قصــــــة الــهزيــــمة . في ضوء بحوث سماحة السيد الاستاذ الصرخي الحسني ..الجزء التاسع والعشرون

قصــــــة الــهزيــــمة . في ضوء بحوث سماحة السيد الاستاذ الصرخي الحسني ..الجزء التاسع والعشرون

بقلم \ خالد الجبوري

ما زلنا مع  احداث السقيفة وما نجم عنها من تداعيات  فيما بعد مازالت اثارها حتى يومنا هذا ومازالت امتنا تدفع ثمنها الباهظ من وجودها وهويتها ودينها ورسالتها وحضارتها ومصيرها وقد شكلت بداية الهزيمة المادية و النفسية كما قلنا في مقالاتنا السابقة حيث قوضت تلك الاحداث الاسلام المحمدي الاصيل فتحولت الرسالة من رسالة دينية الهية فرضتها السماء ورسمت خريطتها ووضعت مبادئها وأحكمت دستورها ونظمت احكامها وأكملت مضامينها وفي النهاية نصت على قيادتها ولكن .. يبدو ان المنافقين كانوا يحوكون  خيوط المؤامرة منذ زمن وكانوا يتحينون الفرصة وهاهي الفرصة جاءت عند  وفاة النبي الاعظم عليه الصلاة والسلام وعندما قلنا في الجزء السابق بان ما حدث عند القوم الذين  اجتمعوا في المسجد النبوي وبعد ذلك في السقيفة  من مواقف انفعالية لا نقصد بها انها عفوية بطبيعة الحال وانما قصدنا بها انها كانت تتميز بالسرعة والعجالة والا فانها كانت مدبرة  من قبل الحي الثالث المرواني وبني امية ولولا الحركة التي قام بها الخليفتان ابو بكر وعمر ( رض ) لاستطاع ال مروان وال ابي سفيان من التغلغل من البداية في جسد الامة , وظل  المنافقون يحاولون وبكل ما اوتوا من دهاء ومكر من ابعاد الامام علي عليه السلام من قيادة الامة وقد كان قادة الكفر والنفاق يحاولون اختبار امير المؤمنين في مواقفه وكذلك كانوا يحاولون زرع الفرقة واستمالة الاطراف المتنازعة للحصول على اكبر قدر من التنازلات التي تصب في صالحهم وانتهاز الفرص المؤاتية قدر المستطاع واستغلال نفوذهم ومكانتهم عند العرب ومن جملة تلك المواقف التي تجلت بها الانتهازية والنفاق بأوضح صورها وهي مبادرة ابو سفيان بالقول الى امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام كما في الرواية (  ما بال هذا الامر في اقل حي من قريش ” ابو بكر من قبيلة تيم القرشية الضعيفة ” والله لئن شئت لاملئنها عليه خيلا ورجالا .. راجع تاريخ الطبري ج2 ص 326 والفتنة لهشام جعيط دار الطليعة بيروت 1995 ص32 -40 وهنا ابو سفيان انما قال هذا القول لعلي عليه السلام ليس حبا بطبيعة الحال وليس حرصا منه على تسنم بني هاشم للسلطة وانما  يحاول فرض  نفسه بديلا امام علي عليه السلام وعند قبوله لكلامه ان حصل فانه  سوف يضمن الى جانبه معارض لا يمكن ان تغريه الدنيا مهما عرضت عليه العوارض وسوف يزيح من امامه  جبلا شامخا وصلدا لايمكن التناطح معه ولذلك جاء رد الامام عليه السلام سريعا بالرفض التام لما عرض عليه ابو سفيان مع انه كان بأمس الحاجة لمساندة رجل واحد ولكن للرجال مواقف واي مواقف لا تنزى ولا تخزى ولايغرها شيء ولا تخاف في الله لومة لائم ولا تهادن ولا تساوم ولا تجامل على حساب الحق وهكذا هو علي بن ابي طالب عليه السلام الذي حسده الحاسدون وبغضه المنافقون  وهتفت منابرهم بسبه وشتمه على مدى سنين طويلة وهذا الموقف من الامام علي عليه السلام لهو اكبر دليل على انه عليه السلام لايبغي  الحكم  والسلطة لاجل الحكم والسلطة والرياسة وانما كان عمله وجهاده ومواقفه كلها من اجل الاسلام المحمدي الاصيل والحفاظ على بيضة الاسلام والا لو كان لاجل الحكم والسلطة لقبل بشروط ابو سفيان وانتهى الامر لذلك فلقد لقي الامام عليه السلام وبنو هاشم والأئمة عليهم السلام من قريش ما لقوا من حرب شعواء وبغض واستبعاد واقصاء وكما قال الامام محمد بن علي الباقر عليه السلام وهو خامس ائمة اهل البيت عليهم السلام ما نصه ( يا فلان ما لقينا من ظلم قريش ايانا وتظاهرهم علينا وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس ان رسول الله صلى الله عليه واله قبض وقد اخبر انا اولى الناس فمالأت علينا قريش حتى اخرجت الامر من معدنه واحتجت على الانصار بحقنا وحجتنا ثم تداولتها قريش واحدا بعد واحد حتى رجعت الينا فنكثت بيعتنا ونصبت الحرب ولم يزل صاحب الامر في صعود كئود ) ابن ابي الحديد شرح نهج البلاغة بيروت 1961 ج11 ص43 .. وبذلك فان قريش عادته  عليه السلام بالرغم من كل فضائله التي لا يرقى لها أي احد فالمكانة  العالية التي منحها اياه الرسول وامام  الملأ بقوله ( من كنت مولاه فهذا علي مولاه ) وقرابته المباشرة للنبي الاعظم صلى اله عليه واله تجعله – لجهة النسب والمصاهرة وكونه ابا احفاده – اقرب الناس للنبي على الاطلاق وكذلك سابقته  في الاسلام كونه اول من امن بالرسول وبحكم مساهماته وتضحياته وجهاده و مواقفه لاجل الدين والرسالة فهو المحمدي الاول بلا منازع وبالرغم من تلك العناصر او المعايير  التي يمتلكها الامام علي عليه السلام فان قريش وقفت موقفا معاديا ضده ومازال بعض الكتاب يحتجون ان امير المؤمنين عليه السلام  لم يذكر له حق ولم يداعي بحقه في الوصية والإمامة في  أي مصدر من مصادر التاريخ كما يزعمون ولكن لو قرأنا في نهج البلاغة ..دار الذخائر قم 1990 ج2 ص 202 فانه عليه السلام يقول ..( اللهم اني استعديك على قريش فانهم قد قطعوا رحمي وأكفأوا انائي واجمعوا على منازعتي حقا كنت اولى به من غيري وقالوا : الا ان الحق ان تاخذه وفي الحق ان تمنعه , فاصبر مغموما او مت متأسفا فنظرت فاذا ليس لي رافد ولا ذاب ولا مساعد الا اهل بيتي وصبرت من كظم الغيظ ..) ..

