حُمرة اللون مع البياض دون غيره من الألوان ،وإن فهم رموز الألوان ودلالاتها من الأمور الضرورية لأي فرد يرغب في إنشاء عمل خاصّ به أو مشروع معيّن في مجتمعات جديدة لم يتعرّف إليها بعد، حيث تعتبر الألوان بالنسبة لبعض المجتمعات جزءاً هاماً منها لذلك كان من الضروريّ التعرّف على الآثار المترتبة عليها بصرف النظر عن إيجابياتها أو سلبياتها، وإنّ امتلاك المجتمعات الغربية أو الشرقية معانٍ ورموز للألوان وتبنّي إستخداماتها بين بعضهم البعض ويعتبر نوعاً من التبادل الثقافيّ، فمعنى اللون الأحمر عند بعض الدول في المجتعات الغربية عموماً يرمز للطاقة، والإثارة، والعمل، والخطر، والغضب، والحب، والشغف، والمناسبات كأعيد الميلاد وعيد الحبّ وأمافي المجتمعات الشرقية عموماً يرمز للرخاء، وحسن الحظ، وللفرح عند إقترانه باللون الأبيض وفي روسيا يعني الجمال، وقد إتخذ البلشفيون العلم الأحمر شعاراً لهم عندما هزموا القيصر في العام 1917م ولهذا أصبح الأحمر رمزاً للشيوعيين، وفي الهند يرمز اللون الأحمر إلى الجنود أو الجيش وفي جنوب إفريقيا يتخذون اللون الأحمر رمزاً للحداد والعزاء، وفي الصين اللون الأحمر هو لون الحظّ السعيد، ويُستخدم ليكون لوناً في الإجازات وحفلات الزفاف، ويسمّى الأطفال الصينيون في إحتفال يسمّى البيض الأحمر وفي اليونان يلوّنون البيض باللون الأحمر قاصدين جلب الحظّ في عيد الفصح، كما ويرمز اللون الأحمر للجسد ومتعلّقاته، كما يرمز للشجاعة، والتحدّي، والقوّة، والدفء، والطاقة الإيجابية، والآليات الرئيسية للبقاء والمتمثلة في الكرّ والفرّ والرجولة، والإستثارة، والأحمر هو من الألوان الأكثر وضوحاً وتميزاً ولفتاً للإنتباه، إنّ الأشياء ذات اللون الأحمر تبدو أقرب مما هي عليه فعلاً، كما أنّ الزمن مع اللون الأحمر يظهر أسرع من المعتاد، يسرّع اللون الأحمر دقّات القلب، وينشط غريزة الصراع لأجل البقاء، إنّ اختيار الفرد للّون الأحمر شعاراً له يجعله مليئاً بالحيوية والحركة واللون الأحمر في علم النفس يرمز للحبّ، ويقول علماء الطاقة أنّه يرمز للإنتماء، وإنّ أثر موجة وتردد اللون الأحمر على الجهاز العصبيّ وخلايا الجسم من شأنها تقوية روح الإنتماء لدى الشخص الذي يُعاني من المشاكل الأسرية أو الشخص المغترب أو الذي يحسّ بالوحدة، كما انّه يدخل في علاج تلك الحالات بهدف تعديل شعور كل منهم وهذا ما يفسّر سر فرش السجادة الحمراء للدبلوماسيين الذين يزورون بلاداً غير بلادهم، فهي تهدف لرفع روح الإنتماء للبلد التي تم زيارتها..
واللون في حد ذاته آية من آيات الله تبارك وتعالى، كما ورد في قوله تعالى:
)وما ذرأ لكم في الأرض مختلفاً ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون) (31 ـالنحل) وفي قوله تعالى أيضًا:
)ومن آياته خلق السموات والأرض وإختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين) (22 ـالروم). كما وأنه يرد اللون الأحمر في القرآن الكريم بلفظه الصريح مرة واحدة مروعة بين اللونين الأبيض والأسود في الآية «27» من سورة فاطر، قال تعالى:
)ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود).
ووردت في لفظ آخر لتدل على السماء حين تنفرج أبوابها لنزول الملائكة في قوله تعالى: «فكانت وردة كالدهان» «37 ـ الرحمة». ولون الوردة يدل على لون الجلد كناية عن عظم هول يوم القيامة، وتدل الحقائق العلمية على أن اللون الأحمر أول لون يذبل ويختفي في الضوء الخافت..
كما إنه كان لباس النبي وأهل بيته -عليهم السلام- في أيام الشدة والرخاء والحرب والبلاء ويدل على الإستعداد للتضحية والشهادة والفداء ولطلب الثأر واجتثاث الظالمين، ومن هنا جاء اختيار لباس المعزين لأهل البيت -عليهم السلام- بهذا اللون وفي مجالس الشور الحسيني المقدس تحديدًا ولما تحمل هذه المجالس من أهمية كبيرة في التأثير على نفوس وعواطف المجتمع الشبابي ومن أجل إنقاذهم وخلاصهم من الإنحراف الفكري والإلحاد والتكفير السائد في المجتمع المسلم ومن أجل لفت أنتباه الشباب وإنقاذهم من الإنحدار والإنحطاط الأخلاقي ولكون هذا المشروع الفكري والإصلاحي التربوي المتمثل بمجالس الشور الحسيني قادرة على التأثير على العواطف وتحريك الشارع وإنقاذه وخلاصه من آفة الإنحراف والتطرف والشذوذ والإلحاد ولا يخفى إن هذه المجالس الحسينية كانت ولاتزال لها القوة والنشاط والحيوية والفعالية الكبيرة التي تؤثر على سلوك وفكر أفراد الشباب المسلم الواعد للتهيئة والإستعداد والجهوزية لبناء قاعدة حسينية مهدوية لنصرة آل الرسول -عليهم الصلاة والسلام-.

حبيب غضيب العتابي