المعتدلِ الوَسَطيِّ، يَنْتَصِرُ على الفِكْرِ الإقصائيِّ التكفيريِّ.

فِكْرُ الصَرْخِيِّ المعتدلِ الوَسَطيِّ، يَنْتَصِرُ على الفِكْرِ الإقصائيِّ التكفيريِّ.

مّا كانَ سلوكُ الإنسانِ ومواقِفُه، مَظْهَرًا مِنْ مَظاهِرَ عقيدتِهِ، وانعكاسًا لِما يَحْمِلُه مِنْ أفكارٍ، فلذلكَ إذا صَلُحَتْ العقيدةُ، واستقامَتْ الأفكارُ، صًلُحَ السلوكُ، وإذا فَسَدتا فَسدَ السلوكُ، وعَليهِ فإنَّ صِيانَةَ العقيدةِ والفكرِ، ضَرورةٌ لا يستغني عنها الإنْسانُ، لِيَسْتَكْمِل شخصيتَهُ ويُحَقِّقُ إنسانيَّتَهُ، فَيَنْعَم بحياةٍ سعيدةٍ وآخرةٍ أسْعَد،

الفِكْرُ لا يُحارَبُ ولا يَتُمُّ الخَلاصُ منه إلّا بالفِكْرِ، فَصاحِبُ الفِكْرِ، لا يَتْرُكُه إلّا بَفْكرٍ أقْوى مِنْهُ حُجَّةً، وأتَمُّ بُرهانًا، أمّا الإقتصارُ على مُواجَهَتِهِ عَسْكَرِيّا أو مُعاقَبَتُهُ لا يُمثِّلُ الحَلّ الناجِع، بَلْ قَدْ يُعَمِّقُ- أحيانًا- المُشْكِلَةَ أكْثَر، لأنَّهُ سَيزدادُ تَمَسُّكُه بِفِكْرِه وعقيدتِه، أوْ، إنْ إضْطَّرَ- لأسبابٍ تكتيكيةٍ- فانَّهُ قَدْ يُظْهِرُ بَراءَتِهِ مِنْهُ، وُيُبْطِنُ تَمَسِّكُهُ بِهِ،

وَلِهذا فإنَّ إيمانَهُ وقَناعَتَهُ بأنَّ فِكْرَهُ خاطئٌ، هوَ مَنْ يَقودُهُ إلى التَبَرُءِ مِنْهُ ظاهرًا وباطِنًا، وهذا لا يَتَحَقَّقُ إلا بالمواجَهَةِ الفِكْرِيَّةِ، في إطارِ الحوارِ المَوْضوعيِّ الوَسَطِيِّ المُعْتَدِلِ، وهذا ما دَعا إليهِ الأستاذُ المُعَلِّمُ الصَرْخِيُّ بِقَوْلِهِ:« هذهِ هيَ حَقيقةُ الأمْرِ، فلا خَلاص للإسلامِ والمُسْلمينَ، ولا ‏للإنْسانِ والإنْسانيَّةِ في الشْرْقِ والغَرْبِ، إلّا باستئصالِ هذا الفِكْرِ التَكْفيريِّ الداعشيِّ، لِابْنِ تَيْميَّةِ ‏المارقِ القاتِلِ الإرهابي، ولأمثالِهِ في باقي الدياناتِ، المُنتَسِبَةِ إلى المَسيحيَّةِ أو اليَهوديَّة أو ‏البوذيَّة أو غَيْرِها…»

داعش، أيديولوجيةٌ، قَبْلَ أنْ تَكونَ تَنْظيمًا عَسْكَرِيًّا إرهابِيًّا، تَسْتَمِدُّ شَرْعِيَّتَها مِنْ الإرْثِ الفِكْري المُتَطَرِّفِ، الذي أسَّسَهُ تقيِّ الدِين بِن تيمية، الذي عاشَ في القِرْنِ الثالث عَشَر، وهوَ نَمُوذَجٌ آخَرٌ مِنَ الَتْنظيماتِ المُتَطَرِّفَةِ المُنْتَسِبَةِ للإسلامِ، التي تَتَغَذَّى مِنْ نَفْسِ الإرْثِ التَيْمي، كتَنْظيمِ القاعدةِ وجَبْهَةِ النُصْرَةِ وبوكو حرام وغَيْرِها، بَلْ، قَدْ يَكونُ مُنْبَثِقًا مِنْها، أو نَفْسَها، لكِنْ بِعِنوانٍ جَديدٍ،