وبالمقابل فقد اعترف الكثير من الكتاب والمحدثين والمفسرين والرواة على حق علي عليه السلام وحتى اعداء علي عليه السلام لم يستطيعوا كتم حقه او غض البصر عن الاستعداء والبغض والحرب التي تعرض لها عليه السلام وخصوصا من قبل منافقي قريش وعتاتهم وعلى رأسهم بني امية  وكان في مقدمة المعترفين  رغما عن انفه امام المارقة الدواعش ومرجعهم ابن تيمية .. ففي المحاضرة 15 لسماحة السيد الاستاذ من بحثه الدولة المارقة حيث يقول ( ـ في منهاج السنة: {{ولم يكن كذلك علي (عليه السلام) فإن كثيرًا من الصحابة والتابعين كانوا يبغضونَه ويسبّونَه ويقاتلونَه.. وقد عَلِم قدحُ كثيرٍ من الصحابة في علي عليه السلام}} (وعند قراءة كتب التاريخ والسير والسنن وغيرها لا تجد من يسب علي ويبغضه من الصحابة ورموزهم إلا القليل ومنهم وعلى رأسهم معاوية، ويقولون: من أين لكم الدليل بأن معاوية كان يسب عليًا؟ هذا إمام المارقة ابن تيمية يصرح بهذا، أما أهل القبلة من المسلمين والسنة هم شيعة حسب مصطلح المارقة التيمية؛ لأنهم يحبون عليًا، لأنهم يتبرؤون من مبغضي علي سلام الله عليه) (فهذا قول إمام النواصب والخوارج والدواعش والمارقة ابن تيمية)
ب ـ وقال شيخ الخوارج والنواصب التيمي في نفس المصدر: {{أما أنتم فمتناقضون، وذلك أنّ النواصب من الخوارج وغيرهم الذين يكفّرون عليًّا (عليه السلام) أو يفسّقونه أو يشكّون في عدالته من المعتزلة والمروانيّة (إذن آل مروان على شعب النفاق ومنافقون ويعتبرهم ابن تيمية أئمة مفترضي الطاعة) وغيرهم، لو قالوا لكم: ما الدليل على إيمان علي(عليه السلام) وإمامته وعدْلِه لم تكن لكم حجّة( انتهى

وهنا واضح ان شيخ المارقة يعترف بنفاق بني مروان وفي نفس الوقت يعدهم من الائمة المفترضي الطاعة وهذا تناقض واضح من شيخهم المنافق

ثم يضيف سماحته بعد  ذلك بقوله (الآن يأتيك تيمي غبي إمعة يقول لك: ابن تيمية في مقام الرد، أقول: أنا أتيت هنا بإقرار ابن تيمية بوجود نواصب من مروانية وغيرهم يبغضون عليًا عليه السلام، الخوارج والنواصب المروانية وغيرهم عند التيمية والذين أيضًا نواصب عندهم ثقاة تصح الرواية عنهم، بل هم الزهاد العباد ويروون عنهم في كتبهم ) 