وعلى ضَوءِ ما ذَكرْناهُ، وما لَمْ نذْكُرْهُ، فإنَّ الإستراتيجيَّةَ الناجِعَةَ للقَضاءِ عَلَيهِ، وعلى غَيرِهِ نهائيًا، هيَ المُواجَهَةُ الفِكْرِيَّةُ لَهُ، ولِكُلِّ أنواعِ الإرهابِ، وَلِهذا بادَرَ الأستاذُ المُعَلُّمُ الصَرْخِيُّ، إلى خَوْضِ غِمار هذِهِ الُمواجَهَةِ الفِكْرِيَّةِ، بأسْلُوبِهِ الشّرْعِيِّ العِلْميِّ الوَسَطيِّ المُعْتَدِلِ المَوْضوعيِّ، فَناقَشَ مَنْظومَةَ الفْكْرِ المُتَطَرِفِ الذي طَرَحَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةٍ، وأثْبَتَ بالدليلِ القاطعِ، والبُرهانِ الساطعِ الواضحِ الجَليِّ، مُخَالَفَتَهُ للقرآنِ الكريمِ، والسُنَّةِ النَبَوِيَّةِ المُطَهَّرَةِ، والعَقْلِ والأخلاقِ، مِنْ خِلالِ مُحاضراتِه التيِ طَرَحَها عِبْرَ شَبَكَةِ التواصُلِ الاجتماعي، في بَحْثِ:( وَقَفاتٌ….مَعَ تَوحيدَ إبْنِ تَيْمِيَّةِ الجِسْميِّ الأسطوريِّ)، وبَحْثِ:( الدَوْلَةُ.. المارِقَةُ… في عَصْرِ الظُهورِ… مُنْذُ عَهْدِ الرَسولِ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسَلَّم)،

فكانتْ مادةً عِلْميَّةً رَصينَةً سَلِسَةً، عَلَى طَبَقٍ مِنْ ذَهَبٍ، دَفَعَتْ الدُوَلَ التي تُريدُ الخَلاصَ مِنْ داعشَ، وكُلِّ أنواعِ الإرهابِ ومَصادِرَهِ الفِكْريَّةِ، إلى القَيامِ بإجراءاتٍ، مِنْ شأنِها تَجْفيفُ مَنابِعَ الإرهابِ الفِكْريَّةِ، فَعَمِلَتْ على إنهاءِ وجُودِ الفِكْرِ التَيْميِّ الداعشيِّ في مَناهِجِها وحياتِها العَمَلِيَّةِ والعِلْمِيَّةِ، فَمِنْها مَنْ أتْلَفَتْ وأحْرَقَتْ كُتُبَ رموزِ الفِكْرِ التَيْميِّ، ومِنْها مَنْ فَتَحَتْ مَراكِزً ومُجَمَّعاتٍ، وأقامَتْ نَدَواتٍ ومهرجاناتٍ، تَدْعوا للفِكْرِ الإسلاميِّ المُعتَدِلِ (السُنْيّ والشيعيّ) على حَدٍّ سَواءٍ، ونَبْذِ الِفكْرِ المُتَطَرِّفِ، مَهْما كانَ انْتِماؤهُ، ومِنها أصْدَرَتْ تعليماتٍ وسَنَّتْ قَوانينَ، تُنَظِّمُ ضَرورةَ مُراجَعَةِ مَناهِجَ وبَرامِجَ ومُقَرَّراتِ تَدْريسِ التَرْبِيَةِ الدينيَّةِ، سَواء في المدارسَ الرَسمِيَّة أو الأهليةِ، وتنقيتها مِنْ سُمومِ الفِكْر المُتَطَرِّفِ، فِي إتجاهِ إعطاءِ أهميةٍ أكبرَ للتَرْبِيَةِ على القَيَمِ الإسلاميَّةِ السَمِحَةِ، الداعيَةِ إلى الوَسَطِيَّةِ والإعتِدالِ، وإلى التَسامُحِ والتَعايشِ مَعَ مُخْتَلَفِ الثقافاتِ والحَضاراتِ الإنسانيَّةِ.

محمد جابر