وكما قلنا فان المنافقين ممن عاصروا النبي كانوا يبغضون علي عليه السلام ويكفرونه وبإقرار من  ابن تيمية نفسه مع العلم ان ابن تيمية يعتبر سب الصحابة  واتهامهم كفر وخروج وارتداد على الدين حيث يحتج بقول النبي صلى الله عليه واله كما في البخاري  (البخاري: الفتن: {{قَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وآله وسلم: سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ  (  وقد شهد ابن تيمية ان الكثير من الصحابة كانوا يسبون عليا عليه السلام وبالتالي فانهم على جانب الكفر والارتداد على حسب حكم ابن تيمية  ولكنه لا يفسق ولا يكفر معاوية واتباع معاوية وهم الذين ظلوا يسبون علي عليه السلام  على منابرهم عقود طويلة من الزمن وبذلك فان ابن تيمية على دين معاوية وليس على دين علي يقول سماحة السيد الاستاذ بعد ذلك في نفس المحاضرة ” (الثالثة): شيخ التيمية قد غَفَل عن كون ما قاله عن سبّ وقتال عليعليه السلام يعني الفسق والكفر، بل إنّ التقاتل بين الصحابة يعني الرِدّة والرجوع الى الكفر ويعني أن القاتل والمقتول منهما في النار، فماذا يقول ويفعل أهل الايمان والانصاف لمّا يعلموا أن شيخ الخوارج التيمي يجعل الصحابة مورد تطبيق الأحاديث الصحيحة في ارتداد وتفسيق وكفر المتقاتلين ودخولهم الى النار؟!: )
أ ـ البخاري: الفتن: {{قَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وآله وسلم: سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ}} (اللهم اشهد أن ابن تيمية قد أقرّ بأن الكثير من الصحابة يسبون عليًا ويقاتلون عليًا، وأنت يا رسول الله تقول: إن سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، فإذا لم يحكم ابن تيمية بفسق وكفر الصحابة الذين يسبون عليا ويقاتلون عليًا، فإذن هو لا يقول بإسلام علي عليه السلام، لأنه لو كان علي مسلمًا عند ابن تيمية، لحكم بفسق وكفر الصحابة الذين يسبون ويقاتلون عليًا، لكن التالي باطل إذن الأول باطل، لكنه لا يفسق ولا يكفر معاوية وأمثال معاوية الذين يسبون ويكفرون عليًا، إذن هو لا يعتبر عليًا من المسلمين، إذن ابن تيمية لا يعتقد بإسلام علي ولو اعتقد بإسلام علي لامتثل لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أن سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، هذه حقيقة ابن تيمية الناصبي الخارجي الداعشي الإرهابي، منه أتى القتل والتقتيل وسفك الدماء، الذي يقتل علي في حياته وبعد مماته ماذا تتوقع منه مع باقي المسلمين من السنة والشيعة؟ ومع الشرقيين والغربيين، مع المسيح، مع كل القوميات ومع كل الأجناس) ..

وقد يؤيد ما قلناه سابقا ان  الاحداث التي حصلت بعد وفاة النبي صلى الله عليه واله قد ادت الى انحراف المسار السياسي الاسلامي الى مسار طائفي وقبلي واصطفافات وتحالفات همها الحصول على المكاسب والسلطة وليس الحفاظ على الرصيد التربوي والعقائدي والاخلاقي  الذي انعقد على يد الرسول صلى الله عليه واله ومع مرور الزمن زاد الانحراف وترسخ وسبب التصدع والتشرذم والتفرق والانحلال وكذلك ادى الى  حصول المنافقين من المروانيين والامويين على مواطىء اقدام تشبثوا بها ومن ثم تلاقفوها بينهم وأصبحت ملكا لهم  وقد  اقر المقريزي* (  ان بني امية اصبحوا هم القوة الغالبة ذات المواقع المستحكمة في الدولة الجديدة بحيث اصبح لبعضهم امثال معاوية استقلالية تامة في ادارة السلطة ) وطبعا هذا كله بفضل السقيفة وما رافقها من وقائع وهذه النتائج الكارثية لها والهزيمة المادية والنفسية الماحقة ..

ولكن تبقى امامة علي عليه السلام ضمن الجعل الالهي لا تضره قبول الناس او نكرانهم لها  او موافقتهم ومبايعتهم او عدم مبايعتهم لان الامام هي جعل الهي ولا يزيدها اعتراف الناس ولا ينقصها نكرانهم فكما ان النبوة لا يزيدها اعتراف الناس بها ولا ينقصها نكرانهم لها  الا ان تحصيل ثمارها لا يكون الا بقبول الناس بها وانقيادهم لمقتضياتها الموضوعية بتسهيل مهمة الامام المعيّن من الله .. (( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ }البقرة124 .. فان ابراهيم عليه السلام اماما سواء امن به الناس ام لم يؤمنوا  لان الامامة  جعل الهي لا علاقة له بقبول الناس  او نكرانهم ..